ابتعاث باكر لدراسة السينما

كيف تتطور الدراما السعودية؟ اذا كانت الكوادر تتدرب ذاتياً بلا معاهد عليا ؟ .. اذا كانت أبجديات الصناعة مفقودة.. والاستثمار في الصناعة مصدود عنه.. وصناديق التمويل التي ترعاها الدولة لا وجود لها إلا ما تنفقه هيئة الاذاعة والتلفزيون وتديره بعقليات ديناصورية خشبية! .. كيف تتطور الدراما السعودية اذا كانت المسلسلات المحليّة تصوّر في عجمان، والممثلين يقطنون دبي!

دائماً أقول ان افضل طريقة لمقارنة السعودية هي مقارنتها بنفسها. هذه أقصوصة صحافية من عام 1961 يحصر فيها المشرف العام على شؤون الاذاعة والصحافة والنشر حاجات البلاد من الكوادر الفنية والاعلامية الى وزارة المعارف بحسب الرغبة الملكية. وهي تشمل الطلب بابتعاث لطلاب لدراسة فن التصوير والاخراج السينمائي في معاهد أمريكا.. وآخرين في مجالات تكميلية ومساندة .

لعل عقلية “الستينات” اكثر حداثة من العقليات المعاصرة !

صحيفة الرائد. العدد 82 . بتاريخ 2 اكتوبر 1961

صحيفة الرائد. العدد 82 . بتاريخ 2 اكتوبر 1961

Posted in مٌباشرة للتدوين | أضف تعليقاً

الأصفهاني أنقذ الصُحف السعودية

كانت دار الأصفهاني بجدة اشهر الدور الوطنية في الطباعة والنشر منذ الخمسينات.. يقع مقرّها الفاخر على شارع المطار المركزي :

1

أسسها محمد حسين أصفهاني في عام 1954، وهو احد مواطني جدة الذي أدار في شبابه بسطة لبيع الصحف والمجلات المستوردة في ساحة البُنط أمام مسجد عكّاش القديم.. ثم اتسع حاله وافتتح مطابعه الفاخرة او دار الأصفهاني الشهيرة :

محمد حسين أصفهاني -يمين- وعبدالله الفيصل وزير الداخلية -يسار- ومن خلفهما الشيخ عثمان باعثمان مدير عام العين العزيزية والوجيه الشيخ محمد الطويل.. في افتتاح دار الأصفهاني عام  1954

محمد حسين أصفهاني -يمين- مع عبدالله الفيصل وزير الداخلية -يسار- ومن خلفهما الشيخ عثمان باعثمان مدير عام العين العزيزية والوجيه الشيخ محمد الطويل.. في افتتاح دار الأصفهاني عام 1954

كانت دار الأصفهاني تطبع اهم الصحف السعودية حينها؛ جريدة البلاد.. وصحيفة عكاظ والرائد..ومجلة الأسبوع التجاري ومجلة المنهل.. وجميعها تصدر من جدة ومكة كما طبعت صحيفة الخليج العربي التي كانت تصدر في الخُبر :

3

أصفهاني -يسار- يتصفح مع عبدالقدوس الأنصاري احدى بروفات مجلة المنهل من داخل المطابع

وغير الطباعة اشتهرت دار الأصفهاني بأعمال الزنكوغراف وتصميم الإعلانات والعلامات التجارية.. هذا مثال :

4

كما عملت في مجال التغطيات الفوتوغرافية وتوزيع الصور كوكالات الأنباء على الصحف والجهات.. سواء صور شخصيات رسمية او أهلية او تغطية مناسبات عامة :

5

7

الأستاذ محمد حسن عوّاد مزهواً بأناقته وشبابه في صور من تنفيذ الأصفهاني

حفل المفوضية التركية بأوتيل جدة بالاس عام 1958

حفل المفوضية التركية بأوتيل جدة بالاس عام 1958

و دائماً ما كانت الصحف تبرز أدوار دار الأصفهاني على صفحاتها.. تقديراً لجهودها المتفانية في ظل الضغوط التي كانت تسير خلالها عملية النشر الصحافي آنذاك :

8

كان محمد حسين أصفهاني على ريادته الصحافية والإعلامية، رجل مجتمع من طراز عالٍ.. فهو عضو في لجان جدة الدائمة.. ورجل خير وإحسان.. وعضو مجلس ادارة في نادي الإتحاد.. بل وصاحب التوأمة بين اتحاد جدة والزمالك المصري. كانت داره الشخصية او مجالسه المنعقدة بدار الأصفهاني او أسفاره الى القاهرة لا تخلو من حضور لكبار رجال الأدب والصحافة والفن والمجتمع والرياضة .. لكن أبرز جوانب شخصيته على الاطلاق التي اشتهر بها في ذاكرة جدة الجمعيّة.. هي مقالبه الشهيرة  التي يبدو انه لم يسلم منها أحد :

9

* * * * *

ومع توتر الأزمة بين عبدالناصر والسعودية خلفية حرب اليمن.. وقعت الأزمة الكبرى في الأسبوع الأول من يناير 1962 حينما اوعزت السفارة المصرية بجدة الى رعاياها العاملين بالمطابع الى الاضراب وايقاف العمل بشكل مفاجئ لإحداث شلل للإعلام السعودي من خلال حجب صُحفه الكبرى عن الصدور. لكن المحاولة رغم نجاحها في الإرباك بائت بالفشل المشهود كون جميع الصحف صدرت مُنتظمة من دون تأثر :

الرائد. العدد 97 الصادر في 15 يناير 1962

الرائد. العدد 97 الصادر في 15 يناير 1962

ولهذا الإنتظام قصة. فالأصفهاني شمّر عن سواعده، ووصل الليل بالنهار، وأخذ يعمل طيلة 16 ساعة يومياً.. جنّد فيها نفسه وشبّانه العاملين من الوطنيين، الذين كانوا لايزالون في مطلع حياتهم المهنيّة.. كان أبو المقالب الساخنة كمن لقّنه الزعيم عبدالناصر احد اكبر مقالب حياته !

يذكر الأستاذ عبدالله جفري، الذي كان يعمل في بداياته المهنية في صحيفة عكاظ، كيف كان الأصفهاني عشية اضراب العمال الفنيين المصريين، يقف على رأسه في مكتب عكاظ لإنهاء ماكيتات الصحيفة واخذها معه لتصدر في موعدها (راجع: مشواري على البلاط للجفري) :

11

الشاب سعيد احمد الغامدي على مطابع اللينوتايب في دار الأصفهاني عشية اضراب العمال الفنيين المصريين

12

الشاب أحمد حامد الغامدي على مطابع اللينوتايب في دار الأصفهاني عشية اضراب العمال الفنيين المصريين

واغتاظ النظام الناصري، فمررت آلته الدعائية أخباراً تفيد بأن السعودية احتجزت العمال المصريين وحبست عنهم حقوقهم. لكن الصحافة السعودية اظهرت كذب التلفيقات الناصرية.. واظهرت صحيفة الرائد لرئيس تحريرها عبدالفتاح أبومدين، على صدر صفحتها الأولى صوراً حيّة، لا تظهر فقط حرية تجوّل العمال الفنيين، بل واصرار مطابع الأصفهاني على تصفية حقوقهم واعطائهم هي كاملة :

14

15

16ولم يقف الاضراب على مطابع جدة ومكة والمدينة.. فاوعزت السفارة المصرية لعمال مطابع الرياض الى الاضراب هم الآخرين في الأيام التي تلت :

17مرّت الأزمة بسلام. خسر عبدالناصر الباقي من تعاطف الصحافة السعودية التي كانت كمن طُعن في شرفها الصحافي، وذهبت افتتاحيات الصحف المحلية الى ضرورة تطوير صناعة الطباعة وتدريب وتأهيل الوطنيين لسدّ الفراغ وانعدام الحاجة الى الغير :

18

Posted in من تاريخ الصحافة | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

من تاريخ صحافتنا: صحيفة الأضواء تتصدى لأرامكو

تأسست صحيفة الأضواء في جدة في 4 يونيو 1957.. كأول صحيفة تصدر من جدة في العهد السعودي (وثاني صحيفة بعد صحيفة بريد الحجاز). وكانت تصدر بشكل اسبوعي، كل ثلثاء . اتخذت مقراً لها في شقة بعمارة البنك الأهلي بشارع الملك عبدالعزيز الشريان التجاري الأول في جدة حينها . وكانت تطبع في مطابع الأصفهاني الشهيرة بطريق المطار :

1أسسها الثلاثي الشاب؛ محمد سعيد باعشن الذي رأس تحريرها :
3وعبدالفتاح أبومدين ومحمد أمين يحيى (وان كان الأخير قد تخلى عن حصته في ملكيّة الصحيفة بعد انطلاقها وبقي كاتباً فيها) :
24وكان يكتب فيها ويعمل في تحريرها مجموعة من الشباب الوطني الصاعد.. مثل عبدالعزيز الفرشوطي، وحمدان صدقة حمدان وعبدالعزيز عطية أبوخيال ومحمد سعيد العوضي وسعد البواردي وعبدالله الحصيّن وعبدالعزيز النقيدان وأحمد صلاح جمجوم.. حتى سميّت بصحيفة الشباب السعودي. كما كان يكتب فيها رمز الأدب الحديث، محمد حسن عوّاد، وهو خال لرئيس التحرير محمد سعيد باعشن:8امتازت الصحيفة بخط صحافي مستقل و حُرّ ، غلفته بلغة خفيفة وحديثة . سلّطت الضوء على انجازات عهد الملك سعود، لكنها كانت شديدة اللهجة ضد تقصير وزارة الصحة والبلديات وقلم المرور وغيرهم من الإدارات الحكومية.. وركزّت على تطوير الإقتصاد الوطني وأنظمة العمل والعمال. انحازت لتعليم البنات ، كما سلطت الضوء على مجتمع جدة التجاري -سلباً وايجاباً- ناهيك عن الاهتمامات الأدبية والاجتماعية :

محمد سعيد باعشن رئيس تحرير الأضواء مع نخبة المجتمع الجدّاوي في احدى حفلات السفارة التركية بفندق جدة بالاس.

محمد سعيد باعشن رئيس تحرير الأضواء مع نخبة المجتمع الجدّاوي في احد حفلات السفارة التركية بفندق جدة بالاس.

لكن ابرز ملف تصدّت له الأضواء هو تحديها لسياسات التمييز التي رافقت شركة الزيت العربية الأمريكية (ارامكو) في بداياتها.. وهو السجال الذي ادّى الى اغلاق الصحيفة لاحقاً! .. وهو ما سنستعرض تفاصيله الكاملة هنا ..

* * * * *

بدأت المواجهة عبر خبر مررته الأضواء في صفحتها الأولى في العدد 62 الصادر في 12 اغسطس  1958.. اشارت فيه الى رفض لجنة جدة لجمع تبرعات منكوبي حريق مكة، برئاسة الشيخ محمد الطويل، لتبرع “زهيد” من ارامكو.. اعتبرته اللجنة خدشاً للكرامة الوطنية.. ورأت فيه الصحيفة ان “الشركة التي تستنزف خيراتنا” كان خليق بها تقديم اموال اقل رمزية واكثر سخاء مع النواحي الوطنية الخيرية :

11وكي نقف على مزاج المرحلة.. وسياسة الصحيفة في ذلك الوقت.. يمكن جداً ان نطالع افتتاحيتها في العدد الذي يليه (العدد 63 الصادر في 19 اغسطس 1958) حيث افتتاحية الأستاذ محمود عارف، عن ضرورة مساواة الموظفون الأهليّون بالأجانب في الإجازات من قبل أنظمة العمل والعمال :

12

لكن الشرارة التي قدحتها الأضواء في عددها ماقبل الماضي، ضد ارامكو كانت قد استفزت فعاليات صحافية أخرى وزميلة، التي تجاوبت مع ما اسماه تحرير الصحيفة “صيحة الأضواء” ضد ارامكو :

13

ومع العدد المشترك 68 و69 الصادر في 16 سبتمبر 1958 نجد ان الصحيفة قد تبنت قضية مساواة الأجور بين الوطنيين والأجانب، على صفحتها الأولى، وقامت بمقارنة سياسة الابتعاث الهزيلة وشبه المنعدمة في ارامكو مقابل “عدد مبعوثي شركة نفط زيت بغداد الى الجامعات الاجنبية فهي تبعث سنويا ما يقارب من الثمانين طالبا سنويا.” كما انها اكدت على تهدور أحوال “المساكن الحقيرة” التي يقطن بها العمال السعوديين بمقرّ الشركة بالظهران :

14

المفارق ان الصحيفة كانت قد دشّنت حملتها الصحافية ضد ارامكو، فيما كانت الصحيفة لا تزال تنشر اعلاناتها على صفحاتها:

15

ولمّا كان موضوع تبرعات ارامكو حديث الساعة في جدة.. صدّرت الاضواء مانشيتاً في العدد 70 الصادر في 23 سبتمبر 1958 بعنوان: “ارامكو تتبرع بـ133 دولار لدار الحنان والأيتام بينما تتبرع بـ 15 الف دولار لمستشفى كِنيدي التذكاري”.. في اشارة واضحة الى التفاوت الهائل بلغة الأرقام :

16

17وقد رافقت الصحيفة سبقها الصحافي بسلسة من التحقيقات الاستقصائية من داخل الشركة بعنوان: “كل شئ عن ارامكو”.. استهلته منذ هذا العدد:

18وفي العدد 71 واصلت الصحيفة حملتها بتغطيات ومانشيتات على صدر الصفحة الأولى.. فكتبت: “لماذا هذه التفرقة يا أرامكو؟” :

19

20كما استمرت في سلسلتها الاستقصائية :

21لكن الحملة الضارية تباطئت اضطرارياً مع احتجاب الصحيفة لثلاث أسابيع، بسبب توقيفها اثر مقال نشره محمد أمين يحيى عن ذكرى المولد النبوي، اضطر مع عودة اصدار الصحيفة ان يعتذر عنه :

22

23

* * * * *

وتزامنت عودة الصحيفة للصدور مع تغطيتها للمؤتمر الصحافي الأول الذي دعا اليه رئيس الوزراء الأمير فيصل بعد اقتراح من حسن عبدالحي قزّاز رئيس تحرير صحيفة عرفات استجاب له الفيصل :

26وفي المؤتمر تعمد محمد سعيد باعشن ان يسأل الأمير فيصل عن موقف الدولة من ارامكو، الذي جائت اجابته واقعية ومتطلعة ولمّاحة :

27وقد استغل باعشن الإجابة في تصدير مانشيت لا يخلو من الدهاء يعلن من خلاله استئناف صحيفته لحملتها ضد ارامكو بعد هدنة فرضتها عليها ظروف الاحتجاب القسرية :

24وطبعاً..استغلت صحيفة الأضواء فرصة المؤتمر لتظهر ثقة السياسيين في الصحيفة وكادرها.. بابراز صورة الأمير فهد بن عبدالعزيز مع باعشن في الصفحة الأولى مذيّلة بوصف يلائم اهداف الصحيفة :

25كما قطعت الصحيفة، في صفحتها الثانية، طرف الأقاويل التي دارت اثناء أزمة احتجابها، بمساومتها لشركة ارامكو مقابل صمتها.. فكان بيانها التالي :

28

* * * * *

واستمرت الصحيفة في حملتها المنظمة. في العدد المشترك 75 و76 الصادر في 4 نوفمبر 1958.. كتبت الصحيفة: “امنحي الموظفين السعوديين ثقتك يا ارامكو” :

29

ثم عادت مع العدد المشترك 77 و78 الصادر في 11 نوفمبر 1958 باثارة قضية المساومة من جديد وبمانشيت في الصفحة الأولى :

30

كما استمرت في سلسلتها من داخل ارامكو.. التي وظّفت فيها المشاعر القومية العربية الصاعدة والملتهبة حينها بشكل غير اعتذاري :

31المفارقة اللاذعة ايضا ان ذات العدد حمل اعلاناً مركزياً لصحيفة ارامكو، تهنئ فيه جلالة الملك سعود في عيد جلوسه الخامس، فيما بدا محاولة من ارامكو الى عدم قطع كافة سبل الود والتفاوض المستقلبيّة مع ادارة الصحيفة :

32

* * * * *

واستمرت الصحيفة في توجيه نقدها الى ارامكو.. مركزة هذه المرة على اخفاق مدير علاقاتها العامة، الأمريكي، المستر جاك بتلر، في فهم واستيعاب الصحافة والأصوات المحليّة الناقدة، وانقطاعه عن تطورات الشأن المحليّ :

33

34

كما استمرت في سلسلتها من داخل ارامكو.. مبرزة هذه المرة سياسة التمييز داخل مرافقها الترفيهية :

35

لكن هذا العدد سيشهد آخر اعلان تنشره أرامكو عبر الأضواء.. بعد ان قررت أرامكو قطع اعلانتها اعترافاً بفشلها في سياسة الإحتواء التي رمت اليها مع ادارة تحرير الصحيفة :

36

* * * * *

ومع العدد 80 الصادر في 25 نوفمبر 1958 .. نشرت الأضواء بياناً كانت ارامكو قد اصدرته، فيه تصويب من وجهة نظر الشركة لبعض المعلومات التي اثارتها الصحيفة. الاضواء نشرت البيان كاملاً، فيما ارجأت الرد عليه في العدد التالي :

37وفي الرد.. ركزت الصحيفة على تلاعب البيان الصحافي للحقائق واخفائه لتفصيلات الأرقام.. وهو رد يستحق الإشادة للغته الصحافية الدقيقة والمتقدمة مهنياً :

38

ومع العدد 82 الصادر في 9 ديسمبر 1958 سنلاحظ تصعيداً من القطب الثاني في الأضواء، عبدالفتاح أبومديّن (السائح) الذي جيّر افتتاحية الصحيفة، الى توبيخ شركة أرامكو على نظام مناقصاتها الغامض وانتقاد ضعف وغياب الشفافية فيها :

40كما جاء في العدد ذاته تحقيق يظهر تفاوت المعاملة للعامل السعودي في مستشفيات ارامكو الداخليّة :

41اما العدد المشترك 83 و 84 الصادر في  16 ديسمبر 1958  .. فقد حمل بُعداً استقصائياً يخص موازنة ارامكو:

42تبعه العدد الذي يليه مع استمرار للحملة :

43لكن العدد ذاته حمل ايضاً، احتجاج من الأضواء على حرق ارامكو للأعداد المخصصة للتوزيع لمنسوبي شركتها، وذلك بحرقها وعدم اقلاع طائرة جدة-الظهران بالنسخ المخصصة سوى من عدد رمزي لاطلاّع القيادات :

44كما حمل ايضاً، ارهاصة تفاعل شعبي مع حملة الصحيفة.. فكتب علي عسيري من ادارة الجوازات والجنسية بجدة تعقيباً يؤكد فيه تأثره الشديد بتمييز ارامكو الذي اظهرته تحقيقات الأضواء المتعاقبة:

45

* * * * *

وجاء العدد 86 بافتتاحية صاخبة من احد رموز الصحافة السعودية آنذاك، وهو عبدالوهاب آشي، الذي كتب بدوره: “ما هكذا أيها الأمريكي المسؤول.. يُحسن أن تتكلم!” :

46وكان تعليق من الأستاذ عبدالله عريف، في صحيفة البلاد، التي كان قد دخل على خط الحملة، ناقش فيه معطيات الشركة في التعامل مع العمال المحليين.. فيما بدا ان كرة الثلج الصغيرة، قد بدأت في التدحرج والإنتفاخ :

47

كما حمل العدد.. نبرة متفاؤلة من الصحيفة بإبراز نتائج حملتها التي جلبت لها ما عدّته إنتصاراً للصحافة وللصحيفة :

48

* * * * *

وحملت افتتاحية العدد 87 الصادر في 6 يناير 1959.. تصعيداً صاخباً من رئيس التحرير محمد سعيد باعشن، الذي اعلن رسمياً عن وجود حرب ممنهجة من الشركة لإسكات الصحيفة عما تراه حق من حقوقها في الدفاع عن مقدرات الوطن وحقوق العمال الوطنيين :

49واستمرت الأضواء في حملتها رغماً عن كل الضغوط المتزايدة :

50

وجاء العدد المشترك 89 و90 الصادر في  13 يناير 1959 .. مستمراً في لهجته  التصعيدية الحادّة :

51واستعرض العدد ايضا نماذج للتفاعل الشعبي الذي كان ينمو ضد الشركة وسياساتها التمييزية .. فكان هناك استكتاب لأصوات من الظهران والرياض وبقيق وعرعر .. فيما يؤكد نجاح الأضواء الى اختراق طبقات المجتمع وحشد تأييدها لقضيتها :

52ووعد مُعد الصفحة أعلاه الى استئناف الآراء والمظالم في العدد القادم.. لكن المفاجأة كانت في تعليق وايقاف الصحيفة بشكل نهائي إثر تحقيق صحافي شهير نشره محمد سعيد باعشن عن “العبد” سالم الذي اشترى نفسه.. وتزامن نشره مع هذا العدد:

5354

55لقد صدرت اوامر بسحب رخصة الأضواء بذريعة نشر تحقيق “سالم شاري نفسه”.. لكن اصحاب الجريدة اكدوا في غير مرّة ان حملتهم ضد ارامكو هي من تسبب، او لعب دوراً رئيسياً على الأقل في اتخاذ القرار. توقفت الأضواء عند عددها الـ 90 بعد ان استمرت طيلة 20 شهراً. كانت فيها من أجرأ التجارب الصحافية واكثرها جاذبية . انسحب محمد سعيد باعشن، لكن عبدالفتاح أبومدين استأنف تجربته في امتداد صحافي باصداره لمجلة الرائد .

Posted in من تاريخ الصحافة, مٌباشرة للتدوين | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , | أضف تعليقاً

غرفة تجارة جدة تأسست عام 1916

Screen shot 2015-05-04 at 3.56.22 PM
افصحت غرفة تجارة وصناعة جدة [بيت التجارة] البارحة عن هويتها البصرية الأخيرة. لن اتطرق الى شكل ومضمون الشعار -وان كنت أبدي كامل تحفظي عليه فنياً وجوهرياً- انما لفت نظري تاريخ تأسيس الغرفة الذي تذيل الشعار واستقر على عام ١٩٤٣ كعام للتأسيس، وهذا خطأ تاريخي فادح يستوجب التصويب العاجل.

تأسست الغرفة التجارية في جدة في الخامس من ذي الحجة لعام ١٣٣٤ الموافق الثاني من اكتوبر لعام ١٩١٦.. وكان تأسيسها بناء على رغبة من تجار جدة، الذين رفعوا للشريف حسين بعيد ثورته العربية بشأن النظر في انشاء غرفة للتجارة “للنظر في الوسائل النافعة لتحسين حالة التجارة في ثغر [جدة] وتهيئة أسباب الحركة الحيوية في أسواقها”. وقد عُيّن السيد محمود محمد مراد كأول رئيس للغرفة التجارية بجدة، وتشكّلت لجنة من عُمد تجّار جدة في الكيان التأسيسي المصاحب لها. كما رافق تأسيسها تغطية صحفية من جريدة القبلة المكيّة، في العددين ١٥ و ١٦، حيث نقلت كلمة الشيخ مراد التي القاها في حفل الإفتتاح، الذي حضره حشد من مجتمع جدة التجاري والأعيان والقناصل، حيث “أديرت كؤوس المرطبات.”

وكانت الغرفة تستلم امر تنظيم البواخر التجارية الواردة من بومباي وكراتشي، والسنابيك العاملة بين موانئ البحر الأحمر وميناء جدة، وتصدر بيانات دورية مفصلّة بصحيفة القبلة، وعلى منشورات يجري تداولها في مرافق مؤسسة الميناء، تحتوي اعداد البضائع وأنواعها، لإعلام التجار بالفرص المتوفرة.

ونحن نلاحظ وجود اسم الشيخ محمود مراد، بارزا في كافة الاحتفالات الرسمية والمراسم العامة التي تلت تعيينه، كرئيس لغرفة التجارة. بل انه صعد كجهة تشريفية.. ففي العدد ٢٨٣ من جريدة القبلة (١٩ شعبان، ١٣٣٧ = مايو ١٩١٩) نلاحظ، مثلاً، ان رئيس الغرفة التجارية محمود مراد برفقة الشيخ سليمان قابل رئيس البلدية، قد استقبلا سوياً باخرة أمريكية تحمل عشرين ألف صندوق بترول، وردت الى ميناء جدة لغرض بيعها بالتجزئة على تجار جدة.

ومحمود مراد، هو ابن الشيخ محمد مراد، مُحرر مجلس ادارة جدة في اول عهد الشريف عون الرفيق، وهو احد الرجال الذين عملوا مع موسى افندي البغدادي وكيل الشريف في جدة، وقائمقام جدة الأسبق، ومنافس عمر نصيف على منصب وكالة الامارة في جدة.

Posted in مٌباشرة للتدوين | أضف تعليقاً

جدة من ميناء التجارة الهندية إلى مدينة عالمية.. آن الأوان؟!

كتب: محمود عبدالغني صباغ

احتفلت فرنسا بمرور 175 عاماً على تأسيس قنصليتها في جدة. لم يسبقهم أوروبياً إلى جدة سوى البريطانيين حين وصل في سنة 1836 أول قنصل للإنكليز، أقام بها، ونُصبت أمام داره بنديرة (علم) هي أول بنديرة أوروبية ترتفع على سارية في جدة، كما في عبارة المحليين.

لكن الوجود البريطاني التجاري إلى جدة سبق خطوتها القنصليّة بكثير، وارتبط بصعود نفوذ بريطانيا على سيادة البحار، واستحواذها التدريجي منذ منتصف القرن الثامن عشر على تجارة المحيط الهندي، أي تجارة السلع الهندية المنطلقة من موانئ بومباي وسورات وكلكوتا إلى موانئ المخا وجدة والسويس على البحر الأحمر، ليعاد شحنها إلى موانئ أوروبا الغربية.

دخل الإنجليز فضاء البحر الأحمر من بوابة الهند والتجارة الهندية، إذ اعتبرته معبراً استراتيجياً وجسراً تجارياً. كانت تجارة الهند هي الـRaison detre أي سبب وجودهم في جدة.

وقبل الصعود الأوروبي، انتمت جدة إلى فضاء المحيط الهندي العريض، وكانت جزءاً صميماً من وحدته وتركيبته التجارية والثقافية والبشرية والاجتماعية.

بُعث ميناء جدة من جديد في نهاية القرن السادس عشر، بعد أن كان انحسر تجارياً مع اكتشاف رأس الرجاء الصالح سنة 1498.

اُتخذت على عهد مراد الثالث إصلاحات ضرائبية تنافسيّة، فرضت عودة خط المخا – جدة – السويس للمراكب القادمة من الهند، ومن خلفها الصين. ومع انحسار نفوذ البرتغاليين الذين أرادوا احتكار التجارة الشرقية بتحويلها حصراً عبر مجرى رأس الرجاء الصالح، واستيلاء هولندا على حركة الملاحة في المحيط الهندي مع عام 1602، عادت الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، وانتزع ميناء جدة مكانته من جديد.

وما إن انتصف القرن الثامن عشر، حتى وصل ميناء جدة إلى ذروته الأولى. لم يقتصر دوره كميناء لأسواق الحجاز وداخل الجزيرة العربية فحسب، بل صعد كمركز إعادة تصدير رئيسي للتجارة الهندية، نصيبها من التجارة الدولية.

كان في صعود ميناء سورات الهندي مع بواكير القرن الثامن عشر كأعظم مركز اقتصادي في المحيط الهندي، لقربها من مصانع النسيج، إعلاناً لصعود محور سورات – جدة الحيوي للشحن البحري. كانت سورات في ولاية كوجرات، نقطة انطلاق التجارة الهندية مع جدة، فيما كانت جدة نقطة إعادة التصدير لمصر ومن خلفها أسواق أوروبا مفتوحة الشهية إلى استهلاك السلع الشرقية من توابل وبخور وعطور وحرائر وأقطان وأرز وقمح وبُن ومر وتنباك وأخشاب وصبغات وفضيات وخزفيات.

ومع 1768 كانت هناك تسع سفن عملاقة تبحر من الهند إلى جدة بشكل دوري تحمل كل واحدة منها بضاعة تفوق سعرياً 200 ألف باوند.

صعدت مؤسسة الميناء في جدة، لعوامل، جوهرها المشترك أن جدة كانت مرنة وديناميكية وسريعة الاستجابة إزاء واقع وإيقاع تحولات التجارة والجيو – سياسة وأنماط الاستهلاك.

وخلافاً للضريبة المفروضة في مرفأ السويس على البضائع الهندية التي وصلت إلى 12٪ كانت جدة تفرض في أوقات، ضريبة تتراوح فقط بين 6٪ و9٪.

ومع ترسخ محور سورات – جدة، أصبحت جدة ميناء تجّار مصر الأول. منها يُعاد تصدير السلع الشرقية إلى أسواق القاهرة وأوروبا عبر قنطرة ميناء السويس، وعلى رصيف مينائها (البُنط) تعقد صفقات المسافنة لمصلحة مناديب تجّار ووكالات الغورية والجمّالية والسكريّة وخان الخليل وباب زويلة والبندقيين والفحاميين وخان الحمزاوي، الأوردة الرئيسية لتجارة مصر.

ولاحظ الرحالة والمستشرق بوركهارت سنة 1814 لو أن السويس كانت هي من يتاجر مباشرة مع الهند، لا عبر محطة جدة، لكان الوضع الحالي المزدهر في جدة تقلّص كثيراً. لكن جدة أنصتت جيداً إلى إيقاع تحوّلات الجيوسياسة، وقدمت نفسها دوماً كخيار استراتيجي أول، بل وفي أحايين، انتزعت المكانة تلك بألاعيب السياسة.

وإزاء إصرار شركة الهند الشرقية البريطانية، والشركة الشامية Levant company، وشركة الشرق الفرنسية Compagnie d»orient et des indes، اضطرت الدولة العثمانية، في سنة 1839، إلى افتتاح البحر الأحمر من جديد أمام أساطيل الشركات الأوروبية. لكن الباب العالي وجد أن توحيد الميناء في جدة (وليس في السويس) يُبقي الواردات من الضريبة الجمركية في يد شريف مكة التابع لهم – وليس للمماليك المستقلين عنهم، ويشكلون قوة منافسة وتهديداً مُحتملاً.

كان أشراف مكة، بتفويض ورغبة من الباب العالي يتحكمون بجمرك جدة، ويتقاسمون مداخيله الوفيرة مع الباب العالي.

وحاول علي بك الكبير، القائد المملوكي في مصر، وبتشجيع من كارلو روزيتي مستشاره الاقتصادي، ضم الحجاز لنفوذه عبر تشجيع أشراف طموحين للوصول إلى الحكم، وللإمساك بالتالي على طرف مفاتيح البحر الأحمر والتجارة الهندية وتحويل الميناء من جدة إلى السويس. لكن محاولات علي بيك الكبير، ومن بعده أبوالدهب، لإزاحة ميناء جدة وتأهيل ميناء السويس بديلاً عنه، باءت بالفشل. رفض الباب العالي محاولات استصدار فرمان سلطاني يسمح للأوروبيين بتفريغ شحناتهم مباشرة في السويس. ورغم نجاح القائد المملوكي في تشكيل شركة مع حاكم البنغال الإنجليزي هاستنغ لفتح خط تجاري مباشر بين كالكوتا والسويس، إلا أن مغامرة المماليك انتهت إلى فشل مشهود، إذ استطاع شريف مكة تشكيل تحالف دولي يضم الباب العالي، تجار البصرة وحلب، مسؤولي الشركة الشامية، وشركة الهند البريطانية، بل وحكومة بريطانيا نفسها ضداً على المغامرة المملوكية.

ولم يكن مسموحاً للسفن الأوروبية أن تُبحر أبعد من ميناء جدة شمالاً، وكانت المسافنة، أي تفريغ البضائع، وتحميلها على سفن أخرى محليّة تقطع بقية الرحلة صوب السويس مسألة مفروضة على أساس الامتياز (الفرمان) وقوة الأمر الواقع. لقد جمع تجّار جدة، ومن خلفهم شريف مكة، بين امتياز ميناء جدة كنقطة إعادة تصدير حصرية على البحر الأحمر، وامتياز تشغيل وصلة الشحن بين خط جدة – السويس. هكذا وبفضل مزايا الترانزيت، أمست جدة مع غروب شمس القرن الثامن عشر أغنى مدينة عربية، وأكثر مدينة تتركز فيها ثروات فردية.

ورُصدت ظواهر للترف عند المحليين. في حفل ختان أولاد الشريف سرور في مكة، استمر الحفل لسبعة عشر يوماً، وسط مظاهر شعبية واسعة من الترف والبذخ واللهو العام. وفي عشاء حضره اللورد جورج فالنتيا في أحد بيوت أكابر تجار جدة سنة 1805 أحصى عدد الأطباق التي وضعت أمام كل ضيف حتى وصلت إلى ستة عشر طبقاً من كل أنواع اللحوم والحلوى، اُختتمت بالشربيت والقهوة!

كانت صفقات التجارة الهندية التي تعقد على أرصفة ميناء جدة، تتم بالمال الجاهز وبالفضة وريال التريزا ولا تقايض ببضائع أخرى.

ومع نهاية القرن الثامن عشر، صعدت في جدة طبقة أعيان وبيوت تجارية تملك ثروات سائلة لإتمام الصفقات المباشرة مع الهند أو لإقراض التجار المحليين الأصغر شأناً. كان بيتيّ الجيلاني وسقّاط أثرى بيتين تجاريّين في جدة. بلغ تقدير ثرواتهما منفصلة في سنة 1814 من 150 إلى 200 ألف جنيه إسترليني لكل بيت. إلى جانبهما كان في جدة ما يفوق الـ12 بيتاً تجارياً يملك أصحابها من أربعين إلى خمسين ألف جنيه إسترليني.

وتدفقت إلى خزائن ميناء جدة وساحة مينائه رساميل أجنبية؛ مسقطية ومصرية وشامية ومغربية وهندية وأخرى من سواحل فارس وزنجبار. لم تكن السويس ولا حتى القاهرة حينها قادرتين على توفير المال الجاهز، إذ كانت السلع الهندية تباع هناك بالدين طويل الأمد.

وأصبحت جدة ملتقى تجار الشرق، الذين يفدون إليها في مواسم وصول «مركب الهند» – حين تتقاطر سفن البضائع الهندية على ميناء جدة ابتداء من مايو، تزامناً مع هبوب رياح الخماسين، وتظل راسية إلى يونيو وأحيانا إلى أغسطس.

ومع تضخم المصالح، وتوسّع شبكات النفوذ، واعتماد الهيكل السيسو – اقتصادي على عوائد الميناء، استطاعت جدة أن تهضم أي تحوّل يمس موازين القوى في البحر الأحمر الذي كان بدوره مسرحاً هائجاً للتنافس الدولي، وأن تجيّر أي تحولات في اتجاه مصلحتها.

وصعد نجم الشريف سرور بن مساعد، ومن بعده أخوه الشريف غالب الذي كان يملك بدوره سفناً ضخمة تعمل في نقل التجارة الهندية، وأبديا مهارة سياسية وقدرات رفيعة على المناورة مع كافة القوى السياسية القائمة في زمانهما من الباب العالي والمماليك ونابليون والبريطانيين ومحمد علي باشا وآل سعود. وصعد من طبقة الأعيان في جدة الحاج إبراهيم الجيلاني، الذي كان على صلة مع الشريف المحلي، وحليفاً للإنجليز ضد الفرنسيين، ورئيساً للتجار في جدة، ضافره بنفوذ يمتد إلى حضن الحجاز العشائري، حتى بات معروفاً على المستوى الدولي في تجيير علاقاته الواسعة ورساميله السياسية لحماية تجارة البحر الأحمر. ووضع أحد تجّار البحر الأحمر محمد المحروقي الذي يقيم بين القاهرة ومكة، نفسه كجزء من التخابر السري الذي جرى بين الشريف غالب ومحمد علي باشا لإخماد توسعات السعوديين، وانضم شخصياً إلى حملة طوسون باشا إلى الحجاز سنة 1811.

ومع كل تحوّل في ميزان السلع الاستراتيجي كانت جدة دوماً حاضرة لاقتناص الفرص. ومع دخول البُن اليماني كمنتح جديد وكسلعة استراتيجية منذ منتصف القرن السابع عشر، فرضت جدة، بالاستعدادات اللوجستية التي راكمتها، أمر تصديره إلى مصر وأوروبا وقفاً على مينائها. تكرر هذا مع تفجّر موضة الأقمشة الهندية عالمياً، ثم مع لحظة صعود التوابل كسلعة استراتيجية.

كانت الأجندة التجارية تتبع حركة الملاحة المنتظمة وإن بدت من طبيعة عفوية. ما كان موسم التجارة الهندية في ميناء جدة يطوي أشرعته في أغسطس، حتى تفد أساطيل أخرى آتية من مسقط والبصرة وأفريقيا وزنجبار محملة بالعبيد والسجاجيد الفارسية والتبغ والتمور – تستقبلها على أرصفة الميناء صيحات ونداءات لتجار ووكلاء وسماسرة جدد. وحدها تجارة بُن القهوة اليمانية، بقيت تدور صفقاتها وأعمالها المرفأية في جدة طيلة العام لمرونة حركة السنابيك المحليّة.

ورافق صعود الميناء في جدة، ازدهار صناعة المراكب الشراعية فيها. ومع خمسينات القرن التاسع عشر كانت جدة هي مركز التصنيع الأول في البحر الأحمر، حيث تصنع البواخر ذات السارتين على يد حرفيين مهرّة يصنعونها من الخشب المليباري الخام.

ولُوحظ صعود للذهنية التجارية المبتكرة في جدة. كانت السفن الميري أو الخاضعة للأوقاف العثمانية التي تنقل إلى الحجاز المعونات العينية السنوية من الحبوب وجرايات الحنطة بدلاً من عودتها فارغة من جدة تتحمل بسلع التجارة الهندية والبن اليماني.

ولاحظ بوركهارت سنة 1814 أن جدة كانت أقل مدينة عربية يتداخل فيها الخداع والاحتيال في تعاملاتها التجارية البينية. كان حجم التجارة والإيقاع المنتظم للتجار والمناديب والوكلاء أضفى على تعاملاتهم طابعاً منتظماً وقياسياً ورسخ لأعراف عمليّة صارمة. ومع مطلع القرن التاسع عشر، كانت الصفقة التي تعقد في مصر أو سوريا بين تاجرين مقدارها ألف دولار أمريكي تستغرق عملاً لعدة أيام وجهود ثلاثة إلى أربعة سماسرة ووسطاء – كانت تتم في جدة بين بيع وشراء لكامل حمولة السفن في نصف ساعة، ويدفع المال بالكامل في اليوم التالي، وتشحن مباشرة إلى السويس وتباع في القاهرة، حيث تجد طريقها إلى سوق مصر أو أوروبا.

وقدمت مؤسسة الميناء في جدة حزمة تسهيلات مرنة، ازدهرت معها تجارة الجملة المحلية. وكان تجار جدة يبيعون السلع الهندية بصافي ربح خمسين في المائة إذا باعوها بالتجزئة، وبعشرين إلى ثلاثين في المائة حين يبيعونها بالجملة في مكة أثناء مواسم الحج.

ومع كل تدهور في الميناء كانت مؤسسة الميناء تنتفض وتعيد إصلاح نفسها. نظّم الشريف غالب جبي الضرائب والرسوم الجمركية وانخفض الابتزاز الذي كان يتعرض له التجّار في العهود السالفة، ثم أحدث نوري أفندي، قائمقام جدة، انقلاباً فوقياً للميناء حينما وسّع رقعة المرفأ وأعاد تصميمه في سنة 1866 على نمط ميناء الإسكندرية.

ورافق عهد التنظيمات، عدة إصلاحات منذ 1868 – فتأسست إدارة حديثة لميناء جدة، كما أسست محكمة تجارية كانت مكاناً لفض النزاعات والتحكيم وتوثيق عقود الوكالات والسمسرة و«القمسيون».

ورافق تدفق السلع والرساميل، تدفق مثيل للأفكار والبشر وموجات الهجرة التي ساهمت في تنويع نسيج المدينة وإغناء الحياة الإثنية فيها.

لقد أضفت مركزية جدة التجارية طابعاً كوزموبوليتانياً كان عنوان هويتها الأبرز منذ القرن السادس عشر.

جاء إلى جدة أولاً تجار القاهرة ووكلاؤها ومغامروها من مصريين ومغاربة وشوام ثم مع اتساع اتصال جدة بفضاء المحيط الهندي، توالت تدفقات العناصر الأبعد من هندية وحضرمية ومسقطية وعرب سواحل فارس، واندمج كثير منها في نسيج المدينة، بل وارتقى بعضهم إلى مرتبة الأعيان، وفي مطلع القرن التاسع عشر كان هناك في جدة مائة عائلة هندية من سورات وبومباي. ومنذ منتصف القرن الثامن عشر، استقر تجّار إنجليز في جدة بشكل دائم، وآخرون مسيحيون يونان وأرمن وقبارصة. ويهود كانوا سماسرة المدينة.

ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ارتفعت في جدة، على التوالي، رايات قنصليّة هولندية وسويدية ونرويجية ونمساوية وسوفيتية ويونانية وفارسية وإيطالية، إلى جانب الرايات العثمانية والبريطانية والفرنسية. وعرفت جدة منذ القرن الثامن عشر مظاهر انفتاح على ملامح الحداثة الأوروبية وتسامح مع الأوروبيين – حتى إن فتنة مقتل المسيحيين في 1858 كانت من طبيعة سياسية وخلفية اختصام تجاري، ما لبث أن عادت حياة الأوروبيين في المدينة إلى سابق إيقاعها بعد محاكمة المتورطين.

وحدّت معوقات طبيعية، مثل محدودية كميات مياه الشرب، من الاكتظاظ السكاني في جدة، وأبقته دوماً عند سقف الثلاثين ألفاً. وساهم التجهيز الاستشفائي الضعيف في انتشار وبائي الطاعون والكوليرا بتكرار، رغم كل جهود الكورنتينات والصحيّات والمستشفيات الموسمية المتنقلة الآتية من القسطنطينية أو الهند، أسهم كل ذلك وبدرجة كبرى في كبح اتساع المدينة.

هزّ افتتاح قناة السويس سنة 1869 مكانة ميناء جدة، وسلب منها مقومات إعادة التصدير. لكنه لم يكن انهياراً درامياً مباشراً لتزامنه مع سنوات من عدم استتباب الأمن. إنما ومع حلول 1882، كانت جدة تلاشت تماماً من على خارطة مراكز إعادة التصدير. أصبحت المسافنة على رصيف مينائها عبئاً ثقيلاً على الرأسمالية الحديثة التي بحثت عن تخفيض تكلفة النقل، ناهيك عن أن محور الباب العالي – شريف مكة كان تضعضع نظراً لخسارة السلطنة العثمانية أراضيها في مصر مع الاحتلال البريطاني، ودخولها مراحل الوهن.

وإذا كان افتتاح ميناء السويس شؤماً على ميناء جدة، فإنه كان شؤماً مضاعفاً على المصريين، نظراً للشروط المجحفة التي وُقع فيها العقد في عهد سعيد باشا، وتدميره لخط القوافل البري التقليدي؛ السويس – القاهرة – الإسكندرية للبضائع القادمة من جدة والذاهبة إلى موانئ أوروبا.

لكن الواقع الجديد أفسح المجال أمام تجار جدة إلى التكيّف مع قوانين عصرهم الناشئة، مسلّحين بإرث التجارة الهندية. خسر ميناء جدة وجهه الاستراتيجي، لكنه أبقى على وجهه التجاري متوهجاً، جرّاء ازدهار حركة الملاحة نتيجة صعود استخدام المراكب البخارية. وأفسح مجال النمو التجاري، وتوفر السيولة الكبرى في يد تجار جدة، واتساع شبكة الاتصال مع تأسس النظام البرقي والبريد المنتظم/التلغراف في الحجاز منذ عام 1882، وتطور أنظمة التأمين، إلى ظهور قطاع خدمي جديد في جدة هو قطاع نقل الركّاب.. كان من الأكثر حيوية على طول الإقليم.

هكذا تحوّلت الصناعة الموازية للتجارة في ميناء جدة من المسافنة وإعادة التصدير إلى خدمات نقل مسافري البحار والحجّاج والترانزيت البشري مع الهند وسنغافورة وجاوى وزنجبار وبقية موانئ المحيط.

وصعدت بيوت محلية من جدة استثمرت في نقل ركّاب أعالي البحار منذ سنة 1883 انطلاقاً من قاعدة جدة، مثل حسن جوهر وعمر السقاف وعمر نصيف، وبيت باناجه ثم بيت عرب وأخيراً بيت زينل، إلى جانب أجانب كالخواجة أوزوالد وفان دير شايس الهولندي وبيت جيلاتلي هنكي الإنجليزي.

وبدا ميناء جدة وكأنه لم يتخل قط عن مجده القديم. حتى وصل إلى ذروته الملاحية والتجارية الثانية في سنة 1906، ثم أخذ في التقلص التدريجي على وقع إرهاصات الحرب الكونية وضرب طبولها.

تجاوزت جدة اضطرابات الحرب العالمية الأولى بفضل إدارة الشيخ محمد الطويل للميناء الذي كان مع ذلك الوقت أشبه بالبنك المركزي، ثم تجاوزت اضطرابات الكساد العظيم بالثلاثينات بفضل إدارة الوزير الفذّ عبدالله السليمان. ومنذ البدء في تصدير الزيت 1939 والتحوّل الاستراتيجي في ميزان النفط، حتى اتساع المدينة الكوبرنيكي مع إصلاحات السبعينات؛ محمد سعيد فارسي البلدية وفايز بدر المرفأية (ومن خلفهما الأمير فهد بن عبدالعزيز)، إلى صعود الذهنية الريعية والفلسفة المركزية بعد ذلك واستحكامهما، والفصل الأخير في تدفق مشاريع البنية التحتية في عهد الملك عبدالله – ظلّت جدة متأرجحة مرفئياً وسياحياً ومصرفياً، حتى في أوقات صعودها وزهوها لا تستغل أقصى طاقاتها وقدراتها، وفي كل الأحوال لا تثب وثبتها الكبرى.

من السنبوك إلى المراكب الشراعية إلى السفن البخارية لم تعاند جدة اتجاه الرياح، قاومت أمواج البحر وتقلبات تياراته، وانصهر شطّها مع شواطئ المحيط على نغم هديرٍ ثابت – وهي في زمن ناقلات عبر – المحيطات العملاقة، خليق بها ألا تجافي إيقاع زمنها ومنطق تحولاته.

إن شخصية جدة العالمية تكتنز في ذاكرتها شيفرة الريادة، وتملك كل مقومات الانطلاق والابتعاد إلى آفاق فسيحة تطوي أطراف المحيطات – بحرياً، وجوياً – تجارياً، وسياحياً، وثقافياً.

ومن مجدها الأول كمركز إعادة تصدير، إلى مجدها الثاني كقاعدة خدماتية لنقل الركاب، ومجدها الثالث كميناء النفط التجاري، تقف جدة اليوم مترقبة وثبتها الكبرى القادمة.

نتحدث على المستوى الوطني عن تنويع مصادر الدخل، وتنويع مجتمعاتنا وكسر حالات الأحادية والجمود وما تفرزهما من تطرف واستقطاب؟! ربما آن أوان جعل جدة -وساحلها الممتد شمالاً حتى ميناء رابغ- مدينة عالمية!

* نشر أولاً في صحيفة الحياة بتاريخ الخميس، ١١ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٤.

Posted in مٌباشرة للتدوين | أضف تعليقاً

عبدالحليم رضوي | روما 1963.

كان عبدالحليم رضوي يعيش في روما حياة الكفاف بعد ان غادر اليها على طريقة المغامرة لدراسة الفن الحديث. إلا ان السفير السعودي في ايطاليا عبدالرحمن الحليسي سيحتضنه منذ عام 1961، بعد ان عمل على ضمه الى البعثة كأول سعودي يدرس الفنون في أوروبا.. وسيظل يقدم له الدعم تلو الآخر حتى استحال الرضوي اهم فنان سعودي حديث، والنقطة التي انطلق منها الفن الحديث في السعودية.

سعادة السفير عبدالرحمن الحليسي يهدي عبدالحليم رضوي كأس الجدارة في احد عروضه بروما عام 61م.

سعادة السفير عبدالرحمن الحليسي يهدي عبدالحليم رضوي كأس الجدارة في احد عروضه بروما عام 63م.

Posted in مٌباشرة للتدوين, سينما وفن | تعليق واحد

من هم فلسطينيو جدة، وماذا فعلوا عام 1958؟

شكيب الأموي.. علي شعث.. سمير شمّا.. رشاد الدباغ (رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين).

شكيب الأموي.. علي شعث.. سمير شمّا.. رشاد الدباغ (رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين).

 

في عام 1958 شبّ حريق هائل في قاعة الشفا بمكة اسفر عن وفيات وتلفيات كبرى في المنازل والدكاكين، اضّطرت فرق الاطفاء الى خمسة أيام لإخماده. عمّ حزن كبير في مكة، ولجأ كثير من المتضررين الى المسجد الحرام، فيما شُكّلت عدد من اللجان الرسمية والشعبية لإغاثة منكوبي حريق مكة.

التئمت في جدة، من ضمن الفئات الملتئمة، الجالية الفلسطينية التي كانت تلتقي تحت مسمى جمعية العرفان الفلسطينية، واصدرت بيان في الصحف الى افراد الجالية الفلسطينية بجدة للتبرع “بدافع الحمية والنخوة والغيرة العربية .. للتبرع لمنكوبي الحريق في مكة”. كانت التبرعات تُجمَع في مكتب نجيب الغول في مكتب شركة آسيا بجانب البنك الأهلي بجدة. تُفيد قوائم التبرعات التي نشرتها صحيفة البلاد في عددها (2812) بتاريخ 4 اغسطس عام 1958 بأسماء أفراد وفعاليات فلسطينية كانت مقيمة في جدة حينها وهي تعطي ملامح عامة لخارطة الجالية الفلسطينية في جدة آنذاك.

تنحدر تلك الأسماء لأُسر من القدس.. يافا.. نابلس.. غزّة. وتتنوع أنشطتها آنذاك في اعمال البناء والمقاولات، او ادارة ورش السيارات وتلحيم الشكمانات، او مكاتب المحاماة، او وكالة بعض العلامات التجارية مثل سمير الهندي (كوداك)، او العمل في الصحافة والعلاقات العامة مثل شكيب الأموي (ممثل شركة الزيت العربية الأمريكية “أرامكو” ، رئيس تحرير “قافلة الزيت”). واذ تحصلّت كثير من تلك الأسماء على الجنسية الوطنية السعودية واندمجت في النسيج السكاني، ترك أخرون البلاد الى الخارج.

جمعية العرفان الفلسطينية 2000 ريال

ابراهيم أنيس الزبن 1000 ريال

صادق الحسيني 500 ريال

شفيق الدباغ وأسعد [نمر] حجازي 500 ريال

سمير مراد 100

سميح البشتاوي 300

عيسى شمروخ 200

محمد يوسف أبوالهدى 250

احمد اسحق الحسيني 300

شركة التنظيف الحديثة 250

زكي الإمام 100

شكيب الأموي 1000

جلال المهتدي 100

نجيب الغول 300

عبدالرحمن شعث 100

أحمد صالح البايض 200

عواد طالب، أبوالعبد الدويك، عمر مرتجى، فخري أبوشعبان، خالد الريس، صقر الداعور 100

شكيب ورفيق الدلال 200

أحمد عطية 200

سامي الشوا 100

حكمت مصطفى عميرة 10

كمال أبوظهير 20

مصطفى أبوحمدة، درويش عبداللطيف، عرفان أبوالسعود، محمد أمين أبوالخير 50

ستوديو سمير [سمير الهندي] 100

نعيم مسعود 30

موسى رشدي الدجاني 50

سعد حنداش 50

حازم محمد جودي 500

شفيق شحراري 50

علي الجعبري 20

مصطفى بيدس 100

هشام حلبي 200

صبحي العنبتاوي 25

محمود الدحلة 25

احمد اسكندراني 20

شركة الإنشاء ومواد البناء 300

المجموع 10040 ريال

Posted in مٌباشرة للتدوين | 3 تعليقات