وزارة البراويز (مُنع من النشر)

أحد أبرز جالليرهات الفن الحديث والمعاصر في جدة، ذات الصيت الإقليمي والدولي، والتي باتت مسؤولة عن تنشيط الحركة الفنية في مدينة كبرى كجدة على أساس نوعي وجاد، ربما ستتفاجئ حينما تعلم انها تشتغل نظامياً تحت تصريح: “محل براويز”. الفنان المعاصر عبدالناصر غارم صرخ صرخته في فبراير عبر تويتر: نظّموا شئون اقامة المعارض والصالات والحوارات الفنية، فلا يعقل ان نعمل تحت تصاريح وسجلات: “محل براويز”. المعارض الشخصية والجماعية باتت تستلزم من ٤٥ الى ٦٠ يوماً في رحلة تقديم الطلب للتصريح والفسح من الجهات المعنية، الذي ربما لا يأتي بعدها، حيث يسير المنظمين وسط ألغام نظامية ومحاذير رقابية خانقة. المصور الفوتوغرافي البرازيلي العالمي، سباستاو سالجادو، صاحب الحس الإنساني الحميمي، زار جدة في مايو المنصرم، واضطر المنظمين الى عرض فيلمه الوثائقي الحائز على جوائز عالمية في احد صوالين الأهالي الخاصة، وبشكل سرّي و”مخشوش”.. لغياب المؤسسة، والآلية، والتصريح! أما فيلم “بركة يقابل بركة”، الإنتاج السعودي اليتيم من الأفلام الروائية الطويلة مؤخراً، يكافح لإيجاد فرصة عرض في وطنه أمام الجمهور المحلي.

في المؤتمر الصحفي الذي رافق اعلان خطة التحول الوطني، كنا ننتظر ان يعترف وزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل الطريفي بالمنظومة الحالية المهترئة للثقافة ويعلن، ولو رمزياً، القطع معها انسجاماً مع قطع الحكومة مع ذهنية الريع.. وان يقدم مبادرات تلتفت للمعوقات القائمة، وترفع طبقات الإهمال الممنهج، التي تضيّع الفرص، وتبدد العمل الثقافي، وتصد اسهام الثقافة في قضية التنمية الاجتماعية. لكنه اصرّ في مؤتمره ان يعلن عن ان هدف وزارته الرئيسي هو: “تحسين الصورة”!

احد الصحافيين الأمريكيين المرموقين، الذي كان حاضراً للمؤتمر الصحفي، قال لي: “هذه محاولة صريحة لبيع صورة للخارج. هذا سلوك دعائي”. واحد الأصدقاء، من الفنانين التشكيليين الذين باتوا يصنعون العناوين بمعارضهم الكبرى في الخارج.. شاهدنا سوياً المؤتمر الصحفي المسجّل على التلفزيون، أخبرني: “خطة الثقافة هذه لم تبع لي الحلم. لم اشعر اني اريد ان اكون جزءاً من هذا الحلم”.

هكذا اذا.. نبيع صورة للخارج، ونخفق في تسويق الحلم للداخل!

الدول المتقدمة تضع خططها الثقافية على أساس دفع التنمية الإجتماعية: للبناء الإجتماعي.. وللتقدم الإجتماعي. اما تحسين الصورة فيأتي انعكاس للواقع، ويحدث تلقائياً، ضمن آليات ومحركات القوة الناعمة.

وانت اذا سألت عن السياسة الثقافية في دولة متقدمة مثل ألمانيا الإتحادية ستجد انها ترتكز على التنمية الإجتماعية لا مدفوعة نحو جلب اعجاب الذات او الغير. أما لماذا؟ وكيف؟ لتأكيد التنوع.. الإنفتاح.. والإرتقاء بالذوق والمدارك والفكر والوجدان.. وكلها مقوّمات بناء المجتمعات – الإنسان.

والثقافة نقيض للدعاية. ولايجدر ان ترتهن لآلياتها غير المعرفية..

قد تكون الخطة الثقافية غير ناجزة بعد وهي في طور التشكل.. لكن انّى نتعاطف، ووزير الثقافة الحالي مضى على وزارته عام ونيف دون ان يجلس الى أي أفراد او جماعات من المشتغلين الجادين في حقول الثقافة والإبداع.. لا اجتماعات معلنة، ولا ورش عمل شفافة منهجية واضحة الأهداف والجداول الزمنية. لا مقدمات.. لا مؤشرات.. ولا اطار تداولي واضح يمكن ان نبني عليه اي تصور متفائل.

المؤتمر الصحفي كان اولى اطلالات الوزير امام الجمهور.. وفرصته الذهبية لتحديد معالم خطته وتفاصيل مبادراته.. التي جائت ناقصة وتستلزم المزيد من الاستيضاح والنقاش.

مثلا لم غابت هيئة الثقافة ومبادراتها عن خطة التحول الوطني؟ وأي من الجهتين، الوزارة او الهيئة، سوف يختص بشئون الرعاية والحضانة وايهما سيصيغ الأنظمة ويوفر البنية التحتية ويدير الصناديق؟

لقد نوّه الوزير ان المجمع الملكي للفنون، ابرز المبادرات الجديدة، سيكون منصة لرعاية الفنون.. وهذا توجّه سليم. اذ يصح للدولة ان تملك سياسة ثقافية تتفق وأحوالها ومطالبها وحاجات المجتمع.. فهي ترعى الثقافة والفنون، ولكنها ايضاً، لا تحدد المضامين ولا توجّه الإبداع.

وخليق بها ايضاً تجنيب المجمع، حديث النشأة، تغلغل اي سياسات “احتواء” يمكن ان تنسف جوهر تأسيسه. فلا يجدر بمؤسسات الثقافة ان تقتبس نمط “حظيرة المثقفين” او “تكأة الأدباء”.. بل ان تسعى لتكون “بيت المبدعين” الذين يبادرون من تلقاء انفسهم الى الإنضواء في الحلم الثقافي الجديد.. دون مركزية او وصاية او تمييز.

وربما أصاب الوزير الطريفي حينما أكد على جوانب الصناعة والبيئة. هذا فهم متقدم منه. ان الثقافة احد اكبر القطاعات نمواً حتى اثناء ازمات الكساد الإقتصادي. مثلاً في ٢٠١٠ حقق القطاع الثقافي في ألمانيا ١٣٧ مليار يورو، ضمن ٢٢٤ ألف شركة عاملة في الثقافة والإبداع، مسؤولة عن توفير مليون وظيفة دائمة.

لكن الوزارة ينتظرها عمل مكثف في اعادة بناء البنية الثقافية من جديد. واطلاق المبادرات تلو المبادرات في حفز الإقتصاد الإبداعي. ووضع الخطط الإستراتيجية للعمل الثقافي، وترسية قاعدة مؤسسية راسخة ومتقدمة ومبتكرة على امتداد جهات الوطن.

ثم لقد اهملت خطة الثقافة أكاديمية الفنون بكل معاهدها: في الفنون التشكيلية، السينمائية، الأدائية والمسرحية، والكونستفرتوار. ان الكوادر والمواهب المصقولة هي لب الصناعة وأساس تكوين البيئة. ثم ان الفن السعودي، رغم كفاحه المديد، واقتناصه لدرجات بارزة، الا انه لا يزال يطغى عليه اثر غياب المعهد.

ان من تحديات الوزارة تحقيق “لا مركزية” الثقافة، وكسر احتكار المدن الكبرى لها، والانتقال بها من كونها ممارسة نخبوية للخاصة والأثرياء والجماعات الضيّقة الى ان تكون ضرورة حياتية عامة. وتجنيب المؤسسات الجديدة آفات الإدارة الهرمية والذهنية الأبوية والبيروقراطية وأوهام الأكاديميين والمثقفين الشلليين.

في زمن التحولات.. تحتاج وزارة الثقافة اكثر من اي وقت مضى الى قيادة واثقة تتمتع بروح الإبداع لأشكال وآليات ديناميكية للإدارة والممارسة.. والإحاطة لرؤية ثقافية جديدة بضمانات حرية التعبير، والنظرة الإنفتاحية، والتنوع والإختلاف، والتجريب والأصالة.

في زمن التحولات.. نحن ازاء خيارين.. اما نأخذ زمام المبادرة ونعزق الأرض البِكر ونخصبها باليانع والمثمر، او نقرّ أماكننا، ونرتضي لأنفسنا “البرّوزة”!

Advertisements
هذا المنشور نشر في مٌباشرة للتدوين. حفظ الرابط الثابت.

One Response to وزارة البراويز (مُنع من النشر)

  1. asim كتب:

    ثم لقد اهملت خطة الثقافة أكاديمية الفنون بكل معاهدها: في الفنون التشكيلية، السينمائية، الأدائية والمسرحية، والكونستفرتوار. ان الكوادر والمواهب المصقولة هي لب الصناعة وأساس تكوين البيئة. ثم ان الفن السعودي، رغم كفاحه المديد، واقتناصه لدرجات بارزة، الا انه لا يزال يطغى عليه اثر غياب المعهد.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s