تشومسكي: كل الديموقراطيات غير ناجزة.. ربما على القوى المدنية في مصر التحالف.. والتعددية نصل اليها بالتراكم.

Democracy

قلقاً من التطورات الاخيرة في مصر التي تعترض مسار التحول الديموقراطي، اتصلت بالبروفيسور نعوم تشومسكي البارحة راجياً منه توضيح في الرؤية.. خصوصا ان معضلة بعينها باتت تؤرقني مؤخراً: ما العمل ازاء تصويت اغلبية، في تصويت حر مباشر، على قرارات غير ديموقراطية في أصلها وتأثيرها، تمس الحياة المباشرة للأقليات التي تشترك معها في ذات الفضاء الوطني؟ .. لم يشأ البروفيسور ان يدخل في التفاصيل، لكنه اعاد ترديد ذات افكاره في النضال الشعبي والمكاسب المتراكمة، لعل في رنينها ما يعيد التأكيد عليها.

Dec, 3, 2012

*

س: محمود: كيف يمكن ان نصل الى ديموقراطية ناجزة في العالم العربي، خصوصاً بعد تجربة العراق، والآن مصر.. وكيف نحمي الكيان التعددي من الانحلال في هذه الديموقراطيات الوليدة؟

ج: نعوم تشومسكي: الديموقراطية مسألة تم تحقيقها بشكل جزءي فقط في العراق او مصر – وحتى في الولايات المتحدة بالضرورة. كل من كان قريب من الاوضاع في مصر، لا يجب ان تفاجئه نتائج انتصار الاخوان المسلمين. لقد كانوا – في آخر الأمر – القوة التنظيمية الوحيدة ذات التغلغل السياسي-الاجتماعي التي كان بامكانها العمل بشكل رحب ومكثف رغم كل الضغوطات السياسية تحت النظام الدكتاتوري السابق. لو تمكن للقوى الليبرالية-اليسارية-والمدنية، العمل بشكل متضافر، لربما كان بامكانهم انتزاع مثيل لذلك الانتصار الانتخابي.

التعددية نصل اليها بذات سُبل تحقيق الديموقراطية والعدالة: بالنضال الشعبي، والايمان بأن كل انتصار، انما هو انتصار جُزءي، ووثبة أخرى نحو الانتصار الأفضل والاكبر.

**

لمشاهدة الحوار المطوّل -والمصوّر- الذي اجريته مع البروفيسور نعوم تشومسكي في مكتبه بمعهد ماساتشوستس للتقنية قبل عام عن الربيع العربي: اضغط هنا 

Posted in مٌباشرة للتدوين | تعليق واحد

كي لا يتحول ماضي الحجاز لأسطورة: نزعاً لشئ من فتيل الأوهام..

بوست كارد: المناخة!

بوست كارد: المناخة!

في مارس 1917، بعد أشهر معدودة من اجلاء الإتحاديين عن عاصمته مكة، منع الشريف حسين دخول الخمور الى الأقطار الحجازية بموجب مرسوم عام [1].. فابتاعت الحكومة من التُجار الأجانب الموجودين في جدة كل ما لديهم من قوارير الخمر وكسرتها واراقت محتوياتها في مياه البحر.

وكان الحسين لا يتسامح في مكة، مع حفلات الطرب داخل بيوت الأهالي كما يذكر عبدالله عبدالكريم الخطيب – المُعاصر لتلك الفترة- في مذكراته “كيف كنا؟”.

وسُلمت المدينة المنورة للأميريّن علي وعبدالله المدجّجان بقواتهما العربية بعد ظُهر الرابع عشر من يناير 1919 بموجب اتفاقية الهدنة مع العثمانيين، ومن بعد حصار قاسٍ طويل.

وفي منتصف مايو من العام ذاته.. أصدر كل من قائممقام المدينة المنورة، ووكيل رئيس البلدية ومدير الشرطة فيها تعليماتهم بمنع “الأهالي من الملاهي”.. حيث مُنع لعب النرد والكاغد وماشابهمها من انواع الملاهي.. وأُمر بعدم استعمال الحاكي (الفونوغراف).. كما مُنع الأهالي من الجلوس في المقاهي عند اوقات الصلاة [2].

واقر حاكم المدينة، الأمير علي، شكل العقوبة على شارب الخمر بالأخذ الى الجُندية والارسال قسراً لتعمير سكة الحديد الحجازية في الوصلة الواقعة من شمال تبوك الى محطة معان.

كما مُنع الباعة من لف الاشياء بالأوراق المكتوبة لان الحكومة الحجازية رأت ان ذلك “ينافي الشرع”. [3]

وسمع قائم مقام المدينة الشريف شحّات، في يوم الاثنين 16 شوال سنة 1337 – الموافق يوليو 1919 الطروس تدق باتجاه مرقد سيّدنا مالك بن انس – فيما البسطاء متحلقون حولها يظنون انها عبادة – فطلب إشخاص اصحاب الطرس اليه ووبخهم توبيخا مؤلماً وصبّ على الطرس الكاز وحرقها وقال لهم: “اياكم ان تعودا لمثل هذه البِدع السيئة” [4]. وعلّق مراسل جريدة القبلّة بالمدينة،  محمد شكري البغدادي على ذلك الخبر: “تفتخر الحكومة المؤيدة الهاشمية ان مأربها اقامة الحدود الشرعية وازالة البدع والخرافات” .. ضداً على ما اعتبره تراخي “الحكومة البائدة الإلحادية”.

وشكّلت الحكومة العربية في الحجاز هيئة تتألف من احد مأموري محكمة جدة الشرعية واحد مأموري بلديتها ومعاون مدير الشرطة للنظر في الممنوعات التي يجري ضبطها من قبل مأموري الرسوم في ميناء جدة. واوردت صحيفة القبلة في الأول من سبتمبر 1919، تحت عنوان، “عناية الحكومة بازالة المنكرات”، ان مأموري الرسوم في جدة ضبطوا ما ينوف عن خمسة آقات من الحشيش المعلوم الذي من المخدرات – وقد جرى حرق الحشيش بصورة رسمية امام الهيئة المُشكلة. [5]

لكن الحكومة العربية كانت تتسامح أيضاً ازاء الألعاب الشعبية كالمزمار البلدي والرفيحاء الينبعاوية والدف الحضرمي والألوان العتيبية والدمّة العسيرية، كما تتسامح ازاء الموسيقى العسكرية التي تصدح في المناسبات والأعياد حتى انها انشأت جوقتها الموسيقية العربية الحجازية الخاصة المكوّنة من 24 فرداً، وعلمّتهم النوتة في المدرسة الحربية بجرول حيث كانوا يتمرنون لثماني ساعات يومياً كما تذكر المصادر.

وكانت الحكومة تغض الطرف عن مناسبات السَمر للأهالي في ضاحية الزاهر (الشُهداء).. كما تتسامح كلياً مع تجارة واستهلاك الدخان والتنباك.. ثم انها كانت تحتفل في طقوس رسمية ضخمة بأعياد الأهليين: المولد النبوي، وليلة النصف من شعبان، وليلة الاسراء والمعراج، والحوْل الصدّيقي، وطقوس الزيارة الرجبية لسيّد الشهداء حمزة، وعيد الاستقلال والنهضة العربية، وذكرى جد الأسرة الهاشمية أبا نمي، كما تقيم حفل تكريم سنوي حول ضريح الولي السيّد عبدالرحيم المحجوب حسب العادة الجارية كل سنة في ذي القعدة – اذ كانت الطرق الصوفية تتمتع بترخيص رسمي وكان شيخ مشائخها هو السيّد عقيل الرفاعي شيخ الطريقة الرفاعية في مكة.

كما حملت الحكومة العربية بالحجاز موقفاً حضارياً من المسيحيين العرب.. حيث كان يتجنّس بالجنسية الحجازية مجموعة مختصرة من المسيحيين، الذين كانوا يحملون مناصب رفيعة وأوسمة رسميّة، مثل قسطنطين ينّي والاخويّن حبيب وميشيل لُطف الله.

الهوامش: 

[1] (القبلة: العدد: 59). 

[2] (القبلة: العدد: 282).

[3] (القبلة: العدد: 282).

[4] (القبلة: العدد 306).

[5] (القبلة: العدد 312).

Posted in مٌباشرة للتدوين | 18 تعليقات

الرياض في السبعينات: بعد الطفرة، قبل الصحوة!

كلاوديا كراوفورد، امريكية مقيمة في الرياض، تتسوق في سوق الزل بمنطقة قصر الحكم بالعاصمة الرياض. السيدة كرافورد انتقلت الى الرياض مرافقة لزوجها الذي عيّن حديثاً في احد بنوك الرياض، ورغم انها شعرت بالقلق ازاء انتقالها الى السعودية، الا انها تأخذ دروساً في اللغة العربية، وتتعرف على العادات المحلية للسكان. (الصورة: نييورك تايمز لخوان دي اونس).

Riyadh, Saudi Arabia: Shopping for rug in a Riyadh market, Claudia Crawford was both excited and worried when her husband, a bank manager, was transferred to Riyadh. Mrs. Crawford studied local language and customs and traveled about the city. (New York Times photo by Juan de Onis).

Posted in مٌباشرة للتدوين, صورة | 2 تعليقات

نص محاضرة الرجولة عماد الخلق الفاضل لحمزة شحاتة

هذا هو النص الكامل لمحاضرة الرجولة عماد الخلق الفاضل للأديب المكّي حمزة شحاتة، والتي ألقاها امام حشدٍ واسع بمقرّ جمعية الاسعاف الخيرية بمكة ليلة الخميس 9 من فبراير عام 1940م. والرجولة لشحاتة، محاضرة في الفلسفة والأخلاق والسياسة والاجتماع وأصل الأفكار .. ناهيك عن كونها نص تأسيسي للعقل المحلي الحديث. 

الرجولة عماد الخلق الفاضل

حمزة شحاتة

سادتي -إخواني

عندما يكون الإقدام على المخاطر ضرورة، لا يعد شجاعة، ومعنى هذا أن النسبية تدخل في حساب الحقائق الفكرية.

والضرورة هي التي تدفعني اليوم أن أقف منكم هذا الموقف على إيماني بضآلة شأني في ميزان الفهم العام… فما كان يسعني أن أرد لجمعيتكم المخلصة طلبين في عام واحد.

وللضرورة في حساب الحياة أبعد الأثر. ونعتقد أن التطور ما لعب دوره الخطير في تكميل أسباب الحياة الاجتماعية إلا على أساس الضرورة الحافزة.

إن حديثي في الواقع ولا أسميه محاضرة، عن الخلق الكامل كعماد للرجولة، لا عن الضرورة كأساس للخلق الفاضل، أو كعماد للرجولة، لكني اخترت أن أمهد لهذا الحديث هذا التمهيد، وأن أزحزح العنوان المقترح عن وضعه قليلاً فيكون “الرجولة عماد الخلق الفاضل” لا الكامل فما يزال الكمال نشدة الحياة المطولة، ووهمها الذي تنساق أبداً في طلابه، وما دامت مراحل الحياة تمتد ولا تنتهي. وقوافل الأحياء تسير ما يثقِّل خطاها الزمن الجاهد. وما دام التغير الدائم دأب الحياة وسبيل ما فيها، فهل نقول إن شيئاً كمل، قبل أن يوفى على غايته، ويبلغ تمامه؟

وأنا لست أعرف معنى لهذه الحرية، بيد أني ألفت أن أطلق لفكري عنانه فهذا عندي أخلق بأن يجعلني أكثر شعوراً بحياتي، وفهماً لها، وأنا طامع بعد في أن تحمدوا لي نتائج هذه الحرية إن شاء الله.

لا تكون النظرة إلى حقائق الحياة والفكر خالصة، إلا من أناس يرون أنفسهم فوق قيودها وقوالبها، وهؤلاء يدعون بالمجانين تارة، وبالفلاسفة وقادة الفكر تارة، لأن حظ الصفات والمبادئ والنزعات يرتبط دائماً بحظ الداعين إليها، والمتصفين بها، من النجاح والفشل.

هذه حقيقة فطن لها الناس من القدم، فقالوا كثيراً ما معناه:

الناس من يلق خيراً قائلون له .. ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

ليس هذا حظ الأحياء فحسب، بل حظ المبادئ والأغاني والنظريات والفضائل، وحظ موقفي بينكم الليلة أيضاً.

وأنا أريد التجريد والتعرية كباحث لا كمحاضر، فإني لو قصرت كلامي على الرجولة، أو على الخلق الفاضل، خشيت أن يتحول حديثي إلى موعظة لا تعدو أن تكون تمدحاً حماسياً بالفضائل، دون تحليلها، وردها إلى مصادرها وتحديد قيمها، ومعاييرها، وأثرها في صميم الحياة وعلاقتها بالنفوس.

والتجريد مبدأ قديم لي أو هو مرضي الذي لا أشفى منه. عرفني به من عرفوا طريقتي في الحياة ومن قرأوا نظراتي القديمة في الخير والشر. في الفضائل والرذائل، وفي الحب، وفي الشعر.

فإذا ظن ظان أن فيما أقوله الليلة خلطاً أو إطلاقاً أو شذوذاً، فإنما يكون هذا الظن معقولاً لا أضيق به، فهو عندي شبيه بالنظرة إلى مجهول لم يتكشف، لا إلى مجهول أخذ سبيله في التكشف والوضوح.

* * *

كان الحديث عن المسائل الجنسية، وعلاقتها بحياة الإنسان الفكرية، وأخلاقه، وميوله، وعقده العصبية ووجدانه؛ أول ما فوجئ به الناس مساً لمواطن العفة والتقديس في نفوسهم وعقائدهم الفكرية، حتى نالت المسألة الجنسية نصيبها من الفهم والتقدير، فإذا تناولها اليوم باحث بالتوليد والتكرار والتمحيص والاكتشاف، لم يلق العنت الذي لقيه الباحث الأول.

وأنا لا أزعم لكم أني الباحث الأول في الفضائل والرذائل، ولكني أظن أني أول من يتناول البحث فيها بهذه الطريقة التجريدية وبهذا الأسلوب العاري.

والتجريد في مرحلته الأولى، رد للمسائل إلى أصولها المفروضة، وإلى أساساتها العارية. فهو يمس العقائد الفكرية -لا شك- ويهدم منها شيئاً، ليقيم شيئاً محله.

وهو فرض ينازل حقيقة تحجر بها الاصطلاح، وهم ينازل اعتقاداً، وشك تعارض به معرفة.

وما زالت النفوس أضعف استعداداً لقبول المفاجآت التي تحاول أن تنتزع من معتقداتها ومشارعها، شيئاً له قيمته وقداسته، وله صلابته العنيدة.

وشأن الجديد في هذه السبيل، أن يكون رمز الإقلاق والبعثرة، وما يهون على النفوس والأفكار أن تنزل عن قوانينها الأدبية، وتقاليدها وعقائدها، إلا مكرهة.

والجديد متى استطاع أن يقيم الشك في نفس، كان قد غزاها الغزوة الأولى ولكن هذا ليس سهلاً كما يظن.

فقد يكون هدم قانوني رياضي، أو هدم قاعدة علمية، أهون كثيراً من مس عقيدة في رجل، أو في فضيلة، بل هو هكذا.

قلب أينشتين -العالم الألماني- بعض القواعد العلمية والرياضية رأساً على عقب، فما عبأ به الناس، ولا تنكروا له. ولعله لو اقترح تحويل كنيسة مهملة إلى ملعب رياضي، لمس بهذا الاقتراح أطراف مشكلة قد تجر إلى الاعتداء عليه.

إذاً نحن نعرف الخطورة في اعتراض عرف متصلب، حتى في أهون المسائل النظرية المتعلقة بعقائد الفكر والنفوس، فلماذا نجازف؟..

إن المجازفة الليلة ضرورة، ومن الخير أن نستفيد من قوانين الضرورات المرتجلة، لنكون باحثين مجازفين. فالمجازفة في تاريخ نشأة الحياة، وفي تاريخ تطوراتها، قادت روادها إلى القمم الشامخة وأعانت على كشف مساتير الوجود والفكر.

والفكر المؤمن بنظرته إلى شيء نظرة خاصة، لا يسعه إلا أن يؤدي الأمانة.

ونحن لا نحلم بالقمم الشامخة، ولكننا نرجو أن نصحح مقياساً من مقاييسنا الفكرية، ولو بالشك فيه، لأن الركود في تاريخ أمة تتطلع إلى ما وراء حدودها الجامدة، شر من الخطأ.

لهذا ستكون نظرتنا إلى الفضائل -على أن أساسها التجريد القاسي- نظرة من يريد أن ينطلق بها من حدودها الضيقة المتصلبة، إلى حدود رحيبة من الشك والوسواس، خاضعاً لسعة إدراكه لأطرافها، وخفاياها ورموزها، وعلاقتها بأشباهها، وهو لا يفعل بها هذا ليضعفها، بل ليبلغ بها أبعد حدود القوة والاحتمال.

والناس يمتحنون قواهم الجسدية، بألوان عنيفة من الرياضة، والكد المصطنع، لتمرينها على احتمال الأعباء، ولشحذ طاقتها، ولتقوية مراكز الإرادة والسلطان فيها. على أن الرياضة في ذاتها -كمشقة- نصب للجسم، وانتهاك صريح لحرمة نشاطه المذخور.

وسأكون الليلة أكثر حرية. وإن كانت أفكاري ونظراتي، ستفقد الترابط والانسجام، لضيق المجال الذي يشعر به باحث أو محدث، يجيء في غبار السادة المجلين قبله. فهنا تنتصب الموازين الدقيقة، وتضيق دائرة التسامح والتغاضي. فقد عرفت الأذهان أنماطاً عالية من التفكير وأنماطاً قوية من أساليب القول المجود، كونت ذوقاً أرستقراطياً، لا يرضيه من الجمال إلا أن يكون فتنة تهز المشاعر، ولا من القول إلا أن يجيء عبقرية.

وهذا لون من ألوان الإدمان الأدبي، بل هو عندي الليلة شر ألوانه، فإن الأذواق متى ألفت أن تصيب لذتها من جمال محدود، تاقت بعد ألفته، واستصفاء معانيه. إلى ما يكمن وراء حدوده الظاهرة، وإلى ما يقودها بعيداً عن هذه الحدود، على وفاق نصيبها، من سعة التخيل، وجشع الإحساس، والمقدرة على تصور الصور واستحضارها وانطلاق الميول.

وإدمان النظرة إلى صورة جميلة، يفقدها شيئاً من تأثيرها القوي كلما تجدد إليها النظر المشغوف، وارتوى منها الحس المنهوم، حتى تفقد مقدرتها على التأثير والأداء.

وإنك لتعجب بالمنظر يفتنك، ويلقاك بألف معنى. أول ما تلقاه فما تزال نفسك دائبة في تحليل معانيه وإذابتها، حتى تنتهي بها إلى الإصغاء والإفلاس، وتكون قد حولتها إلى دمك شيئاً منه، فما تلبث أن تتصرف عن هيكلها العاري، وقد تركته مادة جامدة، وأضفت إلى قانون الجمال وفهمه، والإحساس به في نفسك، مادة جديدة، لا يبلغ بها الرضا عندك، إلا أن يضمن لك المنظر الجديد، معنى جديداً، يزيد عما تعرف.

ولبعض النفوس والأذواق قوة النار واستشراؤها، شأنها في الإذابة شأن النار، ما يستقيم فيها شيء إلا إن كان في معناه معنى الصخر والحديد وهو بعد ذاهب لا يدوم، وذائب ما يبقى!

فإذا خفت الليلة، فإنما أخشى خطراً عرفت مشابهه في نفسي، فإن كتبت لي السلامة -ولا أتوقعها- فإنما تكون أثر الحظ، وخارقة من خوارقه المعروفة.

ولست أرجو أن أصيب النجاح في مثل هذه السبيل الجانحة، لكنها الضرورة، وما كنت لولاها أوثر أن أتكشف لكم عن سرائر ودخائل ضئيلة تخيب أملكم فيَّ، وأملي في نفسي.

ولقد يواجه المرء خطراً لا معدى له عن مواجهته، فتكتب له النجاة. فيقول الخليون: إنه شجاع، فإن أسلم روحه قالوا إنه الجهل والتهور واختلال القياس، أو ذهبوا يعددون منادح الخلاص التي يرون أنه كان خليقاً بأن يتفطن لها.

ولا شك عندي في أن سراوة مظهري ستجني عليَّ كثيراً، وتردد اسمي بين أسماء إخواني الأدباء، يوهمكم فيَّ، ويعدكم بما أعجز عن تحقيقه. ورب قائل يقول: أليس هذا عصر الانتهاز والإعلان؟ فأقول له: بلى، ولكنه عصر المنطق والوزن والتقدير والمقارنة أيضاً!؟ وإنما يقاس النجاح فيه، بما تعد به الطاقة المتخيلة، والإمكان المفروض. والناس إن أدهشهم الرجل العادي، لأنه لعب على الحبل بمهارة، لم يقنعوا من البهلوان الشهير إلا بما يدخل في حدود السحر من الأفعال الخارقة.

ونحن نفرح بالطفل يهدينا ما لا يساوي في ميزان المادة شيئاً، أضعاف ما نفرح بهدية غني تساوي العشرات؛ ذاك أنّا ننظر من وراء القيم والمعايير، إلى الطاقة والإمكان، وإلى بواعث الشعور ونسبتها؛ فالكبير إن أهدى فسبيل مثله أن يفعل، أما الطفل فسبيله الأثرة والشح، فهو إن أهدى شيئاً فإنما يهديه من نفسه، وإنما يعبر بهذه الدلالة عن عاطفة ساذجة في حرارة اندفاعها، وصدق انفعالها، غير ناظر إلى الربح والبذل.

والكبير يقدر الغاية، ويرسم الوسيلة إليها، أو يؤدي الدين، أو يفتتح السبيل، وميزانه في ذلك ميزان الحساب الدقيق، إما في اعتبارات المادة، أو في اعتبارات الشعور بمطالب القلب والفكر، ونوازع الأريحية والوجدان فشأني الليلة أمامكم، هذا الشأن. وما أود أن تكون خاتمتي بينكم موتاً، بل انتحاراً. فالانتحار -هنا على الأقل- أضمن لتحقيق معنى الاختيار من الاستسلام للموت. ولعله أدل عندي على الحيوية، وتركز الإدارة، ووضوح الفكرة، وقديماً قالت العرب “بيدي لا بيد عمرو” و:

“تأخرت أستبقي الحياة، فلم أجد .. لنفسي حياة، غير أن أتقدما”

* * *

ليس من السهل أن يتكهن باحث بالعهد الذي عرف فيه الإنسان الخير والشر، وإن كانت معرفتهما -على الأرجح- متصلة بحياته الفِطرية الأولى، أو منتزعة من صميمها.

وإذا كان صعباً أن يحدد التاريخ الذي عرف فيه الإنسان، الزراعة وزاولها، والتاريخ الذي اكتشف فيه النار، وعرف صنع السلاح، وإقامة الأكواخ، فإن من أصعب الصعاب، أن يكتشف اليوم باحث، تطور نفسيات الإنسان الأول، وتطور مدركاته الفكرية.

وقد يمكن ترتيب الأطوار الكبرى التي اجتازها الإنسان القديم بشيءٍ من الفرق الدقيق، وبشيء من الاستقراء، ولكن التعرض لسلسلة المراحل التي تخللت هذه الأطوار الكبرى، ليس هيناً.

وإن كانت دراسة أحوال الجماعات الهمجية اليوم، تشير إلى أحوال الإنسان القديم، وتحل بعض الرموز، فإن ما لا شبهة فيه أن حياة أية جماعة همجية في هذا العصر الراهن، تختلف كثيراً عن تاريخ همجية الإنسان الأول ولا يمكن أن تعطي صوراً تقريبية لها.

فانتشار الجماعات الأولى على سطح الكرة الأرضية، يعد وثبة مجهولة لا يمكن أن يهتدي فيها فكر الباحث أو المفترض إلى نتيجة، يطمئن إليها العقل. وتحديد المجتمع الأول، للجماعة الأولى، لا يقوم إلا على ترجيحات ذهنية ضعيفة، يسهل نقضها.

فآثار الإنسان والحيوان المتحجرة، تكتشف في نواحٍ كثيرة متباعدة من الأرض، لا تصلها ببعضها وسائل النقل السريعة في هذا العصر إلا بصعوبة.

والذي دفع الجماعات البشرية الأولى إلى التفرق والتباعد، لا يمكن أن يتعدى الدوافع التي تنشأ عن الحاجة إلى الطعام، أو الشعور بعدم ملاءمة البيئة؛ لأن نظرية التكاتف الاجتماعي، لا يمكن التسليم بصحتها، بالنسبة للأطوار الأولى.

ولو أمكن التسليم بأن الجماعات المشتقة من الجماعة الأولى، اندفعت بعوامل بيئية، أو غذائية إلى الهجرة عن مواطنها الأولى على شاطئ نهر مثلاً، لما جاز أن تقطع طول هذا النهر، لتهجره إلى بيئات جافة، يقل استعدادها الطبيعي للزراعة، ولتكوين مجتمع حيواني، أو إلى بيئات بعيدة يستغرق الوصول إليها عمر الجماعة المهاجرة قطعاً.

ولا شك أن عوامل الانتشار والهجرة من أول بيئة عمّرها الإنسان ستبقى لغزاً مبهماً.

وعلى قدر الصعوبة في استنتاج النتائج المتعلقة بالحياة الاجتماعية للإنسان الأول، تتضاعف الصعوبة في الحكم على تطوراته الفكرية والنفسية.

ولا تزال الفكرة عن الخير والشر في بقايا الجماعات الهمجية، الآن غامضة كل الغموض، بالرغم من أن همجيتها، تعد حياة اجتماعية عريقة، إذا قيست فكرياً إلى ما يفرضه العقل لهمجية الإنسان في أطواره الأولى.

وقد تستغربون العلاقة بين الأطوار الاجتماعية الأولى، والبحث في الأخلاق، ونحن نراها في أوثق العلاقات، وألزمها لباحث يريد أن يحدد الفضائل، التي تقوم كل فضيلة منها مقام شريعة أدبية قامت بمجهود كبير في تهذيب النفوس، وتحديد ميولها، وكبح نزعاتها.

إن القوانين التي تسن اليوم، تشير إلى المجهود المضني الذي تبذله قيادة كل جماعة، لتنظيم حياتها، وعلاقاتها، وإقامة الحدود بين أفرادها، وتشير إلى التنازع المستمر بين رغبات الفرد، ورغبات الجماعة، أو بين الرغبات التي تمثل المصلحة الفردية، والرغبات المثلى للجماعة.

ومصادر التشريع اليوم، لا تلقى المقاومة التي تلقاها مصادر التشريع في الأطوار الهمجية الأولى. فقد كان كل فرد في جاهلية الحياة، حكومة تمثل نفسها، وتفرض رغباتها، وتمهد السبيل لمصالحها، بقانون قوتها الغاشمة!

فالعهد الذي برزت فيه أول فضيلة، أي أول شريعة أدبية، هو العهد الذي انبثق فيه فجر المدنية الفكرية للإنسان بلا شك، وهو العهد الذي تهيأت فيه الولادة المستمرة للفضائل، والشرائع الأدبية.

كيف نشأ الشعور بهذه الفضيلة؟ وكيف فرضت؟ وكيف تم الإيمان بها، أو الاصطلاح عليها؟ وكيف سادت أحكامها؟ وممن ممثلوها في الجماعة؟ وهل كانوا يمثلون سلطتها؟ وهل كانوا أقوياء، أم ضعفاء؟

تتداعى هذه الأسئلة في فكر الباحث باعتبار علاقتها بأهم خطوة في الأطوار الأولى لحياة الإنسان القديم.

ولا شبهة في أن الإنسان عرف النفع والأذى قبل أن تقوم في نفسه فكرته الأولى عن الخير والشر باعتبار مفهوميهما العام، فاهتداؤه إلى فكرة الخير والشر، كان بعد عقيدته في النفع والأذى.

والنفع والأذى جاءا، أو جاء الشعور بهما بعد اللذة والألم، لأنهما صادران عن أحكام جسده وحياته في نطاقها الحيواني الضيق.

ولمّا كان بحثنا أشبه بمحاولة أدبية جريئة لتحليل الأخلاق، وعلاقتها الأصيلة بالحياة، فإنا سنتسامح كثيراً في التقيد بالقيود التي تستوجبها الدقة العلمية، في أبحاث تحمل شارة التقيد بأحكام العقل، والعلم المدقق.

* * *

نبدأ بتعريف الفضائل، والرجولة، والأخلاق، وهي الكلمات التي شملها عنوان هذا البحث مع إيماننا بأن تعريفنا لا يمكن أن يضمن تحديداً دقيقاً لها، إنما يكون أساساً تبنى عليه النظرة الخاصة، وتقوم عليه فروضها. ولا نستبعد أن يكون ما نقوله في هذه التعاريف، وفيما يتلوه من الفروض والنظرات متأثراً بما سبقنا إليه الباحثون. ولنا في هذا رأي نرى إيراده ضرورة.

إن الأساسات المدرسية، والأدبية القديمة، في اللغة العربية، وفيما دخل عليها من اللغات الأخرى، تكون جزءاً من فكرة الأديب ومبدئه الأدبي، وجزءاً من نزعاته الفكرية.

وإذا كان الشاعر في عصرنا لا يخرج بلغته عن جملة الألفاظ التي استعملها الشعراء قبله، ولا عن قوانين الصياغة والرصف، ولا عن قوانين التخيل والتصور، فلأنه لا يستطيع أن يبتدع لنفسه لغة خاصة، ولا فكراً يصاغ على غير ما صيغت عليه أفكار الشعراء قبله، ولا قوانين صياغة غير قوانين لغته التي ورثها.

ومصادر الشعر النفسية والفكرية، وأسبابه العاطفية، والعقلية، ما تزال هي هي في شاعر اليوم وفي شاعر الأمس.

وإذا كانت أوضاع الحياة قد تغيرت، فإن خصائص النفس والفكر لم تتغير، تغيراً انتزع عواطفه الإنسانية وبدلها.

وإذا كانت العلوم قد تقدمت فليس تقدمها دليل أنه صار ذكاء الإنسان إلى غير ما كان عليه قبل ألف سنة.

إنما معناه أن الاكتشاف وتقدم وسائل التعليم، وتطور نفوذ الثروة والسلاح، والتقدم الآلي، وسعت مجالات الذكاء وضاعفتها.

وإن كان الإنسان المتحضر اليوم لا يعيش كما كان يعيش سلفه، فإن قلبه لا يزال ذلك القلب، وقريحته الشعرية ما تزال تلك القريحة، وما تزال أسباب الحب، ومشاكله، وابتعاثاته، وأوهامه في نفس شاعر اليوم، هي ذاتها في شاعر الأمس.

فالباحث في الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، لا يمكن أن يأتي في تعريفها بجديد يختلف كثيراً عما أتت به الملكات والأفهام قبل ألف سنة مثلاً وما يصيبه من تقدم الاكتشافات الفكرية، وتعدد سبل الحياة والعقل، يوسع مجالات العلائق فقط، ولكنه لا يخرج الاعتبارات الفكرية عن حدودها إلا قليلاً.

وجمود بعض الحقائق النفسية والفكرية معروفة، ما نجدنا بحاجة إلى التدليل عليه، وإنما تختلف العصور في الإيمان بالحقائق والتوسع في فهم علاقاتها. فإذا قال مفكر اليوم إن الفضائل أوهام عقلية أو نفسية، غايتها إيجاد مثل عليا للجموع، تستمد منها روح العزاء والعزيمة والأمل، لم يكن معنى هذا إنكار صحة تعاريفها، أو صحة الأحكام التي أعطيت عنها.

فالشيء قد يكون صحيحاً في ذاته، وصحته لا تستدعي صحة الفكرة عن الاعتراف بإمكان تطبيقه، أو استحالة هذا الإمكان، ولا تستدعي الإيمان به أو رفضه.

على أن تحديد بعض الحقائق وتعريفها قد يختلف في عصر عن عصر، بل في فكر عن فكر، ولكن حقائقها الأصيلة لا تختلف.

فإذا قال قائل عن الكذب ليس هو حكاية غير الواقع، لاختلاف التصورات والإدراكات في بعض النفوس عن بعضها، لم تكن مقالته إنكاراً لحقيقة الكذب، بل لتحديده وتعريفه.

وقد نكون مسبوقين إلى هذه التحديدات، أو مخالفين بها تحديدات يظن أنها أكثر دقة واستغراقاً لمعنى ما تحدده. فما نضطر أحداً إلى التسليم بما نقوله، أو قد يكون كل ما نقوله عن الفضائل والرذائل شيئاً قديماً فيما ندعي له الجدة أمامكم. وقد يكون شيئاً تجدون مشابهه في الجديد فما تنفى عنه هذه الشبهة.

إنما ندعي الاستقلال، وإنما نقول إن الأساسات المدرسية والفكرية القديمة، والأساسات الفكرية الجديدة، وشيوعها، جعلت بين الأفكار العامة روابط صلات، ما ينكر أثرها في إزالة الفوارق وتقريب الأفكار وتشابه السمات.

وحسبكم أن تقرأوا اليوم في الحجاز، أساليب من الشعر، وأساليب من الكتابة، لا يختلف بعضها عما تعرفون لخيرة الكتاب والشعراء في مصر، فمن يَعُدَّ هذا تقليداً أو سرقة؟ إنما هو أثر الاشتراك العام في مؤثرات فكرية متشابهة، وأثر انتشار الثقافة، وتهيؤ أسباب العلم لمستحدثات العقل والفكر والصناعة والفنون، وتوثق الصلات الفكرية والأدبية، وتوحد اللغة والدين، وتقارب الطباع والأمزجة وتأثير الاختلاط والامتزاج الاجتماعي والفكري.

وفي شعراء مصر من نجد على شعره سمات شاعر عربي قديم، وطابع صياغته في كُتَّابها من نجد في آثاره ما يعلن صلته الصريحة بأديب من كبار أدبائها، وفي كبار أدبائها من تطالعنا آثاره بأفكار أديب، أو نظرات عالم، أو مذاهب فيلسوف من الغرب، فماذا نحن قائلون؟؟

أغير أن مجال الفكر اليوم قد اتسع، وتحرر من القيود التي أقامتها العزلة القديمة بين الشعوب؟ وإن آثار حرية الفكر وشيوع مذاهب التفكير وأساليبها في أنحاء العالم، وتقدم المواصلات والصلات الاقتصادية والفكرية والسياسية قد خلقت طائفة من القرابات الذهنية والأدبية بين الناس؟؟ وكانت سبباً في القضاء على كثير من أسباب التباين الفكري والأدبي بين الشعوب المتباينة!

وما نرى بعد ما قلناه، دليلاً على براءتنا من تهمة التقليد أو ترديد المألوف، أقوى من ضعف هذا البحث، واضطراب مذهبنا فيه، هذا الاضطراب الواضح.

والآن نبدأ:

الخلق الفاضل يعرفه الناس، فلا يزيدهم فهماً له أن تقيم الكلمات والتعاريف حدوده.

فهم يكذبون ويخونون، ويؤمنون بأن الصدق والأمانة نبل.

ويتبذلون، ويشعرون أن العفة سمو.

ويضعفون، ويكبرون القوة.

ويَظلِمُون، ويقدسون العدالة.

فالفضائل إذاً صفات وأعمال، تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بفائدتها وضرورتها، أو بأنها خير.

والرذائل صفات وأعمال تؤمن الجماعة الغالبة اصطلاحاً بضررها أو بأنها شر.

فالنفع والأذى أساس الاعتبار في الفضائل والرذائل.

والأخلاق هي آثار الفضائل القائمة في النفوس، أو أثر مزاولتها، والرجولة في ميزان الاعتبار الأدبي، ليست هي الفارق الطبيعي بين جنسين ولكنها مجموعة من الصفات الرائعة في الرجل الرائع.

* * *

ومن حسن الظن أن الألفاظ في مجال البحث الأدبي، وتقرير التعاريف لا تحدد المفاهيم تحديداً هندسياً، ولكن تُقربها، لأن مدركات الذهن عادة تقوم بنصيب وافر في تكميل الصور، وحل رموزها، وتوسيع مدى مضامينها وإشاراتها.

وواضح أني لو أردت أن أضع تعاريف أدق وأكمل للفضيلة والرذيلة والرجولة والأخلاق، لوجب أن أسوق أمامي قطيعاً من أفكار الحكماء والعلماء والأدباء والفلاسفة، وأكون قد عرضت عليكم بضاعة غيري وبهذا تكون اللعبة أقل خطراً مما يراد، أو مما ينتظر.

والإيمان بالفضيلة قديم، كما أن الكفر بالرذيلة قديم، والحرب بينهما لا تزال قائمة، ما تهدأ لها ثائرة، وهي سجال بينهما، ميدانها النفس الإنسانية تارة، ومجال الحياة الظاهر تارة أخرى، وستبقى سجالاً هكذا. إلا إن أراد الله، فإذا انهزمت الرذيلة في مجال الحياة الظاهر، لم تنهزم في مجالها الباطن، فعرشها ما يزال موطد الأركان في النفوس.

فهل كانت الرذيلة ضربة لازبة على الحياة؟

أم أن في النفس الإنسانية ضعفاً؟ ما تكون الحياة كاملة معاني القوة إلا به. وإلا بأن يبقى قائماً يذكي نار الصراع فيها حتى تنتهي إلى غايتها المقدورة لها، أم أن الشر فطرة النفس الإنسانية، والخير عدوها اللدود فما ينفك يغزوها، وهي تدفعه؛ لأنه الدخيل الواغل على حياتها، فإن استكانت له فإنما تكون استكانة المجاهد المغلوب على أمره، لا استكانة الإيمان بالحق، فإذا استعادت قوتها على الصيال صالت، وعادت سيرتها التي مما تتبدل ولا تزول.

ذلك ما لا يجد الفكر عليه جواباً.

لا خلاف في أن الإيمان بالفضيلة، والكفر بالرذيلة، غير سلوك سبيلهما، لكن الخلاف يجيء من التفرقة بين الإيمان والعمل به، والكفر والعمل به، والموقف من الدقة بحيث يخشى فيه الزلل على العقل البصير.

هذه مسألة لا يجيب عليها العقل وحده، بل يجب أن يُستنجد لها الضمير؛ فالإيمان بالفضيلة عند الفارابي -الملقب بأرسطو العرب- خير من سلوك سبيلها على غير إيمان.

وهو يريد بالإيمان هنا المعرفة. معرفة الفيلسوف المتعمق المنتهي إلى الطمأنينة والاعتقاد؛ فكأنه يقول: إذا عرفت أن الصدق خير من الكذب، وآمنت بهذا إيماناً قاطعاً مستمداً من معرفتك، كنت عندي خيراً من الصادق ما دام لا يماثلك في هذه المعرفة. واسمعه يقول: “لو وجد رجلان أحدهما واقف على مبادئ وتآليف أرسطو، ولكن لا يسلك سلوكاً منطبقاً على مبادئ هذا الفيلسوف، والآخر يسلك سلوكاً منطبقاً على ما جاء في هذه المؤلفات، ولكنه جاهل بها، فإن الأول أفضل من الثاني، لأن المعرفة أفضل من الفعل الفاضل!”.

هكذا يقول هذا العقل الجبار، فهل هي كبوة من كبواته، أم هي حقيقة الحقائق في الإيمان بالفضيلة؟

إننا نرى وراء هذه الكلمة أمداء مترامية ما يحيط بها الفكر، فما نود أن نهيم فيها على وجوهنا، قبل أن نعود إلى الإيمان بالفضيلة، نحدده أو نقيسه، أو نزنه عساه يكون عدتنا لهذه الرحلة العسيرة.

ولا مراء في أن الإيمان الكامل الصحيح بالفضيلة، معرفة، وعمل، تقتضيه هذه المعرفة، وإرادة، وحرية..

هذا هو المظهر الكامل للإيمان بالفضيلة في اعتقادنا. فلنستعرض الآن ألواناً أخرى للإيمان بها.

إن الإيمان بالفضيلة دون العمل بمستلزماته، ضعف لا يتناول حقيقة الإيمان، بل يتناول قوة النفس وضعفها، وفتورها ونشاطها، فهو إيمان المعرفة، لا إيمان اليقظة.

وهناك لون من ألوان الإيمان بالفضيلة يعمل بمستلزماتها، ولكنه لا يعرفها المعرفة التي هي الإيمان، فهو اندفاع آلي لا اختيار فيه للنفس ولا إرادة، فنصيب النفس فيه، نصيب الآلة في حركة تؤديها، فهي تتحرك ولا تعي، وتفعل ولا تريد، كالصخرة تتدحرج فتصيب حياً فتقتله، وكالحيوان يطأ حياً فيودي بحياته، لا إرادة، ولا إدراك.

ولون آخر من الإيمان بالفضيلة تولده الضرورة، لا يكون لاختيار الإرادة فيه مجال، ولا لحريتها مساغ، كإيمان المرء بضرورة الثبات على الاستبسال دون نفسه أمام خطر داهم لا مناص له من مواجهته.

فالثبات هنا ليس إيماناً بالثبات، والعمل بمستلزماته ليس عملاً بمستلزمات إيمان يقوم على اقتناع الحرية المختارة، لكنه إيمان ضرورة بهذه المستلزمات والاستجابة لها.

فهذا إيمان، وعمل بمستلزماته وإرادة ظاهرة. لا ينقصه إلا الاختيار ليكون إيماناً كاملاً، ففيم يختلف عن إيمان رجل تحمله بالسيف على أن يؤمن بأن الصدق خير من الكذب، وعلى أن يكون صادقاً؛ فإذا عرف وصدق، فإنما يكون هذا إيمان ضرورة، وعملاً آلياً لا اختيار له فيه ولا حرية، وإنما يكون إيماناً تنتقض عليه نفسه كلما مارسه!

وإيمان بالفضيلة يولده الانقياد التقليدي، لا تنتقض فيه النفس على شيء، لأنها لا تحس شيئاً، بل تساير عليه الناس، تراهم يفعلونه فتفعله، لا مختارة ولا مكرهة، وإن كان ظاهره الاختيار والإرادة.

هذا إيمان بهيمي.

نحن نستطيع المقارنة الدقيقة بين هذه الألوان، ونعرف أيها له الغلبة، ونعرف أنها تتقاسم النفوس في القرن العشرين كما كانت تتقاسمها في المراحل الأولى من الحياة، لكنا نؤثر شيئاً غير المقارنة.

نؤثر أن نجعل السبيل إلى الشك والقياس مجهوداً.

وحسبنا أن نقيم المقياس، أو نصححه، أو نشير إليه ليقيس كل إيمانه بالفضيلة كما يقوم هذا الإيمان في نفسه لا كما يقوم في أذهان الناس وعيونهم.

أنتم لا تعرفون عني إلا ما أريد لكم أن تعرفوه، وهذه سبيلكم أمامي.

الإنسان كما يشاء أن يفهمه الناس، غير الإنسان كما هو في نفسه.

هذه حقيقة نعرفها جميعاً.

وفي سرائر النفوس، سراديب تنطوي على ما فيها من عوامل الشر وآثاره ومن عوامل الخير وآثاره.

ولرب رجل يأتي الأمر، تظنه خيراً كله، وهو سبيله إلى الشر والأذى، وانتهاك الحرمات ومطيته إلى أغراض خائنة تسبح في دم الضحايا.. يرى إعجابك، وإعجاب الناس بما ظنوه خيراً فيتهلل، لأنه عرف مكانه من براعة الحيلة، ونفاذ الدهاء! فوارحمتاه للإنسان من أخيه الإنسان.

كلنا يؤمن بضرورة الارتقاء والنهوض، ويؤمن بوسائله وأسبابه الواضحة وكلنا يؤمن بالفضيلة والخير، ويكفر بالرذيلة والشر، فهل أفادنا هذا الإيمان؟ هل أفدنا به ارتقاءً أو نهوضاً؟

إنما نراه عاملاً قوياً من عوامل ضعفنا، وإنما نراه أثقلها وطأة على مواطن الضمائر والهمم فينا، فلماذا؟ ألأنه الإيمان الذي يدعوه الفارابي عملاً فاضلاً، ولا يدعوه معرفة؟

أم لأنه إيمان الضرورة، الذي لا يخرج بالإنسان من حدود ذاته المغلوبة.

أم تراه الإيمان البهيمي، فيه الانقياد، وفيه العمل، وفيه الاختيار الظاهر وفيه الإرادة الزائفة، وليس فيه الإيمان؟؟

وبعد.. فهذا حد العظة الآن، في حديثي عن الفضيلة وعن الإيمان بها، أوجزت الكلام فيه، لأن الوعظ يمس النفوس ولا يرجها، ويثير فيها الرغبة، ولا يوقظ الإرادة، ولأني لا أريد لحديثي الليلة أن يكون موعظة، تلف النفوس فيما يشبه الغيم الرقيق، لا هو يجلوها ولا هو يتركها في غياهبها المطبقة.

إنما أريد الوضوح والتعرية، وإنما أريد أن نعرف جميعاً حقيقة الفضائل والرذائل، وقرابتها من العقل المبصر، وحقيقة الإيمان بها، ونصيب هذا الإيمان من الصحة والقوة، كما نعرف حقيقة كائن حتى نشأ وترعرع واكتمل وانساق بعوامل الحياة حوله. عسانا إن آمنا بالفضيلة بعد، أن نؤمن بشيء نعرف معناه، ونعرف مواضع الضعف والقوة فيه.

والآن بعد أن بسطت لكم هذا التمهيد أسأل:

هل كانت الفضيلة، أو كان الشعور بها، أساس البناء الخلقي في الحياة؟

ولا معدى هنا من توسيع مدى النظرة وإطلاقها، وإغفال أصوات المعارضة ولو قليلاً، هي هدنة نلتمسها، والباب بعدها على مصراعيه للرفض والإنكار.

* * *

إن مطالب الحياة للإنسان الأول لم تكن تعدو حاجته إلى الطعام والمأوى والقوانين الأدبية لا تنبت إلا حيث تتسع مطالب الحياة، وتتعدد صورها، وتنفرج مسافاتها، وهذا استقراء واضح لا غموض فيه.

في هذا الطور البدائي من الحياة تكون القوة العارية مبدأ الإنسان وقانونه، وتكون الرجولة رمز هذه القوة لأن للأنوثة فيه حدها الذي لا تتعداه، ويكون الرجل المرموق، من استطاع أن يكتسب طعامه، وأن يقيم مأواه الواقي.

فالرجولة في هذا الطور شيء يتعلق بقوة الجسد، لا بقوى النفس، ووشائج أطوارها الباطنة وتكون أيضاً الأصل في نشأة اعتبارات المحاسن، أو نشأة حلقاتها الأولى.

ونحن نسوق الكلام مساق التقرير. والواقع أنا نفترض فروضاً عقلية مجردة نلتمس أن تقيم لنا حدود الفهم والتصور والاقتناع، فالبحث في أصل نشأة الأنواع، أو في أصل نشأة الحياة الاجتماعية، لا يشبه في الغموض أصل نشأة الأخلاق والفضائل وتطورها وإن كان ارتباطه الوثيق بالحياة الاجتماعية، شيئاً لا شك فيه.

ونزيد قولنا وضوحاً فنقول إننا لا نرى معنى لنشوء الفضائل في الطور الأول من حياة الإنسان القديم.

هنا إنسان لا يعرف إلاّ جسده وغرائزه وضروراته، مطلبه الأول: قوت، ووقاية.

والغرائز قائده الخفي، وبصيرته الملهمة وسلاحه، فهي مادة التكوين الباطن فيه، لا تصدر الحركات والاندفاعات والشهوات إلا عن أحكامها القاهرة.

الغذاء -الحياة!

هذا تنازع البقاء

الغذاء -الحياة!

هما المادة التي يتكون منها دستوره الأول.

وما زالت الغرائز في الإنسان والحيوان مظهر حياتهما الفطري، ومادة الاشتقاق وسبيل التحول.

والغذاء مطلب مشترك للإنسان والحيوان الضاري على السواء ولكن الحيوان الضاري أقدر على هذا المطلب، وأسعى له، وهنا موضع الاحتكاك والصراع.

فلا جرم أن يمتحن الإنسان في هذا الطور بعواد من الجهاد، ومفاجآته الطارئة، تتطلب الصبر والثبات والقوة العارمة، وتتطلب إلى هذا تبادل المعونة والنجدة، والتكاتف على دفع المخاطر.

وفي وسعنا الآن أن نقول: إن الإنسان إنما أراد بمسعاه الأول في حياته الأولى، تحقيق مطلب حياته الصارخ (الغذاء) وهو من صبره على ما يلقاه من عنت في هذه السبيل المملوءة بالمخاطر. عرف الصبر والثبات والشجاعة، وطائفة من هذه المحاسن المتصلة بضرورات عيشه.

نحن ندعوها محاسن أو فضائل، وهو يراها ضرورات تتصل بحياته يأتيها طائعاً أو مكرهاً، لأنه يريد أن يعيش.

وفي هذا الطور عرف الخوف، واعتاد الفرار، وأحس الجبن، وانعقال القوى.

نحن ندعو هذه معائب أو رذائل، وهو يراها سبيل حياته وبقائه. هي ضرورات قائمة في دمه يستجيب لها طائعاً أو مكرهاً، لأنه لا يريد أن يموت.

رَأَى هذا الإنسان، أثر القوة في الحيوانات الضارية حوله وهو ضعيف، فأحس الحاجة إلى القوة وأحبها بقدر ما فيه من إرادة الحياة وحبها.

ورَأَى أثر القوة في الحيوانات الضعيفة، إذا تجمعت وتعاونت على اتقاء المخاطر، فأحس الضرورة إلى التعاون.

وإذا كان بين الحيوانات الضعيفة، ما يزيدها التجمع ضعفاً، فالمرجح أن تجمعها في أطوار الحياة الأولى، كان يمثل إرادة البقاء. والأرجح أن هذه الحيوانات لم تكن موجودة بلا سلاح، يوم كان كل حي في الوجود مسلحاً بما يدفع به الغائلة عن حياته، فالذي لا تكفي قوته للدفاع تتحول فيه إرادة البقاء إلى كفاءة جريء أو مقدرة على التشكل والاختفاء.

وأثر الغرائز في الإنسان، أضعف من أثرها في الحيوان.

كان هذا هكذا، وما يزال هكذا.

فالفرّوج على ضعف بنيته وتركيبه، يندفع إلى الحياة نشيطاً آلفاً محيطه، مضطلعاً بمؤثراته العنيفة.

لكن الإنسان الصغير والطفل، يفتقر إلى المعونة الدائمة من والديه حتى يقوى.

إذاً ضعف الإنسان اقتضى شيئاً، اقتضى التجمع، التجمع التعاوني وكان تجمعه قبل ذلك طبيعياً محدوداً. وضرورات جهاده للغذاء، اقتضت التعاون على مثال أرقى، والتعاون اقتضى تجمعاً آخر معنوياً.. الاقتسام، الاشتراك، التعاطف.

وما يزال التعاطف في حياة البشر، ضرورة منشؤها الضعف، والشعور به في أفراد الجماعة، وفي أفراد الجنس.

هذا يشير إلى ذاك.

في هذا الطور بدأ الشعور بضرورة التكتل يقوى.

الحيوانات الضعيفة تتكتل وتتجمهر.

إذاً شعور الإنسان بالضعف اقتضى التكتل أمام المؤثرات المشتركة “أخطار الحيوانات والطبيعة” فاتسعت الدائرة قليلاً وأصبح الاجتماع ضرورة. وأصبحت له فرائض جماعية، نزل لأجلها عن شيء من أنانيته.

هذا واضح في حياتنا أيضاً.

أفراد الطبقة الممتازة في الجماعة، أميل إلى التباعد والعزلة، لشعورهم بالقوة والاكتفاء، وعندما تكون بواعث التكتل، مذيبة لفرائض العزلة، يتجمعون ويخرجون من حدودها، لشعورهم بالضعف وينزلون عن شيء من امتيازات تميزهم لفرائض الجماعة، ولفرائض الاشتراك والتعاون.

هذه ضرورات حياة.

ماذا يفعل الإنسان القديم في طور الكفاح الغشيم للحياة، لو أنه انفرد؟ وجافى جماعته؟

يموت جوعاً، أو خوفاً، أو يفترس، يندر أن ينجو.. لأن الحيوانات، حتى الحيوانات الضعيفة أقدر منه على الشم والجري والنظر، والإحساس الفطري بالمخاطر، وتجنبها.

هي ذات غرائز قوية وهو ذو غرائز ضعيفة.

السبع، لا يخاف النمر، ولا يخاف الذئب لأنه يغلبهما، ويفترس ما دونه فانتفاء الخوف عنه جعله ينفرد. قوته وصولته تتكفلان بعيشه وحمايته.

الإنسان يخاف السبع والنمر والذئب، ويخاف الوعول والكلاب. هي ذات براثن وحوافر وأظلاف وقرون ونيوب.

وهو ذو حجر وعصا وأنشوطة، وذو حيلة وصبر ومهارة. فما يخشاه السبع إذا انفرد، ولكنه يخشاه إذا تجمع.

فالتجمع تكفل بحماية الإنسان، ووسع دائرة تعاونه وتعاطفه.

كانت انفعالاته جسدية محضة، فأصبحت انفعالات جسدية نفسية استمد إدراكها من ضرورة العناية بابنه وبرفيقته… (بأم هذا الابن) ومن مظهر التعاون بينه وبين رفيقه، وشريكه في الصراع اليومي والاشتراك لون من ألوان القرابة المؤثرة، ما يزال هكذا.

ارتقت غرائز الإنسان وتقدمت، تطورت قليلاً، فولدت الشعور بالتعاطف كضرورة.

كان التعاطف الدعوة الأولى إلى نشوء عواطف محدودة في الإنسان ضاقت معها حدود أنانيته قليلاً.. وأخذت تضيق باتساع عوامل الضرورات الجديدة، المتحولة عن الضرورات الأولى.

كان يحب نفسه وأسرته، فصار يحب الجماعة أيضاً. كان يحب مأواه، فصار يحب مأوى هذه الجماعة.. (المأوى العام الموطن)، لأنه في اعتباره، موضع انتفاء الخوف، واتقاء عوادي الطبيعة، وموضع ألفة ألوان من الحياة، والجماعة والقرابة، وتبادل العلم بالأشياء وفهمها، والتحدث عنها، وموطن ذكريات النشأة الأولى، وخطرات النفس في أول شعرها بما حولها، وبما فوقها من مجهولات تخيف وتثير وموطن تكتل الجماعة وشعور الأُنس بها.

وحب الوطن فضيلة -لا شك-.

هو فضيلة المتوحش والهمجي والاجتماعي والمتمدن، وفضيلة قد تتسع وتمتد حتى تكون أساساً لحب الموطن العام للبشرية كما كان حب المأوى الخاص أساساً لحب الموطن الجماعي، فالموطن القومي.

فهل كان أساسها إلا الضرورة؟ وهل كان الوطن عند الإنسان القديم إلا هذه المعاني؟ وإلا قرابة مدلولاتها من حياته.

فالغرائز، وضرورات الحياة، والشعور بالضعف، هي المعين الذي استمدت منه تطورات الإنسان في تكتله، وتعاونه، وتعاطفه، ومزاياه الأولى خصائصها ومقوماتها، كما كانت القوة في الرجل القادر، رمز الشعور بالمحاسن أو مثار الإعجاب والمحاكاة.

وفي وسعنا الآن أن نستخلص مما تقدم أن الرجولة، كمظهر للقوة ومقدراتها كانت أصل الشعور بمحاسن القوة، والأصل الذي اشتقت منه القيادة المحدودة والزعامة المطلقة، بعد.

* * *

هذه صور متلاحقة سريعة، أعرضها في دقائق، فتدركونها، وترتبونها وتحسون الترابط الوثيق بينها. لكن كل صورة منها كانت في حياة الإنسان القديم أجزاء، ما يتألف منها جزء على جزء إلا ببطء كبير.

لم تكن الحياة سخية كما هي الآن، ولا كما كانت قبل ألفي سنة. ولم تكن الحوادث والتطورات تسير بالسهولة التي تسير بها الآن وقبل ألفي سنة. كان كل شيء في الحياة يبدو مخيفاً، مغلقاً، جامداً، مبهماً بطيئاً، لا يزحف، ولكن يختلج، ويتقدم بصعوبة.

وكان الإنسان يهيم في ظلمة مطبقة من نفسه، ومن الأخطار والألغاز المتوثبة حوله، وتحته، وفوقه.

الشمس، العاصفة، الليل، القمر، النجوم، المرض، الموت، الأحلام، الصاعقة، البرق، كلها غامض وكلها مرعب نحن نفهمها ونستمد من بعضها أسباب سرورنا بالحياة، وسرورنا بأنفسنا، ولكن الإنسان القديم كان يخافها ويجهلها.

كانت كلها ألغازاً مجهولة معقدة، ما يرتفع عنها الستار، ولكن يزحزحه الإنسان، وذخيرته ما يلقى في روعه عنها. وهو يتوجس الموت في كل خطوة مرتجفة يخطوها، وفي كل خطرة من خطرات نفسه القلقة وبصيرته الكليلة.

الأشد ما عانى هذا الإنسان القديم، كم جاهد، واحتمل المشقّات والأهوال وخاف، ولقي الموت عارياً، في مراحل نشأته الأولى وحياته، حتى مهد لنا سبيل الحياة الآمنة.. ولو أنه كان مضطراً أن يفعل.

ها نحن نجاهد بعد انبثاق فجر المدنية آلاف السنين للتقدم، وها نحن نلقى الطبيعة، وقد قلت في نفوسنا هيبة مخاطرها المرعبة، وانزاحت ظلماتها المتراكبة، وارتقت وسائل الدفاع ووضحت مسالك العقل، وندرت المخاوف.. وما زلنا نخشى الظلمة، وما زالت فرائضنا ترتعد من حركة مجهولة فيها، وما زلنا نخشى المغاور والثقوب والمفاجآت المنبعثة منها.

فالدنيا كلها كانت مغارة مظلمة، أمام الإنسان القديم تترصد له فيها كلمات خطا خطوة، مخاوف الموت حاسرة أو مستخفية، وطافرة أو زاحفة… رائحة الموت في كل شيء..!

وكان البطء الممتد المرعب، والتجارب القاسية القتالة، مفتاح هذه المستحيلات والمجهولات ومفتاحها الفرد.

والحساب هنا ليس حساب سنين، لكنه حساب أجيال، في وسعنا أن نفترضها، متى قارنا طفل القرن العشرين، بجده الإنسان القديم البعيد.

الطفل الذي تقوم على تربيته الأولى أمة بأسرها، بغرائبها، ومعلوماتها، وحضارتها، أمة يؤلفها المنزل، والزقاق، والحارة، والمدينة والمدرسة، وذخائر من الكتب والقواعد والدين واللغة الكاملة والحب والعواطف، والعادات والتقاليد، والغرائز المهذبة، وقوانين الوراثة ووسائل الحضارة، والأمن والرخاء.

هذا الطفل الذي ما يبلغ مرحلة رشده الأولى حتى تتصبب الأمة عرقاً، وتتهافت إعياء، أين هو من الإنسان القديم الأعزل المندفع في بيئة مظلمة، تحتل الحيوانات الضارية نقطة الحياة منها؟ والذي مأواه كهف ضيق مظلم، أو رأس شجرة وفروعها، تتردد حولهما المخاطر عارية، ويتردد حولهما الجوع والرعب، والريح التي تشي برائحته؟

* * *

بهذا المقياس نقيس بطء التطور في هذه المراحل المتساوقة، وإن كانت طبيعة العرض للصور المتلاحقة أمامكم، تختزل هذه الأمداء المترامية في كلمات..

والآن إلى القوة.

فرصة الحياة شائعة يأخذ كل فرد في الجماعة بنصيبه منها.

هذا يطارد الغزال، وهذا يكمن له.

هذا يصيد أكثر لأنه أكثر قوة وحيلة.

وهذا لا يصيد لأنه أقل قوة وحيلة.

(لا يصيد كثيراً إلا الأقوى).

هذان طفلان يموتان في مطلع حياتهما، بسبب ظاهر أو خفي.

وهذا طفل يعيش.

هو قوي، وهما ضعيفان.

(القوي يعيش، والضعيف يموت).

هذا قوي يسقط من شجرة فيموت.

وهذا قوي تطبق عليه صخرة فيموت.

(لم يموتا لأنهما ضعيفان: دهشة، انقباض، إذعان، صدفة، حظ).

هذا قوي يصارع الرجال فيغلبهم (قوي).

هذا قوي يصارع الأسود ويصطادها (أقوى).

هذه مقارنة ثم: (خوف، حسد، تسليم، بطولة، زعامة).

هكذا آمن الإنسان بالقوة، وبمظاهر اقتدارها.

وكذا آمن بالحظ.. والزعامة.. والبطولة.

وهكذا قارن واستنتج.

ودّع الإنسان عهده القديم، وقابل عهداً جديداً.

تراث هذا العهد المتحول: غرائز تلطفت حدتها.

عواطف محدودة بين أفراد الأسرة.

تعاطف تعاوني بين أفراد الجماعة.

إيمان مطلق بقوة الجسد (الرجولة، البطولة، الزعامة).

محاسن، ومعائب، تتعلق بقدرة الجسد، وكفاءته الظاهرة.

خرافات فردية وجماعية عن الطور القديم.

* * *

يمتاز الطور الجديد بأنه أكثر ضماناً لطمأنينة الفرد والجماعة من سابقه، وبأنه أوفر غذاء.. لأنه عهد أكثر رخاء، ولأنه عهد ذو تراث.

هذه فرصة ينتهزها الإنسان للابتعاد عن حياة القلق والعراك، وللخروج من حدودها قليلاً.

هي فرصة الراحة بعد العناء، فرصة التعقل الهادئ، والالتفات والتأمل.

تدلنا أطوار الجماعات الهمجية الآن على أن سعة الشعور والإدراك، وامتداد التخيل، وتصور أمثلة أرقى للمدركات، والإحساس النفسي بالنزوع إليها، والصبوة إلى تحقيقها لا يمكن أن يتأتى شيء منه للإنسان في أطواره الأولى، إلا كلما قطع مرحلة في تقدمه الاجتماعي والفكري.

فالرجل البدائي، أو الهمجي مثلاً، لا يكون إلا مثال القصد والاكتفاء والوضوح، وانتفاء التعقد، في ظواهره وبواطنه.

ثم هو بقدر ابتعاده عن بيئته الطبيعية الأولى، وقوانينها، ودخوله في بيئات أكثر تعقداً، يأخذ في التحلل من تأثير إيمانه القديم بقوانين حياته الآبدة، ومطالبها المحدودة.

فنشوء المحاسن الاختيارية إذاً لا يمكن أن يكون إلا من صنع التقدم الفكري والاجتماعي، لازدحامه بالصور والأوضاع التي لا يمكن أن يعالج حل عقدها، بمنطق القوة وحده، والطور الجديد الذي نتكلم عنه الآن، وهو بيئة أكثر تعقداً وإن كانت أقل خطراً.

والتقدم الفكري والاجتماعي، تطور يتناول المدركات الحسية والمعنوية بالتحوير والتعديل والزيادة والنقص، يعطي قليلاً ويأخذ أقل.

وهو في أطواره الأولى يزيد خصائص الشعور بالقرابة الجماعية ويؤكدها. فلا غرابة إذاً، في أن يكون طور الانتقال البطيء من حياة التنازع الغشيم، سبباً في حمل الإنسان على الالتفات إلى الماضي، الذي ما زالت تربطه به روابط وثيقة.

هذا رجل شامخ القوة، حطّمه الجهاد، أو حطمته السن بكلالها الطبيعي، لا بد أن تعتبره الجماعة القوية شيئاً من تراث أمسها الغابر، تقبل عليه بالرعاية والإيناس وتوليه إكبارها، وتعود إلى رأيه المستمد من ذخيرة تجاربه الواسعة، وتأملاته الهادئة فيكون بهذا قائد حركتها، أو معنى بارز الأثر في قيادة هذه الحركة.

وهذه امرأة فقدت ابنها القوي الذي كانت أياديه على الجماعة ما تنقطع فقعد بها الحزن عليه، وافتقاد الإعجاب به، والراحة إلى قربه، تكون مصيبتها رمزاً لمصائب الجماعة، وبعثاً لأحزان الأمهات والآباء فيها فنجد النفوس في مواساتها، وتخفيف لوعتها وإعانتها على قطع الرحلة الباقية لها -واجباً- يستنبط الشعور بضرورته، شعور الرقة والعطف، والارتياح إلى الإحسان.

وهكذا تنشأ العواطف أجزاء ثم تتواءم، ويزداد أثر الشعور بها، والحاجة إلى المبالغة فيها والاستزادة منها، وضوحاً في النفس بازدياد بواعثها وأسبابها، حتى تكون أخيراً النداء الملح إلى بروز الفضائل، وتكون اعتباراتها الأولى.

وكما كانت اللغة في أصل نشأتها أصواتاً ومقاطع، فقد كانت السلسلة الطويلة من ميراثنا الإنساني في الفضائل حلقات أبجدية، مشتقة من مؤثرات الحياة الأولى، وضروراتها الظاهرة والباطنة.

وقد قلنا إن القوة في الطور القديم كانت أصل نشأة الشعور بمحاسن الرجولة، والميل إلى تقليدها، واتباعها. أو كانت تمهيداً طبيعياً لنشأة المحاسن الاصطلاحية، وتمهيداً للإيمان بها، وتحتيمه فيما بعد.

ومن ينكر هذا على الطور الذي كانت فيه القوة الجسدية، مصدر الاعتبارات كلها؟

ألسنا في القرن العشرين وفي دولة الفكر، نرى أن القوّة مصدر السلطان؟ وأن سلطانها عطل قوة الروح، وإعتاق نفوذها، وقام يرسم للأخلاق حدودها الجديدة، كما يفعل القائد لجنوده؟

ألسنا نرى عصف القوة بالمبادئ الخلقية والإنسانية، وعصفها بالضعف والقلة وخنقها لشعور الإنسان بحرية اختياره حتى في نفسه؟

إذاً فالطور الغشيم، ونقصد به الطور البدائي انتهى بالجماعة إلى اعتبارات روحية، زاحمت فيها قوة الجسد، قوّة أخرى معنوية، تحولت عن قوة الجسد.

قوّة أخرى معنوية، كان يمثلها رجال أقوياء (أجساد قوية) مات بعضها في إبان نشاطه مخلفاً ذكريات حياته النابضة في الأسرة والجماعة، وبقي بعضها ماثلاً، وقد أعياه الكفاح القديم وأضناه هذا من تراث الماضي.

ماضي الغلاب والعوادي والظُلمة.

هو قوّة ولكنها ذابلة حائلة، فهي بالضعف أشبه. بل هي ضعف ولكنه ضعف محترم محبوب.

هي شيخوخة الأم وشيخوخة الأب. بل هي الشيخوخة في غير الأم والأب. وهي الزمانة والكلال في الأخ والرفيق، وفي غير الأخ والرفيق.

وهي طفولة طفل خلفه فرد من الأسرة، أو فرد قريب من الجماعة أو خلفه.. رجل.

فهذا ضعف قوي يفرض نفسه على القوة فرْضاً ويحتم عليها السنن والواجبات له، ويلقي عليها الأعباء تؤودها، ولكن تسرها.

وهو ضعف ينازل القوّة وجهاً لوجه، ولكن في غير ميدان الجسد الذي خلفته وراءها يشرق بدم الضحايا من الحيوان والإنسان، ضعف نبيل كانت الدعوة الأولى إليه صرخة الطفل وبسمته وعواطف النبوة والأبوة والأمومة والقرابة والاشتراك.

وهو في يوم الجماعة الجديد، مولود الجماعة كلها في أول استهلاله وهو المادة الأولى في شريعتها الأدبية. ويشير انبثاق فجر جديد، شعرت بعده الجماعة بانطلاق حدودها، فبدأ القانون الأدبي يتألف، تؤلفه العواطف، ويؤلفه الشعور أو تؤلفه ضرورات أدبية.

فهذا طور من الحياة جديد، يهزم أو يخلف طوراً من الحياة قديماً وقد تمت له الغلبة أو كادت.

لكن الغلبة هنا ليس معناها استغراق الغالب للمغلوب وليس معناها أن الناس كلهم، فقدوا غرائزهم بل هذّبوها، وحوّلوها، واتجهوا بها اتجاهاً يوائم مقتضيات الطور الجديد ومطالبه.

والناس منذ كانوا لا يتشابهون ضعفاً وقوّة وهم في أطوار الانتقالات لا يتساوون إدراكاً وكفاءة للاضطلاع بأعبائها وألفة فروضها الجديدة، ولا يتساوون كفراً وإيماناً بواجباتها ومزاياها.

وإنك لترى خمسين طيراً من جنس، لا يختلف فيها طير عن طير في طريقة إحساسه بما حوله واستجابته لمطالب غريزته وفي ألفته ونفوره.

ولكنك تكون أمام أفراد من أسرة معينة، في بيئة خاصة، في جماعة تؤلف بينها وشائج القرابات الممتدة، فتكون أمام طائفة من الاختلافات لا يوائم فيها طور طوراً، ولا تطابق فيها صفة صفة، ولا يماثل فيها مزاج مزاجاً.

وهكذا تكون كلما صعدت، رأيت التمايز والاختلاف بين الناس متسعاً. والجماعات الهمجية أقرب إلى التشابه ولكنه تناقض واضح، وإن كانا في الظاهر، قريباً من قريب في اعتبار موازين التقدم التمدني أو النظرة العابرة.

فلا يدع أن يخرج على هذا القانون الأدبي الجديد أفراد يقل أثر الشعور بالشريعة الأدبية في نفوسهم، إما لأنها تمثل السلطة للأفراد السائدين، فهذه شارة التمرد عليهم، وإما لأن فوارق الإدراك من شأنها أن تفعل هذا. فلا جرم أن يكونوا عاجزين عن مسايرة التطور الجديد، لأن أثر الأنانية الغريزية فيهم أوضح، وأثر (الغيرية) أضعف، واختلاف العوامل النفسية ما يزال هكذا، حتى عندما يكون اتجاه الجماعة متحداً.

من هنا تنشأ الرذيلة، أو تنشأ الفكرة الأولى عنها، وتكون في شكلها البدائي (عيباً، أو نقصاً) سببه الإضراب عن مسايرة الجماعة.

* * *

كانت القوّة في الرجل مصدر الإعجاب والتقديس. والقوة ما تعرف الهوادة في تأمين سبيل حياتها ومطالبها.

وكان الناس يتفاوتون في نصيبهم من هذه القوة، فامتاز في الجماعة أفراد، تفاوتوا أيضاً في درجات تمايزهم.

(هذا أكثر استفزازاً لشعور الجماعة، وهذا أقل).

وكان الطور طور ألفة واتحاد، وتعاون، وهذه ضرورات فلا رذيلة ولا فضيلة وإنما مقابح ومحاسن تتعلق بالجسد وكفاءته الظاهرة قوة وضعفاً.

هذا يشير إلى أن الفطرة البشرية ليست فطرة شر، ولا هي فطرة خير في مبدأ ظهورها على مسرح الكفاح للحياة. فإذا كانت سبلها إلى البقاء تقتضي الخير فعلته مطمئنة، وإذا كانت تقتضي الشر فعلته غير مكترثة.

فالخير والشر قبل أن يصبحا من مفاهيم الإدراك الأدبي، في أطوار الانتقالات الاجتماعية البطيئة، لم يكونا خيراً وشراً، فيما يتصل بأعمال الإنسان، بل كانت هناك الحياة وكان الجسد وكانت الضرورة.

هذا إنسان يريد أن يعيش، يكمن لحيوان ويصرعه. أفي هذا شر؟ ماذا كان في وسعه أن يفعل الحيوان نفسه، لو ظفر به لجعل منه مادة غذائية. هذه حرب للحياة، وليست حرباً لشر مقصود، أو مفهوم.

الطبيعة ذاتها..! ألا تحمل بدورها على العاري والضعيف والضال؟ ألا تشح بالمطر؟ ألا ترسل الصاعقة؟ ألا تبعث الزلازل؟ والتغيرات المفاجئة والكوارث؟ ألا تدحرج صخرة فتقتل بها رجلاً قوياً غافلاً؟! من يقول إن هذا شر؟ إنما هو نظامها، وطريق مسراها إلى غايتها المرسومة لها من خالقها القوي الحكيم، فهو طريق الإنسان والحيوان إلى غايتهما أيضاً.

في هذا الطور كان التعاون ضرورة، وللتعاون الجماعي فرائض وسعت حدود النفس كثيراً أو قليلاً. وكان ضرورياً أن يتقبل فيه الإنسان فرائض الجماعة، عندما كانت حاجته إلى الحماية والتعاون ضرورة وخوفه من الطبيعة قاسياً.

فإذا تغير هذا الوضع قليلاً، وقلت المخاوف من الانفراد، وتقدمت وسائل العيش، وتعددت -مال إلى إظهار الشعور بحريته، والتمتع بمزايا مقدرته وقصرها على نفسه وأسرته، وتولد عنده الميل إلى المخالفة والاعتزال.

فلو اعتبر هذا في عرف الجماعة الغالبة خروجاً معنوياً على أساليبها المتبعة لم يكن الخروج الذي يقتضي الحرب، وشن الغارة، لأن الشرائع الأدبية في بدء نشوئها والشعور بمزاياها، تكون مطلباً كمالياً، أو فرض كفاية يتلمس الطريق إلى النفوس في هدوء فمشاعر الجماعة هي التي كونته فحاجته إلى القوة تفرضه وتحتمه.

لذلك كان سلاح القوانين الاجتماعية، والشرائع الأدبية، القوة لا الإقناع في الأطوار التي قام بها ما يشبه الحكم، أو القيادة (أي في الأطوار الأكثر تقدماً).

عندما يكون الناس مختارين لا يفعلون شيئاً إلا من تجعلهم مواهبهم ومشاعرهم الخاصة في طور أرقى من طور الجماعة.. هذا في القرن العشرين أوضح مما كان في حياة الإنسان الأولى أو في حياة الهمج.

اختلاف الطبقات نظام سيىء، يجعل الأنانية، أنانية جماعية، لا أنانية فرد. الفقير يشعر شعوراً متطرفاً بشكوى فقد مثله أو دونه، الغني لا يشعر كشعوره، إلا نحو غني من درجته، أو أقل قليلاً.

الفقير يعرف حرارة الجوع.

الغني يعرف حرارة الاضطرار لبيع المنزل، المسكين عنده من اضطر لبيعه فهو في دنيا غير دنيا الفقير.

ما تزال عواطف الرحمة، والشفقة، والنخوة، ومشاركات الشعور، في الجماعات الدنيا، أكثر منها في الجماعة العليا.. (لعل هذا قانون الشعور بالضعف، أو قانون التشابه في مؤثرات مشتركة) أو لعله (قانون السذاجة).

النعمة لا تبطر… ولكنها قوة تجعل الإنسان انفرادياً، فهي تسد مسام الشعور والإحساس، وتقفل نوافذ النفس.

بل إنها تبطر، ألم يقل الكتاب العزيز: (( كَلاَّ إنَّ الإنسان ليطغى* أن رءاه استغنى )).

 ليس الأغنياء كلهم ولا الفقراء كلهم هكذا.

هناك غني يشعر، ويستجيب دواعي نفسه، ولكن في الألف.

وهناك فقير لا يشعر، ولا يستجيب، ولكن في الألف.

* * *

لم يكن في حياة الإنسان القديم فقر، ولا غناء، ولم تكن هناك طبقات وفوارق، كانت الثروة جسداً قوياً، والسلاح قوة. (هذا أقل قوة، هذا قوي، هذا أقوى) وكانت المشاعر واحدة، والغاية واحدة والسبيل واحدة.

لذلك يكون الشذوذ على المطلب الجماعي الأدبي، ضعيفاً، ومتقطعاً وخافتاً.

فإذا كان العهد الجديد أكثر رخاء، وأكثر أمناً، وهو هكذا قطعاً، كان الاستغناء المفروض عن هذه القلة الشاذة، وعما تؤديه ممكناً جداً.

فمتى ساهم الفرد في رد الغارة عن جماعته، وفي أداء نصيبه من الجهد إزاء الأخطار التي تهدد طمأنينتها، ومتى عال نفسه وأسرته وشارك الجماعة في حمالاتها، وتبعاتها المادية، كان قيامه بالفرائض في شريعتها الجديدة شيئاً اختيارياً، له قيمته، وله جزاؤه في العرف والاعتبار الأدبي فإذا شح بما يقتضيه العرف على الضعفاء والشيوخ، كان جافياً على نفسه، وعلى درجة اعتباره المعنوي بين الجماعة.

هكذا تشعر القوة الممثلة للشريعة الجديدة، والقوة الخارجة عليها في الابتداء…

ولكن الحوادث تلعب دورها بينهما، بعد…

تبدأ الخصومة بين الضعف الذي كان مصدر قوة التشريع، وسبب وضعه والذي نازل القوة فهزمها، وحبب إليها الهزيمة، فأصبح مصدر السلطة الروحية في قانونها الجديد وبين القوة التي رجحت اعتزال الجماعة، والخروج على قانونها.

يبدأ التنكر والعراك بينهما، هادئين ثم مخيفين.

وسواء أشرع الضعف (المتسلط) قانونية هذا العراك الشعري أو شرعه الأقوياء الفضلاء باسمه فإنه المصدر. هكذا انشطر تقديس القوة -التي مظهرها كفاية الجسد- إلى شطرين. كما انشطرت القوة إلى شطرين، تحول أحدهما إلى قوة ذات سجايا نافعة لجماعة الضعفاء فاتسع أمامه مجال التطور، والظهور والتأثير، لأنه قوة نبيلة معقولة، والآخر قوة لا تخرج من حدود ذاتها الضيقة.

الأول قوة متعدية أو منصرفة.

والثاني قوة لازمة، أو جامدة.

ما زالت الفضائل المتعدية في القرن العشرين، وفي جاهلية الجماعات أكثر أعواناً، وأكبر نصيباً من تقدير الناس وإقبالهم.

والعراك دائماً يخلق ميادين النشاط والتزيد ويوسعها، وهذا عراك السجايا بين قوتين.. عراك جديد، لأنه نمط جديد.

فالفضائل الناشئة في هذا التطور تكون مظهراً للاختيار والقصد أولاً، أو مظهراً لضرورات أدبية، ثم تستحيل ممارستها، والحرص على الإنصاف بها إلى نوع من اللذة الخفية، وتداعي الشعور بحلاوة ما تلقاه من إعجاب وتشجيع ومناصرة.

والعزلة تتخذ مظهر الحرد والعناد والإصرار لما تلقاه من مقاومة وزراية واستغناء عنها فتمعن فيما يزيد حنق الجماعة ويسيء إليها.. هذا مفترق الطريق للقوّتين.

وليس في تغلب قوة على قوة تماثلها في ميادين التطاحن، شر ولا نذالة كلتاهما تعمل للبقاء والسيادة، وكلتاهما تدافع عن حق تراه حقاً، فالنزاع بينهما مشروع، كما كان النزاع بين الإنسان والحيوان مشروعاً.

لكن قوة الخارجين على الشريعة الأدبية للجماعة هنا، لا تنازل قوة تماثلها، بل تنازل ضعفاً.. تحميه قوة.. فالانتصار عليه نذالة ولؤم.

هكذا يتولّد الشعور بالرذيلة، وفهمها واضحين.

بدأت الفضيلة قوية مؤزّرة، وبدأت الرذيلة ضعيفة متكوّرة.

ما تزال صرخة الفضيلة أقوى، في نفوس الجماعة.

ألمانيا تقول الحق، العدالة، المنطق.

إنجلترا تقول الديمقراطية، نصرة الضعيف، حماية المبادئ الفاضلة.

لا يوجد من يقول الاغتصاب، العدوان، سحق الضعيف، الطمع لأن الرذيلة لا تنتصر إلا متى كان صوتها قوياً، وصوتها لا يكون قوياً إلا إذا نفخت في بوق الفضيلة.

هذا في حياة الأمم مثله في حياة الأفراد، وهو في القرن العشرين مثله في القرن العاشر، ولكنه لم يكن هكذا في حياة الإنسان القديم.

كانت الفضيلة حينئذٍ حقاً، أو شبيهة بالحق، وكانت صفات لازمة أو محبوبة ترتاح إلى ممارستها النفوس ولا تستغلها.

القوي الذي يعطف على الشيوخ، والنساء، والأطفال: أقوى، أحسن، أفضل (حب).

القوي الذي لا يعطف على هؤلاء رديء، قاسٍ (بغض).

القوي الذي لا يحب الجماعة، ويعتزلها، يحب نفسه، أناني (ازدراء).

اتسع دستور القوة قليلاً واتسع إدراك الجماعة قليلاً.

كان الإنسان يرى ويدرك بغرائزه، وضرورات حياته، فأصبح يدرك، بقلبه، بوجدانه بشيء من الشريعة الأدبية.

كان يرى قوة، وقوة، فيقيس بينهما ويفاضل (قوي، أقوى).

صار يرى قوة، وقوة وسجيّة، فيقيس بينهما، ويعلل، ويستنتج (حسن أحسن).

كان يكره الأقوى ويخافه، ويحسده، ويطيعه.

الآن يعظمه، ويحبه، ويتَّبعه.

صار مختاراً بعد أن كان مضطراً.

هذه خطوات الجماعة.

خطوات الفرد الخاصة غير هذه، تختلف كثيراً عندما ينفرد.

يرى الأنانية حقاً إذا كان قوياً.. ويراها باطلاً إذا كان ضعيفاً.

ما تزال الجماعة أقل دقة، وأسرع إيماناً.. وأعمق استجابة، من الفرد.

* * *

تضيق حرية الفرد كلما تقدمت أطوار الجماعة اجتماعياً، وكلما تكاثرت الروابط الاجتماعية واتسعت الحدود لحرية الجماعة فيها.

لا يعود من مصلحة الجماعة، إطلاق الحرية للفرد، أو للأقليات، فتنشأ شرائع وضعية، يضعها الأقوياء، المسيطرون على الجماعة، تكون خلاصة لشرائعه الأدبية، التي تصبح بالتدريج معتقداً عاماً.

فالشريعة التي تكون فرائضها الأدبية، فرائض كفاية، أو فرائض اختيارية، تنقلب قانوناً لا معدى عن طاعته.

والمحاسن التي كان مصدرها الجسد والقوة، وجاء طور أصبحت فيه أساساً لشريعة أدبية يجيء عليها طور آخر، هو طور التلقي والمزاولة، لا بد أن تكتسب فيه صفة التقاليد الواجبة، ولا بد فيه من ممارستها، ومحاولة تحويلها إلى خصائص نفسية، وفكرية ثابتة (أخلاق ومعتقدات).

ولسنا نعني طبعاً في كل ما تقدم أن الإنسان في هذه الأطوار كان يضع الأسماء لمسمياتها على وفاق ما تشعر به إزاء إدراك معانيها، وشيوع الإحساس التام بها في نفوسنا، إنما نعني أن إعجابه بالقوة وبمحاسنها، وشعوره الأدبي بمعنويات الحياة والنفس، كان يقوم مقام هذه التسميات، ويرمز إلى مسمياتها أو إلى ما يشبهها.

ومن المؤكد أن تطور اللغة في الحياة الأولى لهذا الإنسان، كان أبطأ كثيراً من تطوراته الاجتماعية والفكرية، فالشعور والإدراك يسبقان عادة التسميات وألفاظها، تشعر أولاً أو ترى، أو تعرف، أو تسمى!

ومن المحزن حقاً انقراض الأصول الأولى للغات، فقد كان وجودها حرياً بأن يوسع آفاق حياتنا الفكرية، وبأن يحدثنا ألذ الحديث وأشهاه عن تواريخ تلك التطورات القديمة التي رافقت كفاح الإنسان في أطوار انتقالاته الاجتماعية والنفسية، والفكرية.

كيف حارب الإنسان؟ كيف كانت همومه؟ كيف فهم السجايا التي صارت أساس شرائعه الأدبية؟ وكيف سماها؟ كيف نشأت الآداب؟ كيف نشأ الشعر؟ كيف كانت أساليبه وموضوعاته؟ كيف غنى الإنسان؟ كيف تحمس وفاخر؟ كيف تعبد؟ كيف أحَب؟

هذه الحلقات المفقودة، جزء من تقدم شرائعه الأدبية، بل هي أهم أجزاء هذا التقدم ودلائله وهي سبيل الفهم اليقيني أو ما يقاربه.

* * *

قبل أن ننتقل إلى تحليل الفضائل نتحدث إليكم قليلاً عن طور التلقي والمزاولة، وهو الطور الذي يتحول فيه الشعور بالسجايا والأفكار والشرائع إلى معتقدات لا شعورية أو إلى خصائص نفسية وفكرية ثابتة.

الإنسان الصغير الجديد في الطور الثاني أو الثالث، يتعلم بسهولة، ما كان يتعلمه جده القديم بصعوبة، ويعرف ما عرف أبوه وأمه وأجداده، فهو يعرف أكثر.

كان الجدّ القديم يتلقى عن الضرورات، وعن الطبيعة، وعن التجارب، فأصبح الثاني يتلقى عن هذه، ويتلقى عن الجماعة، ذخائر تجاربها، ومحاسن حياتها، وغرائب اكتشافاتها ومعتقداتها، وفرائضها وأوهامها.

الحياة رخاء، وأمن، فهي متسعة، متعددة السبل.

كان الطفل القديم في الأطوار الأولى يخاف ويساهم بنصيبه في احتمال قسوة العيش وأعبائه، وهو اليوم يمرح ويلعب، ولا يحمل عبئاً، إلا ما كان من قبيل التمرين والمحاكاة حتى يشتد.

عرِف الفكاهة والعبث، كما يفعل الكبار حين يلعبون حول النار.

الكبار ذوو سجايا، وخبرة، ورحابة فهم، فهو يقلدهم.

يراهم يمثلون الحوادث التي تقع بعيداً، حيث الصيد والمغامرات، ويقلدون الحيوانات، حركاتها وأصواتها، فيحاكيهم.

التمثيل قديم في حياة الإنسان، الأرجح أنه عرفه بعد أن عرف النار، وتجمع حولها للدفء واللعب والحديث.

والرقص فرع من فروع التمثيل، هذا معقول.

رجلٌ لذعته النار، فقفز، وتوثب على رجل واحدة، وأمسك موضع اللذعة بيده.

هذه مفاجأة، يضحك لها الناس، لأن فيها شيئاً غير الجد المحض.

إذا قلده أحدهم ضحكوا أكثر.

هذا تمثيل، ثم رقص.

هكذا اتسعت الحياة رويداً.

الناس يمثلون، ويقلدون بعضهم في الجد وفي الهزل، تحبهم الجماعة.

الإنسان الصغير، يفعل فعلهم بسهولة، لأنه أذكى، طفولته أوسع مدى من طفولة جده، كذلك الطفل في المدينة الحافلة، أذكى من نِدّهِ في القرية وفي الريف، وأوسع أفقاً لكثرة ما يتوارد عليه من الصور.

يزاول الطفل الشجاعة، العطف، احترام الشيوخ.. الإحسان إلى الضعفاء، أعمال البطولة، بوحي من نفسه، وبإيحاء من أبويه، وأسرته، ومن الجماعة.

يزاولها على أنها فضائل يتحتم الإيمان بها، وعلى أنها محاسن وسجايا يتصف بها الأقوياء الممتازون.

فالفضائل أو بعضها في هذا الطور مزاولة وتقليد، يستحيلان إلى أخلاق ثابتة، ومشاعر، بعد قليل أو كثير.

والمزاولة أقدر على ترسيخ الفضائل، وتحويلها إلى مشاعر ثابتة، وأخلاق مغلغلة في النفس من أحكام الضرورات الطارئة والمتكررة.

* * *

أعتقد أني أسرفت كثيراً في سوق الأمثلة وحشدها، وأظن أنه لم يعد صعباً أن تساير جميعاً هذه الطريقة إلى حدود أبعد.

هذه الحلقات الأولى من السلسلة، أو الدرجات الأولى من السلم، فلم يبق ما يمنعنا من التصور.. والتخيل.. والمسايرة.

في وسعنا الآن أن نتصور ما يفعله التقليد، وما تفعله المحاكاة، وما تفعله ضرورات الطور الجديد، ومطالبه، في استكمال معاني الفضائل وإقامة حدودها، وفي ترسيخها، وتوليد المحاسن منها.

* * *

قلنا إن الغرائز هي مادة التكوين الباطن في الإنسان والحيوان.

وقلنا إن الضرورات المتصلة بالعيش، وبنداء الحياة الملح، دفعت الإنسان إلى أن يخرج من أفقه الضيق، إلى آفاق أكثر رحابة، خفتت معها أصوات غرائزه، وخفيت، أو تلطفت، على قدر عرافته في الاكتساب الاجتماعي من مراحل التطور التي يقطعها.

وقلنا أخيراً إن المزاولة والتقليد أقدر على ترسيخ السجايا، وتحويلها إلى مشاعر وأخلاق ثابتة، من أحكام الضرورات.

ونود هنا أن نجري التجربة على الحيوان، لتختبر صحة افتراضاتنا التي بنيت عليها هذه النتائج، ونصيبها من القوة.

فالحيوانات مزودة بإلهام غرائزها إلى حد الجمود، ولكنها قد تكتسب بالتجارب المكررة، ما يضعف عمل هذه الغرائز، ويحولها، فيهذبها، أو يزيدها قوة وضراوة.

ومفهوم أن مجال التطور الطبيعي أمام الإنسان، غيره أمام الحيوان، فنشأة العواطف في الإنسان، أو ذوبان غرائزه الأصيلة، وأنانيته الآبدة، لم يكن نتيجة عوامل شعورية، ووليد عوامل ضرورات حيوية، ثم معنوية، ثم أدبية، لا تخرج في شتى صورها وامتزاجاتها عن أنها ضرورات، متحولة عن ضرورات.

والحيوانات التي اتصلت أسباب حياتها بحياة الإنسان الاجتماعي، فقدت بعض غرائزها، أو خفتت أصوات هذه الغرائز فيها بعامل التدريب والتجربة.

فالكلب والقط يحبان الوطن كالإنسان، ويشعران بقانون أدبي محدود، لأنهما أكثر علاقة بالإنسان في محيط حياته الخاصة.

القط يألم للزجر، ويحزن لفقد سيده، ويعلن الحنين إليه، ويتأدب بدافع شعوره بالعطف عليه، ويفسد بانقطاع هذا العطف عنه، ويغار من قط يزاحمه على مكانته عند صاحبه.

والكلب يتعلم الأمانة والصبر والحب واليقظة والشعور بقوانين العِشرة الأدبية، ويتأثر بالإحسان، والواجب، ويقلد الإنسان في شعوره بالحماية والفخار والزهو لأن صلته بالإنسان كانت ولا تزال أوسع نطاقاً، وأقدم عهداً.

وقد ينحط الكلب أو يتشرد، فيستحيل تأثير سجاياه القديمة، على ما يشبه الأسى العميق والجفوة الكئيبة.

والحمار – وعلاقتي الأدبية به قديمة جداً – وعفواً-، تضيق دائرة اتصاله بالإنسان، ولا تتخطى حدودها الضيقة، لذلك كان تطوره التخلقي، أقل مرتبة من تطور الكلب.

فهل كان هذا هكذا، لأن الحمار أضيق مدى في إدراكه الحيواني، وأصلب غرائز من الكلب؟ أو لأن هناك استعداداً غريزياً هيَّأ الكلب لأن يكون حارساً ورفيقاً، وللحمار أن يبقى كادحاً؟؟

كلا!!

ولكن خفة جسم الكلب، وقوة صوته المتزنة، ودقة شمه، ومقدرته على تصوير مؤثراته، وتشكيلها بهذا الصوت، وقلة مُؤنته، وسرعة عَدوه، ساعدته على الدُّنو من الإنسان كرفيق وحارس، وطبعته التجارب المكرورة، وشعوره بضرورة إدراكها، بطابعها الخاص.

فيتضح مما تقدم، أن التقدم بغرائز الحيوان وتحويلها إلى طور الإدراك، والتعقل، ممكن، متى تعلقت وسائل هذه المحاولة بضرورات عيشه أيضاً، ولكن هذا التقدم لا يتم إلا بعمل التجارب، وبأن تجيء على يد الإنسان.

فالكلب في الحضارة الراهنة، ينقذ الغرقى، ويتعقب المجرمين ويُدعَى للشهادة في المحاكم، ويعاون الجنود، ويترصّد الأشقياء، ويخدم العدالة.. والمجال أمامه ما يزال واسعاً جداً للتطور.

وبعض الخيول ترقص على نغمات الموسيقى، رقصاً مدرسياً موزوناً، عفواً إخواني المدرسين وبعض القدرة العليا في أمريكا وأوروبا تعزف على آلات موسيقية عزفاً دقيقاً.

ولبرنارد شو – الفيلسوف الانكليزي – حمارة ما أشك في أن لها نصيباً وافراً من الإدراك تخطت به حدود بنات جنسها وأبنائه كثيراً إن اطرد القياس، وما له لا يطرد.

وكثير من الحيوانات تطرب طرباً هادئاً أو عميقاً، للحداء، والغناء، والموسيقى فهذا يشير إلى علاقتها القديمة بالفن؟ وإلى أن لها حساً غير حسها الحيواني.

حساً وجدانياً مثلاً..

فهذه نتائج التدريب والتهذيب والمزاولة، ووحي ضرورات العيش، وتأثير المشاركة الطويلة في الحيوان. يقابلها في الإنسان ضعف غرائزه الأولى، وما اقتضاه هذا الضعف من التكتل الجماعي، وما أدى إليه هذا التكتل من نشاط القوة التعقلية فيه، وما مهد له هذا التعقل من ضيق حدود أنانيته، وتحولها إلى غيرية أولية، حتى عرف القانون الأدبي بعامل شعوره العاطفي، وحتى أخذ توسيع مدى هذا القانون، متابعة لمقتضيات تطوره المستمر.

* * *

انتهى بنا الكلام إلى العهد الذي قامت به بعض الفضائل، التي صارت الجماعة إلى الشعور بها، والاستجابة لأحكامها، وكيف تتولى المزاولة والمحاكاة تحويلها، إلى أخلاق ومشاعر، أو ملكات نفسية، وفكرية.

أما كيف تتناسل الفضائل بعد ذلك وتتزايد، فجوابه عند حياة الإنسان الاجتماعية، واطراد جزرها ومدها، وعند تقدمه الفكري، واتساع أفقه.

ونظن أن القوة التي يمثلها الأبطال والزعماء، هي التي كانت ترتجل بعض الصفات التي تغري الجماعات بالحب والتقديس، وتحبب إليها الطاعة والانقياد والالتفاف، حول مرتجليها، فتحب وتدعي محاسن أو فضائل، وتدعي أضدادها ونقائضها، معائب أو رذائل.

فالقوة أقدر على الارتجال والوضع، لأنها أوسع مجالاً، وأوضح غنى، وأقدر على الاضطلاع بمسؤوليات ما ترتجل، وأعمق ميلاً إلى توسيع دائرة النفوذ، وإطلاقها.

ولا شك أن الطور الذي حارب فيه الإنسان، أخاه الإنسان (طور احتكاك الجماعات) هو الطور الذي كان يلد كثيراً من المعائب والمحاسن، والذي اتسع فيه منطق المقارنة والوزن والمقابلة، والمبالغة والتهويل.

فالجماعة القاهرة، تلجأ بعد إصابة غرضها الذي ساقها إلى الحرب إلى أساليب من المعاملة، تكفل الدوام والرسوخ لانتصارها، كإطلاق الأسرى، والعفو عن الجناة والمبالغة في إكرام النساء والشيوخ، والاضطلاع بحماية الضعفاء لاجتذابهم، واتخاذهم مثالاً مغرياً للمناهضين الأقوياء، وبسط اليد بالعطاء، وفرض قانون العفة.

وما يزال هذا مشاهداً في كثير من أحوال الفتح والاستعمار.

والجماعة المقهورة تعاب بالضعف، وتلفق ضد أفرادها المتسلطين حكايات يصنعها الوهم، أو يبالغ فيها.

في جاهلية العرب كانت الجماعات المنتشرة، تتنافس للاستهتار بالقوة، فما يتهيأ له هذا بالغزو، وقوة الشكيمة فيه، كما يتهيأ بانتشار القالة الحسنة عنها، وبذيوع المحمدة، فكانت شارة القوة والمتعة للجماعة، أن يكون أفرادها البارزون، وزعماؤها المسيطرون، كرماء وهابين، وذوي غيرة على الجار، وعطف على الغريب، وإكرام للطارق والقاصد، وحماية للاجئ المستجير.

وكان هذا التنافس نفسه، أسلوباً من أساليب الغارة والحرب، ودلالة على اتساع نفوذ المقدرة على الكسب والإنتاج.

وكانت لكل جماعة صحيفة أو أكثر، تنافح عن سمعتها، وتبالغ في نسبة الكمال والفضائل إليها، والشاعر هذه الصحيفة.

وكان هذا كله مظهراً لمذهب الفروسية الذي ساد في ذلك الطور الهمجي.

* * *

أردت بهذا التمهيد، الذي تناول أطرافاً من الفروض والأقوال، وأساليب من التمثيل، والاستدلالات، والأقيسة، أن تقوم الفكرة التجريدية عن نشأة الفضائل واضحة كل الوضوح في أذهاننا، ويسرني أن أشعر بأني وفقت في هذا ولو قليلاً.

وأعترف لكم بأنه لا يؤذيني، أن يعد كثيراً من هذه الفروض والأمثلة المزجاة خيطاً، وخلطاً، فإن الذي يحاول الإقناع عادة، لا يستقيم له ما يريد بالحجة والمنطق وحدهما.

ففي الإنسان شيء غير العقل المكين، والعلم الراسخ، والعقائد الثابتة. فيه الوجدان، وفيه مشابه الإنسان القديم، واستجاباته الخاطفة، وفيه الضمير الفطري الذي يؤمن بأحكام العقل ومنطقه قليلاً، ويكفر بهما كثيراً. فيه هذا الحس الداخلي الذي يكونه تاريخ طفولته القائم في دمه، وتاريخ وراثاته الذي يعد عاملاً له قوته. هذا الحس الذي يتسع فيه أفق الشعورات المبهمة حتى ما تحده الحدود، ويضيق حتى ما يرى سبيلاً غير سبيله.

وعساني – إن فشلت في اكتساب العقول – لا أفشل في اكتساب عطف الضمائر والنفوس، وإقناعها، وأي شيء من الفضائل والرذائل. يمكن أن تكون صلته بالعقل، أوثق من صلاته بالعواطف والنفوس والخيالات والضمائر؟ بل أي شيء منها يمكن أن يكون أقدم علاقة بالعقل، أو أدنى قرابة إليه، من الفطرة الأصيلة؟..

* * *

ينبغي الآن أن نستنتج، أن الفضائل أنانية مهذبة، وأن الرذائل أنانية عارية.

وأن الفضائل أدل على القوة وانطلاقها، والرذائل أدل على فتورها وضيقها، وقد كان الجسد فيما مثلنا، مصدر القوة، أو مظهرها، ومعيار الحكم عليها، في بداءة الحياة.

أما في الأطوار الأكثر حضارة فيكون مظهر القوة مدى الاستطاعة والمقدرة على ضمان الرغائب.

فالثروة أقدر على تحقيق المطالب والرغبات، وبسط النفوذ، من قوة الجسد، وقوة الفكر، ومعيار الفضائل والأخلاق في هذا العصر وفي عصور قبله، القوة بمعناها الجديد (الثروة -النفوذ).

فإيمان الناس بالقوة (في معناها الجديد) إيمان معرفة وتقدير. أما إيمانهم بالفضائل مجردة، فإيمان خيالي أو شعري.

وليس أدل على ذلك، من أن أية فضيلة لا تكون مظهر قوة، لا يكون الإيمان بها إلا شبيهاً بالكفر والإنكار.

وأعتقد أنه لا يسع أحداً أن ينكر أن كل فضيلة لا يكون المتصف بها قوياً، لا تكتسب في نظر الناس معنى الفضيلة ونفوذها.

فأنا إذا عطفت على مريض ملقى في الطريق، وواسيته، لا أنال التقدير يناله رجل بارز في المجتمع يفعل فعلي.

بل إنا نرى أن بعض المعائب والرذائل يوسع لها العرف العام صدره، متى كان المتصف بها قوياً ذا نفوذ.

ولو شئنا أن نذهب هذا المذهب في الاستقراء والمقارنة والتجريد، لألفينا أن الصراحة في رجل ممتاز، تعد نبلاً وعظمة وقوة طبع. وأنها في رجل ضعيف الأثر في تقدير الناس تعد تفاهة وغثاثة وثرثرة، وضعفاً عن ضبط النفس.

والأثرة في عظيم قوي، دلالة على امتياز شعوره بنفسه، واعتداده بها فهي حق معترف به، ولكنها في إنسان وسط، باطل، وخروج على سنن الحياة المعروفة، ومألوفاتها المتبعة.

ورقة الجانب والبشاشة، والدعة، وصدق الشعور، والأريحية، ونبل الاتجاه والإيثار في رجل فقير، لا تساوي كلها في ميزان الفهم والإعجاب، ابتسامة فاترة، أو إيماءة مكرهة، من رجل ذي نفوذ، ولتكن بعد ذلك بارقة كاذبة، لا أمل فيها.

والناس ما يزالون يترنمون بالصدق، ويحضون عليه، ولكنا لا نجد له أثراً بينهم.

وقد أصبح الكذب، وما ولد من رذائل المكر والخداع والمداهنة، والتصنع، والمداورة، والرياء، قانون الحياة الاجتماعية.

ونحن نمتدح بصدق الوعد في الرجل المرجو، ولكنا نكره ألا يعدنا بتحقيق مطالبنا، حتى إن كان تحقيقها غير ممكن.

والرجل إذا قال هذا غير ممكن كنا له أشد كرهاً.. نحب أن يعد ولو لم يفِ لأن الصدق في هذا الموقف تخييب قاطع للأمل، والوعد الكاذب عزاء، ولو باطل.. إذاً فالكذب يلقى تشجيعاً.

تفطن الناجحون لهذا الضعف، فلا تلقى (للا) أثراً في صلاتهم بالناس، فلا جرم أن استحالت حياتهم كذباً مألوفاً ترضاه النفوس، وما يصدق على الكذب، يصدق على رذائل أخرى.

فإذا قال قائل، إن حظ الفضائل أخذ في الإدبار، لم يقل إلا بعض الحقيقة.. الحقيقة كلها، أن حظ الفضائل قد أدبر أو زال.

فنظرتنا إلى الفضائل بعد قياسها بهذه الأقيسة الصريحة، التي مهدنا لها بعدة أمثلة، خليقة بأن تفقد حماسها وحرارتها، وأوشك أن أقول أملها.

وقد بينّا أن بعض الفضائل كانت تقاليد بهيجة، تحولت بالمزاولة والتشجيع إلى مشاعر وأخلاق ثابتة، يوم كانت الحياة أقل تعقداً، ويوم كانت الجماعة أسرة مكبرة، تتوحد فيها المشاعر والمقاصد، وتقوى بينها الروابط الطبيعية، أو يوم كان الاتصاف بها ضرورة لتوسيع مدى النفوذ، وبسط سلطان القوة، بين الجماعات المناورة.

وهذه كرّة الزمان تفقدها سحرها ونفوذها.. شاخت وضعفت، كما يشيخ ويضعف، كل شيء في الوجود.

كانت شيئاً جديداً في حياة الجماعات، وشيئاً لامعاً يزيد روابط التماسك الجماعي، وقانوناً فاتناً يتضمن حماية الضعيف، ومعنى الاعتراف بقرابته من الجماعة القوية، ويتضمن معنى السمو بالقوة والرجولة.

وكان القانون الأدبي معنى لذيذاً تسرب في روح الجموع فساد وظهر كما يسود كل مبدأ شريف القصد، تستمد منه الجموع روح الأمل والعزاء والتفاؤل، وتستروح منه نسمات التساوي مع القوى.

وما زالت الجموع هكذا، تستمد من فهمها الفضائل، ومن الإيمان العميق بها، روح الأمل والعزاء.. ولو كانت وهماً خلاباً.

ومن السهل أن نحدد وقع هذه الألفاظ الساحرة في نفوس الجماعات الأولى: الشفقة، العدالة، الخير، الثبات، التضحية، الإيثار، العفة، الصدق، متى عرفنا أن كلمات: المساواة، الحرية، الاشتراكية، الحق، المبدأ، حماية الضعيف، الديمقراطية، تفعل فعل السحر، في نفوس الملايين وتقودهم إلى التضحية في القرن العشرين، وتنزل من نفوسهم وأفكارهم منزلة الأحلام البهيجة، وتخدر أعصابهم بصورة ذلك الفردوس الأرضي الذي تزوره القوة –  أو الفلسفة.

وبالرغم من أن العقل لا يؤمن بإمكان المساواة والحرية، المطلقتين، وبالرغم من أن منطق الحياة يجعل الحق دائماً في جانب القوة، وبالرغم من أن حماية الضعيف، وضمان حقوقه الإنسانية، ليست أكثر من وهم فعال تسخر به الجموع، وبالرغم من أن الاشتراكية حلم لم تحققه سلسلة الجهاد الطويلة في آلاف السنين، فإن النفوس، ما تزال ترتاح إلى هذه الأوهام الباطلة، وتحرص على أن تبقى لها.

فهل الفضائل ألفاظ اخترعها القوي ووشاها بالأحلام والتهاويل لاستغلال الضعفاء؟. أما تيارات الحياة المتدافعة فإنها تندفع في سيرها تكتسح الضعفاء ومبادئهم وآمالهم وأوهامهم وتكتسح الفضائل والأخلاق لا قانون لها إلا القوة؟؟

وارحمتاه للضعفاء، لماذا لا يتعلمون فن القوة إذاً ليكونوا أقوياء أو ليتقوا شر القوة؟..

صحيح أن الإيمان بالفضائل في المعتقدات العامة لا يمكن أن يموت أثره في النفوس.

وصحيح أن المشاعر والمعتقدات الثابتة في الفضائل تكون أقوى نواحي القوة في روح الأمة، والجماعة، والفرد. لكن هذا الإيمان، وهذه المشاعر والمعتقدات أصبحت في نفوس بعض الأفراد والجماعات نقطة ضعف تستغلها القوة.

كم من المجازر البشرية انقادت الجماعات إليها مأخوذة بوهم الحق والعدالة، والدفاع عن الفضائل المستباحة؟ والقوة من ورائها لاهية عابثة، تعد الأغلال والأكفان لهذه الجماعات بعد الانتهاء من جهادها؟

وكم استغلت أطماع القوة، مشاعر الجماعات ومعتقداتها، باسم إقامة موازين الفضيلة والحق، حتى إذا بلغت غايتها بهم، أقامت موازين العسف والجور والرذيلة، عارية، مكشوفة…؟

ما ننكر أن تاريخ كل أمة حية لا يخلو من محاولات إصلاح يقوم بأعبائها فرد، أو أفراد تصح نزعاتهم إلى الخير، وتصدق جهودهم في الدعوة إليه.. ولكن سرعان ما يبتلعها الزمن، وتطويها القوة.

ويستحيل أن تتحول تيارات الحياة الجارفة عن مجراها الطبيعي ليقوم ميزان الفضائل بحقه في قيادة الحياة، وتسيير دفتها.

ويستحيل أن تصاغ الحياة في قوالبها الأولى، وأن تعود إلى قوانين الفطرة القديمة، وأن يتقلص ظل التمدن الاجتماعي إلى حدود هذه الفطرة، ليعاد ترتيب الفضائل والرذائل على ما يضمن للحياة استقرارها وسموها، وفقاً لما يقننه منطق العقل الإنساني البصير!

وها نحن نزن الفضائل – كما هي في واقع الحياة – ونحللها ونسبر غورها فما نراها إلا ألفاظاً براقة، وخيالاً ساحراً، ومبادئ لامعة، لا يمكن أن يتكون منها روح عام لجماعة من الجماعات أو لأمة من الأمم؛ بعد أن تقدمت الحضارات واندفعت في سبيل القوة والطغيان؟

ولا نرى الفضائل – فيما تمارس – إلا أنانية راسخة تقوم على النفع يرتجى، أو على اللذة تبتغى، أو على الأمل يطلب، هي وسيلة تحقيقه.

وهنا قد يسأل سائل عن سر إعجابنا بالفضائل؟ والجواب أنه ما من فضيلة تمارس إلا وفي أطوارها دلالة على قهر النفس، وكبح غرائزها، وجهاد لمطالب هواها، فلا جرم أن يكون إعجابنا بها، إعجاباً يؤدي معنى الاعتراف بقيمة شيء نجد صعوبة في اكتسابه، أو نحس هذه الصعوبة في اكتسابه، وما تغلو قيم الأشياء عادة إلا بمقدار الصعوبة في الحصول عليها، وإلا بمقدار الحاجة إليها.

والفضائل صعبة ولكن لمن يكون إيمانه بها إيمان تضحية لا تنظر إلى جزاء وبيت المتنبي:

لولا المشقة، ساد الناس كلهم .. الجود يفقر، والإقدام قتال

تعليل دقيق لهذا الإعجاب، وإن كان تعليلاً ظاهراً للعجز الشائع عن السيادة والإقدام.

فالإيمان بالقوة ونفوذها، هو، حقيقة الحياة، وهو قانونها في القرن العشرين، وفي القرون الأولى، وفي أطوار الحياة القديمة البعيدة!

والدعوة إلى الفضائل حلم جميل بالحياة، كما يجب أن تكون، لا كما هي كائنة، حلم ما تحققه إلا القوة.

فمن يسعه أن يتكهن بأن الاتحاد مصير القوة والفضائل، والعالم مندفع في سبيل الطغيان والجحود؟؟..

* * *

نتقدم الآن إلى تحليل بعض الفضائل وتجريدها، والمقابلة بينها وبين نقائضها، لنرى صحة قولنا أن الفضائل أنانية مهذبة، وأن الرذائل أنانية عارية.

فالكرم لا شك، صفة فاضلة، تنطوي فيها صفات تتعدد مسالكها ودلائلها، وهي ككل صفة، لم تنشأ هكذا كاملة السمات، بل تدرجت في سلم التطور حتى بلغت غايتها المعروفة.

وقد قلنا إن الإنسان في حياته الأولى، كان يمتحن بعواد من الجهاد ومفاجآته الطارئة، تتطلب المعونة والنجدة. في هذا الطور قد يزيد من نشاط الإنسان الكادح، فضل يتخذه يداً على الجماعة، ولا تزيد من طعامه فضلة. فالطعام يدخر، وفي عدم ادخاره استهداف لمضرة الجوع والفقدان، ولكن النشاط يبذل، وفي بذله منفعة، تعين على تمرين القوى وحفزها، وتعين على اتساع وجوه الحيلة، واستمراء لذة الظفر والاكتشاف، ونشوة انتشار الصيت، وهو بعد قرض واجب الأداء على الجماعة، في الغد الغامض، وضرورة من ضرورات التكتل لدفع المخاطر، والاستئناس والسلوة، وتقليل هيبة المخاطر المترصدة له. فالنجدة إذاً أولى معاني الكرم.

والكرم لم يكن في أول نشأته تضحية وإيثاراً، وغراماً بالبذل، إنما كان -ولا يزال- دلالة افتخارية على اتساع نفوذ القوي، ومقدرته على مواصلة الجهد والإنتاج، على أنه لا يتناول إلا الزيادة، وسبيل تعويضها مجهودة هينة، بعد اتساع رقعة التجربة والسعي، وامتداد مذاهب الحيلة، وحنكة المزاولة، واتساع الثراء.

ثم هو بعد صفة لازمة لمن تحلهم قوتهم من الجماعة محل الأبطال والقوّاد، فالكريم أكثر أعواناً، وأبعد صوتاً، وأعمق أثراً في النفوس، وأرفع منزلة في العيون، ولا يزال في الناس من ينزلهم كرمهم منزلة الزعماء المسيطرين. والكرم فضيلة متعدية، لذلك كان الثناء والإقبال على تمجيدها، أكثر من الثناء والإقبال على تمجيد العفة، مع أن العفة قهر صارم للنفس، ورمز للقوة، أكثر مما يكون الكرم الذي هو في معناه، وطبيعة دوافعه، انتفاء للخوف من الفاقة، أو توكيد للمقدرة، أو استغراق في لذة نفسه، أو سعي وراء مطلب أدبي، يكون أغلى من المادة المبذولة في نفس الباذل.

والبخل فطرة وشدة، تأخذ بحساب دقيق، وتعطي بحساب أدق، وهو رمز للخوف، وما يعيب الإنسان أن يخاف بل يعيبه أن يكون آدمياً. والبخل إن كان رذيلة، فهو رذيلة لازمة إن كانت شراً في ذاتها فليست شراً على غيرها.

وهو إن دل على قصر الذهن، وفتور حيوية الفكر الطامح وضيق مدى النفس والخيال، في مجال المعنويات المنطلقة، دل على فهم عميق لطبيعة الحياة، وحقيقة الناس، ودخائل سرائره المطوية.

فإن كان الكرم شعراً وحماساً، وخيالاً جميلاً، كان البخل حكمة وفلسفة وفهماً عميقاً.

والكرم يعطي ليأخذ، والبخل اكتفاء.. وما عاب الناس البخل، إلا لما فيه من أثر الأنانية الواضحة، والاعتكاف في حدود الذات، ونحن نراه أنانية محدودة قانعة، ونرى الكرم أنانية واسعة جشعة، هما استرقاق النفوس والألسنة، وذيوع الفخار، وتحقيق المطامع، والاستمتاع باللذة الخفية.

* * *

والشجاعة ليست خلقاً طبيعياً في الإنسان فما يتصف بها الناس إلا اضطراراً، أو فراراً من عار، أو طمعاً في تحقيق غاية، أو منافسة لندّ، أو دفعاً لسبة، أو خطأ في تقدير نتائج المخاطر.. فبماذا من هذه الأسباب تستحق أن تدعى فضيلة؟

والجبن في منطق العقل السديد، وليد الخوف، والخوف ليس منافاة للعقل، ولا للطبيعة الإنسانية، فهو أقوى غرائز الإنسان، وأداة شعوره بالأخطار، وسبيل تجنبها.

فإذا خاف الجبان مجهولاً، فشأن النفس البصيرة أن تخاف المجهول، وإذا خاف المجازفة، فإنما يرجح السلامة والهدوء.

إنما كان الجبن سبة أو عيباً، يوم كانت الدنيا قائمة على المجازفة، ويوم كانت حرباً شعواء بين الإنسان، ومطالبه الصارخة، وبين الطبيعة بأهوالها المتراكبة، ومخاوفها المطبقة، ويوم كان اقتحام المجهول، ولقاء المخاطر، ضرورة الفرد، وضرورة الجماعة، لضمان العيش والأمن.

ومن يستطيع أن يزعم إن ضنَّ الحي بروحه، وحرصه على صيانتها رذيلة إلا في منطق هذا العرف الآبد؟؟

إن الإنسان إذا تغلب على وحي غريزته، فاستهان بالمخاطر واستمرأ لذة المجازفة، كان خارجاً من حدود غريزته وفطرته، داخلاً في حدود مطلب من مطالب الضرورة، أو مطالب العواطف واندفاعاتها، ولهذا حدوده الخاصة، فإذا لم تلد هذه الحدود، وإذا لم تلد عواطف الشجاعة واندفاعاتها، حجة يستقيم بها الإقناع في منطق الجبان، كان ذلك حقاً، وحقاً كله.

نعم إنه ليس من الرشد في عرف نفس اتسع مدى فهمها للحياة وشعورها بامتداد آفاقها، أن تفقد في سبيل صيانة النفس، أعز أعلاقها.. ولكن هذا مطلب من مطالب طور خاص، في حياة الإنسان، ونضوج ذهنه، فذاك حيث عد الجبن رذيلة، حتى بعد أن أدبرت الحياة البدائية أدبارها، واتسعت حدود الإنسانية بمعنوياتها الحافلة النازلة من الإنسان منزلة لحمه ودمه وأنفس أعلاقه. والشك في أن الجبن رذيلة، ما يزال قائماً في النفوس، وإلا لماذا جنح الناس إلى توليد فضائل نصفية منه، دعيت وزناً وتقديراً، وتبصراً واعتدالاً؟ وإلى توليد رذائل نصفية من الشجاعة، دعيت تهوراً وتطرفاً واندفاعاً؟ أليس لأن القرابة بينهما واضحة؟

والحق إنا نرى القرابة بين معظم الفضائل ونقائضها وشيجة، والتداخل واضحاً.

وما نعتقد التفرد بهذه النظرة، أو السبق إليها، فقد قاد الشعور بهذا التداخل – فيما نرجح – بعض الفلاسفة قديماً وحديثاً إلى اعتبار الفضيلة، وسطاً بين رذيلتين، فالكرم عندهم وسط بين رذيلتين، البخل والسرف، والشجاعة وسط بين رذيلتين، الجبن والتهور.

ولكن ثمة فضائل لا تقبل هذا التقسيم، فبقيت على الشذوذ وسط ذاتها، فالأمانة، والصدق، والعفة، وأمثالها، لا تنزل فضيلة منها منزلة وسطاً بين رذيلتين.

فالأمين يكون أميناً كلما بالغ في أمانته، والخائن يكون خائناً مهما قصر به مدى خيانته، ويكون صادقاً أو كاذباً، ولا وسط، وللمبالغة بعد، حدودها وصيغها الفكرية واللغوية.

فهل نلام على الشعور بأن العدالة المنطقية، لم تعط الرذائل والفضائل حقها من التقدير والفهم الدقيق؟..

هذه رذيلة الحقد، لماذا عدَّت رذيلة؟

أينقص بالنفس أو ينحدر بها، أن تحقد على من أساء إليها، أو اغتصب حقاً من حقوقها، حتى ينصرف بغيظها الانتقام والاسترداد؟ أو ينصرف به العفو بعد الظفر؟

وهذه فضيلة العفو القادر! أليست أبلغ الانتقام وأدهاه، والانتقام الذي يتضمن الشماتة البليغة والتقريع اللاذع، للضعف المنكر بعد اعترافه بالهزيمة؟.. أليست عدول الكبرياء عن تشديد النكير على الجسد، إلى تشديد التنكير على الروح؟ أليست الانتقام الذي يفثأ غليان النفس، ويطفىء أوارها ثم يستلّ في دهاء سخيمة قلب الضد المندحر ويكسر سَورة الشر فيه؟؟..

فما بين معظم الفضائل والرذائل إذاً من الفروق، ما بين الظلم والعدل، والحسد والغبطة وأمثالها.

هذه أضداد ونقائض، وتلك قرابة ومجاورة، وما على هذا الظن غبار، ما دامت النفس الإنسانية، وطبائعها الأصيلة، المنبع الذي استمدت منه الفضائل والرذائل خصائصها وسماتها وإنباضها.

* * *

والقناعة كانت فضيلة – ولا تزال فضيلة الصابر المحروم – لأنها رمز الاكتفاء القوي عن الناس، والتحكم في مطالب النفس، وحد طماحها، ترفعاً عن التدلي لالتماسها منهم.

ولكنها اليوم فضيلة خاملة، توشك أن تنقلب رذيلة، في عرف الحياة الراهنة، ومصطلحات طورها الحديث، فهي معدودة في الفقير تسليماً بالعجز عن إدراك الرغائب، وفي الغنى دلالة الاستكفاء.

ولو قلنا إنها في الغني والفقير، دليل سمو النفس وترفعها، لم نقل حقاً.

ولا يسعنا أن ننكر أن قناعة الفقير والضعيف والعاجز، عزاء يلتمس لتخفيف وطأة الشعور بالحرمان، عن النفس.

وهذا المتنبي يقول:

كل عفو أتى، بغير اقتدار ..  حجة لاجىء إليها اللئام

فالعفو عنده لا يكون إلا من قادر، وهذا مطابق للاصطلاح. فلماذا لا تكون القناعة فضيلة – إن كانت – إلا ممن تتوفر فيه المقدرة على تحقيق الأطماع.

والتواضع توكيد للذات، وإيمان عميق بها، ويخطىء من يظنه إنكاراً للنفس، واعترافاً صادقاً بضعفها، وهو لهذا لا يكون في أروع صوره، وأكثرها فتنة، إلا إذا جاء دلالة على قوة ممتازة.

والكبرياء أنانية واضحة لا تعرف الدهاء والحذق، فهي رذيلة ظاهرة.

ولو قابلنا بين الإيثار والأثرة ألفينا الإيثار أكثر جشعاً، وأوضع طمعاً، فالإيثار نظر حاذق إلى ضمان فائدة الحب والإعجاب في الحاضر، وما يفيد بهما في المستقبل، والأثرة نظر ضيق إلى ضمان فائدة في الحاضر، تقتصر على المادة، فهي عارية لا تتستر، فتتيح بوضوحها الفرصة للمقاومة والفهم والحكم الدقيق.

فالمتكبر، والأناني الأثر، أقصر نظراً إلى مصلحتهما، وتوسيع حدودها.

* * *

والاعتراف بالنقائص فضيلة دون شك. ولكنها أيضاً فضيلة ذات مغزى نفعي كالتواضع، فما يعترف إنسان بنقيصة فيه، إلا وهدفه أن يتصف بالكمال في ناحية أخرى، هي أكبر عنده وأغلى.

والعفة لم تكن رياضة عسيرة للنفس وجهاداً مستمراً لغرائزها، وقمع شهواتها الملحة، إنما كانت مطلباً من مطالب الحياة الاكتفائية الحريصة على أن تبقي لها ذخيرتها من النشاط والقوة، حيث كانا سلاح الحياة، وأداة صيانتها وإنما كانت دليل الزهد في مناورة الجماعة، لضرورة الحاجة إلى حمايتها، والاستقرار فيها.

فهي في هذا القياس صفة لا أثر فيها للترفع الأدبي المختار عن انتهاك الحرمات.

على أنها قد تكون عجزاً وفتور حيوية!

ومن يرى أن عفة الشيخ في طور كلامه واسترخائه فضيلة، إنما هي فضيلة السن، وقانون الفتور، وليست فضيلة القوة والصبر والمغالبة، كما هي في الرجل المشبوب القادر على تأمين مطالبه.

* * *

والكذب يقل حيث يقل التزاحم على أسباب العيش، فهو في القرية، أقل منه في المدينة.

ففي القرية يعيش الناس على الزراعة مثلاً، وعلى العمل فيها، أو على أسباب محدودة للعيش، فلا مجال للتنازع، ولا للشعور بالحاجة إلى الرياء والملق. لوضوح استقلال الحياة واكتفائها، فما يكرم الإنسان فيها طمعاً في ماله، ولا يكذب عليه للاحتيال على الزلفى إليه، ولكن يحب لسجايا الخير فيه، أو يخشى جانبه لقوته البدنية مثلاً، وهذا يدعو إلى تحاشي سبيله أكثر مما يدعو إلى تملقه والكذب عليه.

لكن الكذب في المدينة العامرة، ضرورة اجتماعية واقتصادية، تعين على الرواج، وانتعاش حركة التبادل، والإقناع، فلو ساد الصدق فيها، أصيبت مجالات الحركة والنشاط، بركدة، يتضاعف معها الشعور بأعباء الحياة وهمومها.

والكذب دليل فقدان الثقة بنفع الصدق، وهو أكثر الرذائل نسلاً، وأرشقها دخولاً على النفوس، وأوسعها حذقاً.

فالرياء، والتصنع، والغيبة، والخداع، والمكر، والمداهنة، والمداورة، والمصانعة، والنفاق، والغدر، والدهاء… من مواليد الكذب ومركباته.

وقد ضمنت له هذه الكثرة، الشيوع والسيطرة، وضيقت مجال الصدق حتى اعتبر خشونة، وجهامة، وقلة بصر بالحياة وسذاجة.

* * *

والصبر والثبات – على أنهما من الصفات الفاضلة، كانا ضرورة من ضرورات الجهاد للعيش، فما يلجأ الإنسان إليهما إلا وهما ضرورتان، لا رجاء في درك مراده إلا بهما.

وقد يكون معقولاً أن يزهد الإنسان في بث فكرة أو مبدأ أو إقامة حقيقة، متى أضنكه الجهد، وناء به في هذه السبيل.

لكن الإنسان الساعي لقوت يومه، أو إقامة مأواه، أو مطاردة فريسته أو دفع خطر داهم عن نفسه، ما يجد بداً من الصبر والثبات، لأن خيبته هنا لا تقطع عليه لذة فكرية، لا يستحيل العيش بفقدانها، بل تقطع عليه أمل نشاطه، وقوام حياته، ومادة بقائها.

هذا في الأطوار القديمة..

وفي أطوار الارتقاء، يكون الصبر والثبات، ضرورة يمليها قانون التجارب وقانون الرغبة في سداد السعي، والحرص على ألا تفقد النفس مطالبها، وألا تألف الاندحار والخيبة، فتفسد بهما عقيدتها في قوتها ومضانها، أو عقائد الناس فيها.

والأمانة شأنها هذا الشأن أو ما يقاربه.

فقد كانت – على الأرجح – دليل سيطرة القوي، وندرة مثاله، ودليل الثقة باستغنائه عن الطمع في أعراض يكثر مثلها فيما يحرز أو فيما يستطيع.

ولا شك أنها كانت مقصورة على من هيأت لهم قوتهم من امتداد النفوذ بين الجماعة سبيل السلطان عليها، فهي سمة القوي الذي لا تحد حريته وشهواته، إلا قيود قوته وحدودها.

وهي اليوم ضرورة لصيانة السمعة، واستجلاب الثقة والفرق من اختراق حدود القوانين، والاستهداف للمضرة والانهيار، وجرح العزة والشرف.

ونحسب أنه لو حلت الإباحة والإطلاق محل التحريم، والتقييد في قوانين الحياة الوضعية، لكانت الخيانة، واستباحة الحقوق، واحتجان الودائع، أول زلزلة تصاب بها البشرية عامة، إلا من عصم الله، وعصم الإيمان به.

* * *

قسنا الفضائل والرذائل – أو بعضها على الأصح – بهذا المقياس الذي لا تقاس به الأشياء إلا مجردة عارية، مما أضفت عليها خيالات القرون، والأفكار الذهنية والمدرسية.. ونعتقد أنه لم يعد لنا معدى عن الاعتراف بأن الفضائل في مراميها الخفية، أنانية مهذبة، ميزان الربح والخسارة فيها قائم منصوب.

وجملة القول إن معظم الفضائل لا تنتسب إلى أشرف عواطف الإنسان أو غرائزه؛ بل تنتسب إلى أنانيته، وشعوره الخفي بالمصلحة.

ولم يكن حكمنا على الفضائل وتجريدها إلا تقديراً دقيقاً، لأثرها الحقيقي في الحياة، وعلاقاتها بالنفوس.

وقد رأينا أن بعض الرذائل، ألصق بالحياة، وأقرب إلى طبائع النفوس من الفضائل… ويؤلمنا أن تكون المماراة في هذا ضرباً من العبث.

ونحن لا ننكر أن الفضائل في حقيقة معانيها ومطالبها جهاد صادق للسمو بالنفوس إلى آفاق من الحرية والخير، تخرج بها من حدود المادية الجامدة، وترتفع بها عن قوانينها الترابية ولا ندعي أن الإنسان قدير على أن يأتي بأشرف ما فيه من خارج نفسه وطبائعه، ولكنه مطالب بأن يحول ما فيه من نزعات الشر والأنانية إلى أسمى مطالب إدراكه العقلي والوجداني، كما تحول الرياضة العنيفة، لحمه المترهل إلى عضلات قوية.

* * *

وقد حللنا بعض الرذائل التي نسميها معائب عقلية أو طبْعية (كالبخل، والجبن والكبرياء، والأثرة) تحليلاً نخشى أن يؤخذ دليلاً على عقيدتنا في رجحانها على نقائضها، وليس لنا في الحقيقة غرض من هذا التحليل، والمقابلة إلا الإشارة إلى أن هذه الرذائل أو بعضها من سنن العقل والطبائع أو من فرائضهما.

ولنا رأي نخالف به الاصطلاح الشائع في الفضائل والرذائل خلاصته أنا لا نرى صفة من هذه الصفات التي جرينا في هذا الحديث على تسميتها فضائل ورذائل، ما هو خليق بهذه التسمية.

وإنما ندعوها محاسن ومعائب فردية يهبط بها العرف أو يعلو، على وفاق نصيب المتصف بها من القوة والضعف، أو على نصيبها من الشيوع والخمول، وأساسها الأنانية والمصلحة.

أما الفضائل التي نراها خليقة بهذه التسمية، فهي التي نزل بها القرآن ودعا إليها. تلك فضائل، لا يكون للمتصف بها، والمؤمن بقوانينها، نظر إلى مصلحة أو سمعة.. وإن كان شيء من ذلك فالمثوبة عند الله، والزلفى إليه.

فالكرم فيها إحسان إلى مستحقه، ينزل منزلة الحق المفروض له، وخروج من سلطان المادة وحدودها في سبيل الله.

والأمانة مبدأ يعامل الأمين به الناس، كأنه يعامل الله.

والصدق ميزان دقيق، لا يستقر فيه الغش والتدليس، ولا يستقر فيه الحقد والرياء.

والتواضع إنكار للذات وقوّتها، في سبيل إيمانها بقوة الله.

والعفة سمو بالنفس لا تشيل بميزانه خالجة من خوالج الشيطان والهوى. فإذا انحرفت بها نزوة عارضة من نزواتها، لجأت إلى التفكير والتوبة والاعتراف، لتتطهر من إثمها.

وهكذا حتى تكون الفضيلة حياء من الله، تتجنب به مواطن حرماته فلا تأتيها؛ ولو أتاها الناس جميعاً.

* * *

وخير لنا أن نحجم عن تحليل بعض الرذائل (التي ندعوها رذائل روحية) واستجاباتها العصبية الظاهرة، فهي خليقة عندنا بأن تدعى أمراضاً نفسية، أو جسدية، أو عقلية، أو هي مزيج من ثلاثتها.

وإنا لنجد بعض المصابين بأدوائها أصح نظراً إلى الفضيلة، وأصدق في تقديرها، والإيمان العميق بها، من المتشددين فيها لأن ممارسة هذه الرذائل تنتهي بمن يمارسونها إلى ألوان من العناء، والمشقة والمضض، ترهقهم بأعبائها، فهم أصدق نزوعاً إلى التخلص منها، وإن كان الاندحار نصيبهم -في الأكثر- كلما نازعوا نفوسهم على الإفلات من قيودها وأغلالها.

فنزوعهم إلى الفضيلة، وظمؤهم المحرق إليها، أشبه بظمأ السجناء إلى الحرية، والقلق المضطرب إلى الراحة والطمأنينة، والمقاربة بين شعور الإنسان الطليق، وشعور الإنسان المكبوح، بجمال الحرية وفتنتها، تكشف لنا عن شعور المصابين بهذه الرذائل.

وهي عادة عرض أصحابها باليأس من الخلاص، فذاك حيث يتسمون بعدم المبالاة، والاستهتار الظاهر، وهما دلالة اليأس في الشفاء.

فلا غرو أن نرى في بعض المصابين بهذه العاهات النفسية التي نسميها رذائل؛ قبساً خاطفاً من الشعور بهدي الضمير، وصدق التأثر، والإحساس بالوخز والمرارة ولا نراه إلاّ نادراً في نفوس المتمسكين بالفضائل لا تمسك الإيمان الصادق بها، بل تمسك الخوف مما تجر إليه نقائضها وأضدادها، من فقدان أمل، أو مكانة.. وقد يكون تمسك من لا يحس من نفسه النزوع إلى هذه النقائض والأضداد.

ولو أن رجلاً ذابت في عينه ونفسه مغريات الرذيلة، وتزايلت فيه أسباب النزوع إلى متعاتها السانحة، فصدف عنها صدوف الواثق بعجزه أو بعجزها عن إثارة رغبته واشتهائه، لما كان خليقاً بأن تعد فضيلته فضيلة قوة وجهاد في منطق العقل السليم.

فما تكون الفضيلة جديرة بهذه التسمية، إذا كانت إيماناً، حتى تكون غلبة وانتصاراً وقوة وجهاداً لإغراء الرذيلة، وكبحاً لميل النفس المسعورة، وحنينها الملحّ إليها.

* * *

إن كثيراً من الفضائل لا يكون مطلباً خلقياً في البلاد التي تتسع فيها أسباب الكسب، وتتنوع وسائله، ويتكاثف فيها الاجتماع. فالناس في مثل هذه البيئة يتسامحون في طلابها، لأن ضرورات التكاثف وما تستلزمه، من الاتصال والاشتباك واتساع العلائق، تصرفهم عن التماس القوانين الأدبية، فيفهمون الحياة على حقيقتها الواقعة، وينشغلون عن النظرة الشعرية المثالية إليها.

فمتى تكلفت الأنظمة بحماية الحرمات الفردية، وبحماية الحرمات والحقوق، وقام الفرد بواجبه القانوني في صلاته المعينة الحدود بالناس، استوى في القمة، الحليم والأحمق، والعفيف والمستهتر، والكاذب والصادق، والشجاع والجبان، والأناني والإيثاري، ما دامت رذائل إنسان لا تتناول غيره بالأذى والإساءة.

وليس لنا أن نطمع في تحويل تيارات الحياة، فالحياة لا تخرج على قوانينها، ولا تتكيف على ما يطابق ميولنا، وإنما الإنسان يكيف حياته ومطالبه على وفاق ضروراتها.

فهل كان انحراف الناس بإيمانهم بالفضائل، إلى هذه الهمود ضرورة، اقتضاها سير الحياة العامة، وقوانينها؟؟..

إننا نعترف في ألم بهذه الحقيقة.

يقول الأستاذ العقاد: “ليس بحيِّ الضمير من لا يسمع صوت ضميره مرة، على أنه لو وُجد ذلك الرجل بين الناس، لكان كمن يعاملهم بصك يتقيد به من جانبه، ولكنهم هم من جانبهم لا يتقيدون به”.

كم يلقى العقل، وتلقى النفس الشاعرة، في التسليم بهذه الحقيقة من مضض وألم؟. أترانا نريد من الضعفاء والموتورين، والعاجزين والفقراء.. أن يؤلفوا جيشاً أعزل لحماية الفضائل مما جرّت إليه هذه النظرة العامة؟؟..

أم تراه واجب الناشئين الحائرين؟

أم واجب القوانين التي تعرف كيف تعاقب الرذائل، ولا تعرف كيف تناصر الفضائل وتثيبها وتشجعها؟؟..

أم أنه واجب الأقوياء والقادرين، وواجب قادة الأمة وسراتها المتسلطين على مجاري حياتها، والذين حذقوا فن القوة فيها؟؟..

إنما ننهض بالمبادىء والنزعات الطيبة، بالتشجيع والمناصرة والإقبال.

فهل يلقى الخلق الفاضل بيننا التشجيع والمناصرة؟؟..

كم يلقى الصادق، والصريح، والعادل، والأنوف، والصابر، والمستحي، والأمين، والرحيم من المشقات، ومن انزواء الناس عنهم ومن المقاومة الظاهرة والمستورة لخطواتهم؟؟

وكم يلقى الكاذب اللبق، والماكر الختّال، والضارع الشره، والظالم القوي، والجريء الملحف، والطامع المتوقح، والخؤون، ومغلق الحس، من الارتياح إليهم، والاستجابة لفرائضهم، والإعجاب بهم، والرهبة منهم؟؟

أفهذا لأن موازين المحاسن والمقابح قد اختلت قوانينها وتبدلت؟

أم لأن تيارات القوة اختطت لسيرها مجرى أعوج غير مجراها الطبيعي؟

أم لأن الفضائل أدوات زينة، وشارات تجمل، كل شأنها أن تستكمل بها، وبشواهدها المسرودة، معاني الترف والنعمة ومطالب الذوق الناعس، فما تصلها بحياة الإنسان، صلة بسلاحه، وعدته، وأفكاره، وعقائده؟؟

أم لأن النفوس عرفتها حلية زائفة، وزخرفاً براقاً، ووهماً في ألفاظ فهي لا تنزل منها، ومن الألسنة، إلا منزلة الشعر الجميل، والخيال البهيج، تنطلق به مناسباته السانحة في مجالس الطرب والاسترخاء، ثم لا ورود له بعد انقضاء دواعيه، وزوال أسبابه؟؟

أرأيتم كيف يتقلص نفوذ الفضائل في هذا الزمن العجيب الذي اتضحت فيه سبل الحياة وحقائقها، وقلت مساتير النفس وانكشفت مكنوناتها؟

أرأيتم كيف تقلص في عصور عجيبة قبله، امتطت فيها الرذائل، غوارب الفضائل تقودها وتتخذ منها جُنة تُتقى بها المخاطر، وتُدفع قالة السوء، وتسخر الجموع وتُخمد الفورات..؟

* * *

بين جزر هذا الحديث ومده، رأيتم الفضائل التي سميتها محاسن، سلعاً مزجاة يرتفع بها الميزان تارة ويهبط.

ورأيتموها تجارة يراد بها الغنم، وفخاخاً يصاد بها العاجز والغافل، وسلاحاً يغتال به الضعيف، ولهواً تستمد منه اللذة.

ورأيتم فضائل الدين التي بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليتمم بها مكارم الأخلاق – تضحية لا ينظر من ورائها إلى غرور الدنيا، وأعراضها الزائلة.. تضحية لا تضمن للمقدم عليها متعة ولا فائدة.. إلا الزلفى إلى الله، ونِعْمَتْ تجارة لن تبور.. تلك محاسن، وهذه فضائل.

تلك فخاخ يصاد بها حطام الدنيا، أو تسحر أعين الناس.

وهذه وسائل ينال بها رضاء الله، وتُبتغى المثوبة عنده..

تلك محاسن نزل بنا إيماننا بها إلى الحضيض، فكانت شارة ضعفنا.

وهذه فضائل أقامت مبدأ سامياً فتح القلوب والنفوس قبل أن يفتتح المدن والممالك، فما يعجزها والله أن تنهض بهذه الأمة المعروفة التي قعد بها ضعفها وقعدت بها محاسن ومعائب بنيها..

فلنلتمسها، ولنمهد المجال لظهورها.. فهي أمل النجاة، وسبب النهوض وسبيل القوة والظفر.

إن كل فضيلة من فضائل القرآن تضرب المثل الأعلى الكامل للقوة وحريتها فآمنوا بها واطلبوها.

وكل فضيلة من فضائلنا تضرب مثلاً للضعف والتهافت والتمويه، فأعرضوا عنها، وانبذوها.

وليكن الكريم الوهاب محسناً أنوفاً يأبى أن يأخذ بما يعطي شيئاً.

وليكن محسناً بصيراً.. يفرق بين الحسنة الواجبة، والمحمدة الزائفة..

وليكن الشجاع مجاهداً حراً، يغضب للحق، كما يغضب لنفسه، وليكن الصادق أميناً، يقول كلمته في القانون، قبل أن يقولها في المجرم.

وليكن المتواضع صادقاً لا طامعاً.

والصابر مختاراً لا مكرهاً..

والإيثاري زاهداً، لا تاجراً..

* * *

وبعد فهذه حقيقة الفضائل كما تعرفها القوة، لا كما يعرفها الاصطلاح، وما على كل فاضل إلا أن ينزع من فضائله نصيب نفسه الترابي فيها، فإذا هي فضائل القرآن التي تصنع للأفراد الصحائف الذهبية في التاريخ.. والتي تبني الأمم..

ولعل معترضاً يقول: أفلا يقتضي هذا التحول المطلوب، أن تصاغ الحياة صياغة جديدة تنتزع من النفس الإنسانية، أنانيتها، وطبائعها، وتبدل غرائزها وميولها الراسخة؟

ونجيب بأن أصحاب هذه الفضائل، كانوا من أوسع الناس أنانية، وأبعدهم طمعاً وأعمقهم خيالاً.. فما يضحي الفرد منهم بنفسه في سبيل مبدئه إلا وهو يعتقد أن الموت ختام الحياة الذي لا مفر من لقيانه، وأن خلود هذا المبدأ وانتصاره إنما هو خلود نفسه فيه.

وما يخرج من سلطان المادة، إلا وللدنيا عنده معنى من الجمال والحرية – ما تتمتع به النفس إلا إن لقيته بأكبر منه، من داخل نفسها وذات سرائرها.

وما يكبح نفسه عما يشينه في أدل صورها على حب الذات والذهاب بها في أبعد مذاهب الغلبة والسيطرة.

فهذه الفضائل ترمي إلى توسيع مدى القوة والأنانية وطبائع النفس، فتكبر فيها الحياة وتمتد حتى تكون مثلاً أعلى ما تقنع النفس دونه بشيء، ويصغر كل ما في الحياة مما دون هذا المثل، حتى تكون خَطْرَة من خطرات النفس الأناني، الأناني أغلى من ذلك الكل الذي تنزل عنه راضية لمن كانوا دونها أنانية وطمعاً.

وخليق بنا أن نرى الأمل في مثل هذه الفضائل ضرباً من الخيال، لولا أن معارض الحياة اليوم غنية بالشواهد عليها، في أمم لا تعرف أن وراء حدود الحياة الظاهرة، حياة ينتهي إليها الجهاد، وتستقر فيها الموازين، فكيف بمن يرون الحياة الأولى سبيلهم إلى الحياة الكاملة الصحيحة، ومجال سباقهم الذي يعرضون فيه قواهم وأعمالهم للفوز أو للخسران؟

* * *

نحن بسبيل الحديث عن الفضائل، ولسنا بسبيل حصرها، وما نظنها من الخفاء بحيث يكون حصرها ضرورة لازمة..

وللفضائل في رأينا جماع هو الحياء.. والرحمة.. والعدالة.. وقوام هذا الجماع الحياء..

فالحياء قوة النفس، وحرية العقل، وميزان الضمير.

والرحمة عدالة النفس، وجمالها، وحسها.

والعدالة رحمة العقل وبصره وسلطانه.

وسنسهب في تحليل الحياء الذي هو قوام الفضائل، أو قوام جماعها إسهاباً نحرص ألا يقودنا إلى التماس العلاقة بين كل فضيلة من الفضائل وبينه حسبنا أن نجمل الإشارة إلى هذه العلاقة فنقول إن كل صفة فاضلة مردها إحدى ثلاث صفات من جماع الفضائل أولاً، ومردها الحياء أخيراً.

والصلة، هنا ليست صلة الجزء بكله، لكنها صلة الفكر المحس، والوجدان الشاعر، والضمير المبصر، ولقد أقول إن الرحمة جمال، فيأخذ السامع بغرابة هذا القول، لأنه عرف الرحمة معنى، أو شعوراً وعرف الجمال صورة، ولكنه متى عرف أن الصورة للجمال رمز لما وراءه من معانيه وخطراته، وأن الألفاظ إشارات مجملة إلى معان تنزل منزلة اللحم والدم ممن تجول المعاني وراء نفسه، أدرك أن جمال الرحمة هو الجمال في جملته وحقيقة معناه.

المعروف أن الحياء صفة طبعية مظهره الترفع الأدبي المتطرف عن الاستجابة لرغائب النفس، إذا شعرت بأن في هذه الاستجابة ما يشينها، ولو كان مباحاً يأتيه الناس.

والمعروف أيضاً أنها دلالة الحس المرهف، ووضوح الشعور بالنقص، أو ضعف الجهاز العصبي، هذا أو ما يقرب منه في الطب.

* * *

لا توجد بين الفضائل فضيلة، أو بين المزايا مزية، تعرضت لما تعرض له الحياء من الامتحان بسوء النظرة وقصرها، وبالتقدير المختل، والوزن الجزاف. أقصى ما يبلغه من التقدير، أن يدعي شعوراً بالنقص، أو فرقاً من الشماتة والتقصير، في الرجل. وأن يعتبر ضابط العفة، وصمام الأمن في أخلاق المرأة، ودوافعها الطبيعية، حتى بلغ سوء النظرة إليه أن يعتبره بعض الأساتذة المعدودين من المفكرين في مصر كمالاً للأنثى، وعيباً للرجال. وأول ما ينزل إليه، أن يعد دليلاً على ضعف الجهاز العصبي. أما آخر ما ينزل إليه، فأن يعتبر أول خطوات البله والعته، وفتور الحيوية حتى يختلط بالجبن والخور، وقصر الفكر، وفقدان الثقة بالنفس. يتلقى بعضنا عن بعض هذه النظرة الفاشية في مجال الحياء، ونظرة أخرى مبهمة في مجال النشأة الأولى.

* * *

هذا صغير يلتهم الطعام في شره -استحِ

يصرخ من شيء يؤلمه -أو يبكي -استحِ

يتكشف عما يجب عندنا ستره -استحِ

يقلب الأثاث أو يكسر شيئاً -استحِ

يربت على ظهر كلب -استح

هذا في البيت.

في الزقاق:

يضرب الكلب -استح

يضرب رفيقه -استح

يغتصب شيئاً منه -استح.

 

في الكُتَّاب في المدرسة:

يبتسم -استح

تفلت منه ضحكة أو حركة شاذة -استح

يضاحك زميله الكبير أو الصغير -استح

يقصّر في دروسه أو يغيظ الأستاذ -استح

يكذب أو يسب -استح

الصغير يريد بغريزته أن يشعر بوجوده، وبأهميته، ويحب الحركة لأنه ميال بفطرته إلى الحرية، وإلى الشعور بها.

يتناول كل شيء بعينه، فيحب أن يتناوله بيده، وأن يعرفه، وأن يختبره.. الكرسي، الصورة، الصحن، النار، القط.

يقلب الكرسي، يجذب الصورة، يكسر الصحن، يلمس النار، يجر ذيل القط، يخنقه.

هو معتاد ألّا  يشعر بنفسه إلا بهذه الحركات. ومعتاد ألا يثير الاهتمام به، فيمن حوله إلا بهذه الوسيلة.

إذا هدأ وسكن، لم يلتفت إليه أحد، فلا يكون أكثر من قطعة أثاث تأخذ حيزها المحدود في الغرفة.

إذا بكى أو صرخ، أو تحرك، اهتم به الناس.

ينشأ معه هذا الميل إذا كبر قليلاً، فيقابل بزواجر القانون المختزل في كلمة واحدة يندر أن تتغير (استح) في البيت، في الزقاق، في الكتَّاب.

إذاً اللعب، الحركة، البكاء، الضحك، التقصير في الدروس عيب ينافي الحياء.

هذه عقدة عصبية.

عندما يشب.. يرى سمر الكبار، وحديثهم، ومزاحهم، وحريتهم، فيميل إلى المشاركة فيه بحذر وانكماش. (يجلس في طرف المجلس).. زجر.. نظرات قاسية.. استحِ.

يغني وحده، كما يسمع الكبار يفعلون -استحِ.

إذاً التشبه بالكبار حرية محرمة.. تسع الكبار، ولا تسع الصغار.

هذا هو الحياء؟

إنه غير عادل، وغير جميل، لا منطق فيه.

هذه عقدة عصبية.

يظلمه الكبير، أخوه، أخته، أستاذه، زميله.

يشتكي – يبكي – يعلن غيظه – يتحدث صادقاً منفعلاً.

كذاب – أكبر منك – استحِ.

إذاً الصغير عندما يقول الصدق، يكون كاذباً!

وإذاً الظلم من الكبير (القوي) لا ينافي الحياء.

يشعر بالمرارة، يتعلم الحقد، يتحسر على الحرية، يكره حكم الكبار (العدالة) ويسأل نفسه لماذا لا يستحي الكبار عندما يضحكون، ويغنون ويمرحون، ولماذا لا يصدقونه، ولماذا يظلمونه؟

لا جواب:

هناك إنهم أكبر منه (أقوى).

إذاً لا يجب أن يستحي إلا الصغير (الضعيف).

الحياء قانون، ولكنه مفروض عليه وحده.

الحق للكبير دائماً، لأنه قوي، وليس للصغير.. لأنه ضعيف.

الصغير لا حق له.

الحرية -الجمال -الغناء -الضحك -الحق -للكبار دائماً لأنهم أقوياء.

عقدة عصبية..

كنا نقول إن الشعور بالمؤثرات، والمفارقات، في حياة الإنسان القديم، لا يقتضي التسمية.. كذلك هو في حياة الصغير.. معنى وشعور وإدراك.

يكبر، وتكبر هذه العقد العصبية في دمه ونفسه.. كما تكبر عقد عصبية أخرى لها خطورتها على أعصابه، وعلى مستقبله الفكري والنفسي. نشأ عن الكبت وسوء التربية.. وانحطاط البيئة، واختزان مؤثراتها.

وقد تضيع هذه العقد من ذاكرته، ولكنها تبقى في واعيته الخفية، قوة لا شعورية مستورة، ولكنها موجودة تعمل في نفسه وأعصابه، عملها المخيف الهادىء.

في المدرسة..

يتعلم أن الصدق والشجاعة، والكرم، والعفو، والعفة، والرحمة، والصبر، والحلم، وطائفة كبرى من أمثال هذه السجايا.. فضائل واجبة.. وتضرب له الأمثلة، في كتب الدين والأخلاق، والتاريخ، والإنشاء والمطالعة، على هذه الفضائل، وعلى الخير والبر والتقوى.

إن كان ذكياً رأى أستاذه يكذب، ورأى أمه تكذب على أبيه، وأباه يكذب على أمه، ورأى أنه لا ينجو من العقاب المدرسي إلا بالكذب.. ورأى الأستاذ يخاف، ورآه بخيلاً، ورآه لا يرحم، ورآه ضيق الصدر، ورآه عفيفاً في الظاهر فقط..

التلاميذ يعرفون أسرار أساتذتهم ويكتشفون هناتهم ونقائصهم أكثر مما يعرفها الرجال.

وإن كان ساذجاً انفعلت نفسه وأفكاره بما يتلقى.. فأخذ نفسه ببعض الفضائل أخذاً، حتى يرى نفسه شيئاً شاذاً لا ينطبق على ما حوله.

يتطلعان إلى الحياة، الأول في ذكاء وخبث، والثاني في خجل، وحيرة، وتردد وانكسار.

وينشط كلاهما بالتدريج، ولكن نشاطاً حيوانياً خطراً.

الكبار يتمتعون بحريتهم، وأفكارهم، وألسنتهم الطليقة، الشاب يقلدهم.

تتكشف له الحياة عما يمارسون.. يراهم يقولون شيئاً.. ويفعلون ضده.. يستحون في الظاهر، ولا يستحون في الباطن، يخافون القانون.. ولا يخافون ضمائرهم، وقوانينهم الأدبية (الفضائل).

هذه عقدة عصبية..

يرى خطيباً يخطب ويتلعثم.

يقول في نفسه، هو لا يحسن الخطابة.

يسمع الناس يقولون.. يستحي!

يدخل إلى مجلس غاص فيرتعد، يعرق. يبتسم الناس، ويسألون لماذا تستحي؟ يسمعهم يقولون: فلان يستحي كالنساء.

يرى الذين لا يستحون يتصدرون المجالس، والذين يتوقحون، يسيطرون عليها ولو سيطرة ظاهرة، ويضحك الناس لهم تشجيعاً.

إذاً فالحياء ضعف، كلما قل تأثيره في النفس، كان الإنسان قوياً..

هذه عقدة عصبية خطرة.

* * *

في كل ما سقناه من كلام على الحياء اضطراب واضح، فينبغي أن نستخلص حقيقة النظرة العامة إليه.

كان معنى الحياء في تربية البيت الأولى، وفي تربية الزقاق والمدرسة، أنه قوة تحاول أن تجعل الإنسان متسقاً، مؤدباً، فلا يلتهم الطعام، ولا يصرخ من الألم، ولا يسب نِدَّه أو يعابثه، ولا يضرب الكلب لأنه ضعيف. ولا يغتصب شيئاً ليس له، ولا يذهب بحريته مذهباً يزعج غيره، ومعناه أن يكبح نفسه، ويضبط قيادها، ويتعالى بها عن مواطن الرَّيب والظِنّة.

ألّا يقصر في الدرس، ألا يكذب، أو يثير الأستاذ، وأن يؤمن بالفضائل.

معنى الحياء إذاً تربية وقانون..

وهو قانون معقول، ولكنه فقد العدالة، ولم يوزعها بين الكبار والصغار، فأصبح مراً..

الإنسان القديم كان يقارن ويستنتج.

فالإنسان الجديد أكثر مقارنة، وأدق استنتاجاً.. لذلك تكون عقدة العصبية أشد خطورة.

* * *

عندما ينتهي البيت من مهمته، والزقاق من مهمته، وانتهت المدرسة من مهمتها.. صارت القيادة للتربية الاجتماعية.. للقدوة.. للممثلة.. للحوادث.. للواقع المخيف.. للعقد العصبية.

في الواقع المخيف.. كان الحياء صفة، لا تشرف صاحبها، وصفة يجب الاستغناء عنها لمن يريد أن يكون قوياً، يتمتع بمزايا حريته، ويتمتع بإعجاب الناس وتقديرهم، وكان صفة تؤخر.. ولا تقدم.

يتوقح الشاب لأن الناس يتوقحون.. ولأن الوقاحة فيما رأى وسمع واستنتج قوة، يأخذ في هذا السبيل.. ينشأ لا يعرف الرحمة بالناس. لأن الناس لا يعرفون الرحمة به، ولأنه لم يعرف الرحمة بنفسه.

وينشأ لا يعرف الجمال والاتساق والاعتدال والتوازن.. لأنه لم يكن حراً.. وينشأ منكراً للعدالة، لأنه عرف أن الحق للقوة، ولأنه كان في كل أدواره مهضوماً..

ويكون أخيراً بلا ضمير..

الفرد مرآة الأمة.. تنعكس عليها الصور العامة لها.

والأمة مرآة الفرد في أول نشأته.. وهي مثاله الذي ينشأ عليه.

إذا رأى شجاعة نشأ شجاعاً.

إذا رأى قوة نشأ قوياً.

إذا رأى فضيلة نشأ فاضلاً.

إذا رأى رحمة وصدقاً وعدالة واتساقاً، نشأ رحيماً صادقاً عادلاً متسقاً.

لكنه إذا رأى في هذه الأمة.. غير ما قرأ في المدرسة.. لم يكفه أن يكون كأخيه العامي المغلق، إنما ينقلب مجرماً خطراً سيأتيكم الحديث عنه.

يرى الفضائل تجارة وخداعاً، وزواجر ليست لها قوة القوانين المسلحة، فيتاجر، ويخدع، ولا يخاف إلا القانون..

المجرم أيضاً هكذا – لا يخاف إلا القانون!

القوانين لا تربي الأمم.. ولا تربي الأخلاق.. ولا تبني الحياة.

المدارس تعلم الأخلاق.. ولكنها لا تصنع رجالاً فضلاء.

العقوبات ترد الناس عن الرذائل والنقائص ظاهراً، ولكنها لا تردُّهم عنها باطناً، فهي لا تربي الأخلاق، ولا تبني الحياة.

إنما تربيها وتبنيها تربية البيت الأول، وتربية الزقاق الأولى، إذا استحالتا إلى مشاعر وعقد عصبية.. وإنما تربيها المدرسة بالقدوة الصحيحة لا الفاسدة وتربيها الحياة الاجتماعية بصداها الفاضل.

وتربية البيت مثله الصحيحة وحريته الفاضلة، لا زواجره.

وتربية الزقاق، أن يكون زقاقاً فاضلاً.

وتربية المدرسة، أن تكون عملاً وإدراكاً وممارسة، لا آلية فكرية، وقواعد وترديداً..

وتربية الحياة الاجتماعية، أن تكون أفعالاً صالحة تطابق الأقوال.

هذه كلمتنا في الحياء.. كما يعرفه الناشىء تدريجاً.

وهذه كلمتنا في الحياء.. كما يفهمه الناس.. والأطباء..

الناشىء معذور في مجافاة الحياء.. لأنه الضعف، ولأنه الشذوذ الذي عرفته عقده.

والناس معذورون في مجافاته لأنهم لا يعرفون عنه إلا ما عرفته عقدهم العصبية، وإلا ما تعرفه حياتهم العامة.. وسبيلها العوجاء.

والطب معذور لأنه يرى الحياء مظهر ضعف، باطن أو ظاهر في الجسم..

وهكذا تتضافر على هدم هذه الفضيلة التي قادت الإنسان الأول، فطرته إليها، في معنى من معانيها وهو الرحمة.

وهكذا يفقد الميزان الذي هو جماع الفضائل الصحيحة، أولى كفتيه، فيصير الحياء ضعفاً.. وهو القوة..

وهكذا تفقد الفضائل قوامها.

فهل هذه حقيقة الحياء؟

كلا! فالحياء قوة.. وقوة حرة في أروع المظاهر.. قوة فيها الرحمة التي هي الجمال.. وفيها العدالة التي هي الحق.

أنا إنسان مهذب ذكي، لبق، واسع الإدراك والخيال!

هل يكون نصيبي من الشهوات نصيب الرجل العاري من هذه الصفات؟ كلا!

أنا أحب فأجعل من هذا الحب دنيا تطيف بها ملايين المعاني والألوان والشهوات.. والأهواء..

وهو يحب حباً جنسياً محدوداً..

أنا أتمنى ألوف الأماني، وأحمل ألوف الأطماع، وتجول في رأسي غرائب الأحلام.

وهو يتمنى أن يأكل، وأن ينتهج أضيق سبل الحياة (فكراً وجسداً) هذه سعادته لأنه لا يعرف كثيراً ولا يشعر – الضروري عنده كل شيء..

أنا أعرف كيف أؤثر، وأخدع، وأمثل، وأصل إلى أغراضي من السبل الآمنة، ومن السبل الخفية، التي لا تثير الشبهة.. وأعرف كيف أبتسم لمن أبغضه بسمة الحب العميق، والصديق الخالص، لأضربه الضربة القاضية..

وهو لا يعرف من هذا شيئاً، وإن عرف ففي أضيق الحدود وأبسطها، وأوضحها للعيان.

جرائم المتعلم الحاذق إذاً، أروع من جرائم الجاهل الساذج.

كان الناس يتحاربون بالسيوف والأجساد، صاروا يتحاربون بالغازات الخانقة تزهق الأرواح بلا عناء ويتحاربون بما يشبه السحر.

كانوا يتحاربون على سطح الأرض، صاروا يتحاربون في أعماق البحار، وفي أجواء الفضاء.

كانوا يفتتحون المدن بالقوة، صاروا يفتتحونها، ويفتتحون النفوس، والأفكار بتسميم عقائدها (بالدعاية).

كانت الحرب حرب أجساد، صارت حرب أعصاب، وعقول، وأفكار.

ليس هذا هو الفارق بين الأمس واليوم.

إنما هو الفارق بين إنسان الأمس، وإنسان اليوم.

والناس في الأمس لم يكونوا سواء.. وهم اليوم ليسوا سواء..

أنا ذكي. أنت فطري.

أنا ذكي وعاقل. أنت ذكي فقط.

أنا ذكي وعاقل وعالم. أنت ذكي وعاقل فقط.

وهكذا!

تقدم الذكاء، والعقل والعلم.. هزم القوانين المسلحة وهزأ بها، لأنه أقوى منها.

المحاكم غاصة بقضايا الجرائم. السجون غاصة بالسجناء. دوائر الشرطة تتصبب عرقاً في علاج الحوادث وتتبعها وضبطها.

هذه حرب طاحنة بين القوانين المسلحة، والجمعية البشرية! ولكن ما حصادها؟.. حصادها الضعيف الأقل ذكاء. الأقل علماً..

لا نرى في السجون الأذكياء، ولا العقلاء، ولا الفضلاء.. ولا العلماء ولا الوجهاء. ولا الأغنياء.

بل نرى الفقراء والضعفاء.. والأغبياء.. والجهلاء – دائماً. هذه نظرة غريبة – أيها السادة – (قد تضحككم -وهذا يسرني).

ولعلكم جميعاً تودون أن تقولوا في استنكار عنيف، هذا طبيعي معقول، فما تمتلىء السجون بعلية الناس، بل بسفلتهم.

نعم، هذا طبيعي ومعقول! ولكني لست مخطئاً.

النسيان ليس عيباً، فما يعيبكم أن تنسوا.

نسيتم أن المهذب، الذكي، اللبق، واسع الإدراك، والخيال، الذي مثلت له بنفسي.. هو مجرم أيضاً، بل هو المجرم الخطر.. لأنه أذكى، وأوسع إدراكاً وخيالاً، وأبعد مطالب ومطامع، وأحدَّ شهوات.. هو المجرم الخطر.. ولكنه قوي.. أقوى من المجرم الذي يضرب رجلاً بسكين لنزاع بسيط يقوم بينهما.. ومن المجرم الذي يأكل ويعيش. أقوى من المجرم الذي يسكر ويترنح في الطريق على أعين الناس، وعين القانون ومن المجرم الذي يزني، ولا يحذق فن التستر، فيقع!

المجرم الضعيف الفقير، الأقل ذكاء وحذقاً، يقتنصه القانون بسهولة أو بصعوبة.

والمجرم الذكي القوي الذي يعرف كيف يضلل القانون، ولا يقتنصه القانون – هذه هي الحقيقة عارية مجردة!

وأظن أن الفكرة وضحت قليلاً الآن..

إن متاعب الإنسانية بأعباء الرذائل والجريمة، ليست هي المتاعب التي يسببها المجرم الساذج الغبي الذي يقتنصه القانون بسهولة أو بصعوبة، بل هي المتاعب التي يسببها المجرم الذكي المهذب اللبق، واسع الإدراك والخيال، الذي سميّته أنا..

والذي لا يقتنصه القانون إلا نادراً جداً، لأنه، لا يترك وراءه أثراً.. هو عقدة العقد، وسبب متاعب الأمة التي يكون بينها، وسبب انهيار الأخلاق فيها:

بل هو الذي لا تقوم للأخلاق قائمة إلا إذا اقتنص! هو الذي يتصدر المجالس، ويقود الأفكار، ويسحر العيون، ويخدر النفوس.. وينفق المال سخياً، ويشترك في الأندية والجمعيات، ويساهم في وضع القوانين، ويكتب في الصحف، وينظم الشعر، ويعظ ويتولى تربية الناشئين، ولا يترك وراءه دائماً إلا آثار الجد والرصانة والسلوك الموزون، والسمعة الطيبة.

معنى هذا أن السجون ستمتلىء، وأن الناس كلهم إلا السذج البلهاء مجرمون هكذا تقولون في نفوسكم!

أما أنا فأقول كلا، وستقولونها بعدي!

معنى هذا أن القوانين لا تربي الأخلاق، ولا تبني الأمة.. ولا تقتنص المجرم الخطر. إنما يربيها ويبنيها، ويقتنص مجرمها الخطر، الحياء، لأنه أقوى أو لأنه القوة..

الحياء الذي جهلناه، وأضعنا أثره، فحسبناه ضعفاً نتنكر له، وننتزعه انتزاعاً من دماء أبنائنا وناشئتنا، وهو قانون الفطرة الإنسانية، وقانون قوتها المطلقة.

الحياء الذي هو القوّة والرحمة والعدالة.

اعرفوه وأصيخوا لندائه، فهو الذي يبني الحياة الفاضلة لأنه قانون ديننا.. وقانون إنسانيتنا.

هو موجود في دمائنا.. هو العقدة العصبية القوية التي ما تهزمها العقد العصبية إلا إذا تحولت إلى مسلك عام.. تؤازره الحياة الظاهرة، والحياة المستورة.

يرى المجرم الخطر الذي سميته (أنا) تاجراً ساذجاً، أو رجلاً غبياً، يمكن أن يفترسه، ويختلس ماله على عين القانون، فيستحي برده ضميره الذي هو الحياء..

يرى السرقة سهلة ميسورة من سبيل الربا الذي لا يعاقب عليه القانون إذا كان في ظاهره اتفاقاً تجارياً، أو قرضاً إحسانياً، يسجله القانون نفسه.. فيستحي.

تنازعه نفسه ألّا  يصوم، لا يصلي، وفي وسعه أن يفعل، لأنه يعرف كيف يتستر ويخدع الناس بالصلاة أمامهم وبالتحدث عن إيمانه، فيستحي.

يستحي أن يكون إيمانه بالناس، أكثر من إيمانه بمعبوده، وبفرائض دينه.

يرى الضعيف الجائع لا يفرض له القانون على الناس شيئاً، ولكن يفرض عليه ألا يسرق، ألا تمتد يده إلى أردية الناس، فيتألم ويستحي.

يرى أنه يتمتع بمنصب مرموق، يكون فيه وسيلة لاستغلال الضعفاء، والعبث بحقوقهم، فيستحي ويتنحى.

يرى العامي الذي لا يعرف شيئاً في الحياة إلا سبيل طعامه، يراه إنساناً قديماً آبداً لا يحسن الكلام، ولا يحسن الفهم ولا يحذق الأساليب المهذبة، فيقول هذا ليس ذنبه، ويستحي.

يرى الشاب الناشىء الضعيف. يتعلق بأسباب العيش فتخذله، ولا من يأخذه بيده فيستحي ويرق.

يرى الغلام الهزيل، تكدح عليه أمه الفانية، أو يكدح عليه أبوه المضعوف. يراه يذهب هدراً، فيتذكر ولده المتعلم المتنعم المترف، فيستحي ويعطف.

يرى المرأة العجوز، والرجل الهرم، أقعدهما كلال السن، والحاجة. يراهما يدبان على الأرض يتلمسان العون من أبنائهما.. فيستحي.

يرى الفتاة تدفعها الحاجة القاسية دفعاً إلى حيث تساوم على قوتها بعفافها فيتذكر ابنته، أو أخته، فيستحي..

يرى اليتيم الذي يعيش بين إخوانه الآدميين، وكأنه ليس منهم، فيستحي.

يرى المرأة الغريرة يستطيع أن يضع لها حبائل الشيطان في حبائله. يراها مأخوذة به، وما بينها وبينه، إلا أن يقبل عليها بعينه، فيستحي. يرى هذه القروح الدامية في وجه أمته، فيحسها قروحاً دامية في ضميره، وقروحاً دامية في نفسه، وقروحاً دامية في عقله، فيستحي. ألا يكون رجلاً يقوده ضميره، وتقوده نفسه، ويقوده عقله إلى العمل والبر والإحسان، صامتاً.

يرى أن أمته لا تكون أمة، ما دام جسدها العام يسيل بالقروح الدامية فيستحي ألاّ يعمل شيئاً.

ويراها نكرة بين الأمم يعصف بها الضعف والجهل، وما هو شر من الضعف والجهل، فتثور به نفسه تطلب لها العلم والقوة والعلو والتمكين.. ويستحي.

يرى أن ثروته ليست من صنع يده، بل من صنع الله الذي أعانه وجعله عضواً حياً في جسم أمته، ويراها من صنع هذه الأمة، ومن صميم متاعب أبنائها وكدحهم، ومن صميم حياتهم الجاهدة، ويرى أنه حجر في هذا البنيان الذي لا يكون قائماً إلا بأن يشد بعضه بعضاً فيستحي أن يقول “ثروتي -حقي” ويستحي ألا يفعل شيئاً للأمة التي كونته وكونت حقه.

يستحي أن يكون التراب أعدل وأرحم منه.

يستحي أن يكون التراب رحيماً يريح الفقير، والجائع ويضم العاري والمنكوب والضعيف، وعادلاً يساوي بين عيال الله فقيرهم وغنيهم، وضعيفهم وقويهم. ألا يكون هو رحيماً عادلاً.

يستحي أن يرى المرأة، أو يرى الرجل، يغالب كلاهما الحاجة، ويتعفف، ويتحمل الصبر، فلا تبضُّ له بقطرة حتى يقول، أو حتى يسأل، أو حتى يشكو أو حتى يصرخ، أو حتى يسقط إعياء.. يستحي ألا يسمع ضميره إلا الأهوال وألا يرى قلبه إلا الدم.

هذا هو القانون الذي يقتنص المجرم الخطر.. ويجعله رجلاً.. وفاضلاً..

وهو القانون الذي يقفل السجون، ويخفف عن الأمة أعباءها، ويطلق سراح الأغنياء، والجهلاء، والضعفاء، والفقراء (المجرمين المساكين الذين يقتنصهم القانون بسهولة).

هذا هو الحياء.. الذي هو القوة.

افتحوا عليكم بصائركم، تفتحوها على القوة التي هي من قوة الله.. من قوة شريعته.. ومن قوة فطرته.

ومن قوة الأنانية الفاضلة، ومن قوة الضمير الذي هو النفس اللوّامة، التي أقسم الله بها في كتابه!..

هذا هو الحياء الذي تنطوي فيه الرحمة، وتنطوي فيه العدالة..

هذه هي القوة التي لم تكن رسالة الدين الإسلامي إلا محاولة، حكيمة جادة لتربيتها في نفوس المسلمين.

أرادتها تربية، ولم تردها فرضاً.

كانت في حياة محمد صلى الله عليه وسلم، تضحية صادقة إلى آخر حدود طاقة النفس الإنسانية واحتمالها.

كانت حياء يدفع الناس ألا ينهزموا في مواطن الجهاد.. أمام الكثرة، وأمام الموت المحقق.

كانت حياء لا يترك، الغني يأكل، حتى يشبع الضعيف.

وكانت مثلاً أعلى. تضر به قطعة من لحم، كما تضر به قافلة ضخمة يجلبها عثمان للتجارة، فينفقها للحياء..

قطعة من لحم تطوف على بيوت الأنصار والمهاجرين مطافها الطويل حتى تعود إلى مهدها الأول.. وكانت مثلاً تضر به شربة ماء يدفعها جريح يعالج سكرات الموت، يستحي أن يشرب وهو يسمع أنين أخيه الجريح فيقول حياؤه، ربما كان أحوج إليها مني، فتدور فيدفعها جريح إلى جريح حتى تعود إلى دافعها فإذا هو قد مات.. وإذا هم قد ماتوا..

هذا ما أراده القرآن.. فكان.. وما يريد القرآن مستحيلاً.. إنما يريد الممكن. وهذا هو الحياء الذي تنطوي فيه الرحمة بجمالها المطلق؛ وتنطوي فيه العدالة بحقها المطلق، لأنه القوة المطلقة.

القانون الذي تحول في دمائنا إلى زواجر لا شعورية، وإلى مشاعر مغلفة، وإلى عقد عصبية سامية، مات مفهومها، وبقيت قوة لكنها غامضة مبهمة، وقانوناً لكنه أعمى، ومبدأ لكنه منكور.!

تجري به كلمة “استح” غامضة مبهمة، متحيرة، ضالة، لا تعرف سبيلها القويم تارة تصيبه وتارات تخطئه. في البيت، في الزقاق، في المدرسة، وعلى لسان الأب والأم، والأخ والأخت، والرفيق، والأستاذ، والرجل العابر!

وعلى لسان البنت الخفرة التي ما تحس عرفاً ولا نكراً، تقولها بدمها الطافر إلى وجهها المحتقن، حمرة قانية تفاجىء طبيعتها، بشيء تنكره طبيعتها -استحي.

ألا ما أحبها كلمة، ولو كانت غريبة بيننا، ولو كانت مجهولة، ولو كانت مجفوة، ولو كانت بلا مدلول.. أو كان مدلولها حائراً ما يهتدي..

هي بقية تراثنا، وقوّتنا، الذي ما فقدناه في دمائنا بعد أن فقدنا كل شيء.

ذخيرتنا فاعرفوها.. اعرفوها.. ولو لم تعملوا بها.. ورددوها..

فالمعرفة أساس الإيمان..

والتكرار وسيلة الإقناع..

اجعلوها في البيت قوة تعرف سبيلها.

وفي المدرسة معرفة لا زجراً.

وفي الحياة مبدأ وعقيدة وسلاحاً.. لا لعبة..

أيها الخطيب الذي يضلل الضمائر، ويقول ما لا يعتقد – استح.

أيها المتحدث الذي يخدع أخاه، بما يضمر ضده – استح.

أيها البائع الذي يروج سلعته، بالزيف والتمويه – استح.

أيها الكاتب الذي يئد الحق والجمال والقوة ليظهر -استح.

أيها الشاعر الذي يصنع الكذب والباطل والملق في شعره، فيسجل به عاراً على أمته – استح.

أيها الفاضل الذي يتاجر بفضيلته.. ليقيد بها مالاً وسمعة وجاهاً – استح.

أيها الكريم الذي يقيم المآدب، ينفق عليها المئات، في مآتم أمته – استح.

أيها المتعلم الذي يحتقر الأمي والعامي. ليس هذا ذنبهما – فاستح.

أيها المتكبر الذي يتنكر للضعف والفقر، ويبصبص للقوة والنفوذ – استح.

أيها الشاب الذي يمتهن الشيوخ.. كان الإنسان القديم يحترمهم – فاستح.

أيها الطبيب الذي يعرف لغة المال والجاه، ولا يعرف لغة الحياء والضمير – استح.

أيها الوطني الكاذب الذي يتنكب سبل الجهاد، ويروغ من التضحية الصادقة، فيجعلها فلسفة تتعلق بالممكن، وغير الممكن – استحِ.

أيها الوطني الصادق، إن أعجزك الجهاد لأنك ضعيف، أو لأنك فقير، فجهادك أن تأخذ بيد الضعيف تواسيه، وبيد الحائر تهديه، وبيد المصاب تعزيه، وبيد الجاهل تعرفه ما يجهل، وبيد العاثر تنهضه.. وجهادك أن تنفخ في الضمائر حتى تحيا.. فإذا ابتليت بما يبتلى به المجاهد المضعوف، من سخر يلذعك، أو غمزة تجرح كرامة نفسك، فقام في رأسك أن هذا واجب الجميع، لا واجبك وحدك – فاستح.

أيها الرجل الذي لا يرى في المرأة إلا الجسد هي الأم التي تلد الحياء.. والرحمة.. والعدالة.. والأم التي تلد الرجال، لو اصطنعت على ما يهيؤها لهذا – فاستحِ.

أيها الأب الذي يكفيه من حبه لابنه أن يبنيه ليعيش لا ليحيا وأن يبنيه لنفسه ولأسرته، ولا يبنيه للخير ولأمته – استحِ.

أيها الشاب الذي يتطرى ويذوب حتى يفقد رجولته، اللغد نعت الإناث استحِ.

أيها الأديب الذي يظن أن ما وهبه الله من إدراك ويقظة، حقه لا حق الأمة عليه، ولا أمانتها عنده. الأدب نصيبك من الجهاد فاصدع به، وتصبب عرقاً، للأمة التي ما بلغت بك الرشد على ضعفها، حتى تصببت عرقاً، كن لنفسك قليلاً.. ولها كثيراً.. واستحِ.

أيها الرجل الذي يسمم عقائد الناشئين وأفكارهم بأفعاله، وأقواله، هذا عماد قوة الأمة في مستقبلها – فاستحِ.

أيها الوطني. أنت رجل لا ينسى قضية نفسه وأسرته، فلا تنسَ  قضية أمتك ووطنك. اشتغل بها في نفسك، حتى تكون عقدة عصبية، يرثها ابنك وبنتك – فإذا كانا صغيرين، ولقيا رجلاً يضحك في مأتم أمته، طفر الدم إلى وجناتهما حمرة قانية، وصرخا به – استحِ.

أيها الوطني: لا تحقد على الضعيف إذا كنت قوياً، ولا تحقد على الضعيف إذا كنت ضعيفاً. هو في الأولى دونك، وفي الثانية ندك.. أنتما قوة فحذار أن تضيع بالانقسام.. كان ابنك الصغير، يضرب الكلب الصغير، فتقول له استحِ.

وكان يضرب نده، فتقول له استحِ.. فاستح أنت من ضعيف يكون دونك، ومن ضعيف يكون مثلك.. واحقد ما استطعت على القوي المتكبر، وعلى القوي الظالم.. احقد حتى تكون قوياً فاضلاً، يأخذ حقه فيعدل، أو يأخذ حقه فيرحم.

أيها الوطني.. المسلمون أمناء بعض.. بنتي وابني أمانة في يدك وبنتك وابنك أمانة في يدي، فافعل بأمانتي ما تريد أن أفعل بأمانتك.

وأيها الوطني الذي ليست له أمانة.. لا تكن مجرماً..

إن كنت عقيماً ففي الأمة يتامى.. فيها بنات يفسدن.. وأولاد يفسدون. يفسدهم الفقر والضعف، وتصلحهم التربية والإحسان. التبني سنة نبيك، فاجعله فرض حيائك..

وإن كنت أعزب، فما أقول لك تزوج، فإني أعرف أن الزواج امتحان عنيف للضمير وللرجولة وللطاقة. امتحان قد لا تستطيع احتماله قوتك.. لأن الناس جعلوه تجارة فما أقول لك تزوج ولكني أقول لك استحِ.

إن كنت مريضاً مرضاً معدياً.. فلا تتزوج، ولا تكن مجرماً.. واستحِ.

إن كنت بحاجة إلى خادم، ولست بحاجة إلى زوجة فاستحِ.

إن كنت لا تعرف في المرأة إلا لغة جسدها، ولغة شهوتك فاستحِ.

إن كنت لا تستطيع أن تعول زوجتك وتربي ولدك، وتؤدي به أمانة أمتك وأمانة وطنك فاستحِ.

أيها الأب.. أيها الأخ.. أيها الوالي!

إن كنت لا تريد لفتاتك إلا الفتى ولو لم يكن رجلاً.. فاستحِ.

إن كنت تبيعها لمن يدفع الثمن الذي تحدده فوراً، ويحقق الشرائط التي تفرضها.. ولو كان مريضاً.. ولو كان طاعناً في السن.. فاستحِ.

إذا تقدم إليك الرجل.. ووقع في نفسك أنه الرجل، فادفعها إليه دفعاً. لا تضع في سبيله عراقيل المهر الضخم، والمآدب الفخمة، والنفقة المسرفة دع ما في يده، يستعن به على حياته، وحياة فتاتك وأعنهما ما استطعت. المهر للتحليل، فلا تجعلوه تهويلاً.. إن الله يكره الإسراف.. ويكره الغلو.. والشيطان هذه فِخاخه.. يصطاد بها بناتنا وأبناءنا.. الزواج ضرورة الحياة.. وفريضة الدين.. فرائض الله، تؤدى على التراب، وينوب فيها شيء عن شيء، ينوب فيها الصعيد عن الماء.. والإيماء عن الأداء.. وتقوم فيها النية الطيبة مقام العمل الصالح..

هذه فرائض الله لا غلو فيها..

فلماذا نجعل الزواج تجارة.. تتم بها الغلبة علينا للشيطان.. أيها الأب، أيها الأخ، أيها الولي، إذا كنت على شيء مما تتم به الغلبة للشيطان.. فاستغفر الله واستحِ..

أيها الوطني الذي تدمع عيناه للعظة لا يدمع لها ضميره – استحِ.

أيها الوطني الذي يدمع للعظة ضميره، ولا يفعل شيئاً.. استحِ.

أيها الوطني الذي لا يفرق بين كلمة الحق يرسلها الضمير ناراً، وكلمة الحق يرسلها اللسان لهواً استحِ.

أيها الوطني الذي يسمع بأذنه، ويرى بعينه، ولا يسمع بضميره، ويرى بحيائه -استحِ.

أيها الوطني إذا هممت أن تؤذي ضعيفاً خرق قانونك، أو قصر.. فاذكر من يعول.. واذكر أن الفقر يعلم الناس العثار.. استح!

أيتها المدْرَسة التي تدفع إلى الحياة شباباً حائراً لا يعرف سبيله في الحياة -استح.

أيتها المدرَسة التي تخرج متعلمين، لا مؤمنين، وقوالين، لا فعالين، وتخرج ذكاء، ولا تخرج حياء، وتخرج أجساداً، ولا تخرج رجولة وقوة وطنية – استح.

وأيتها الأمة التي لا تبني مدرسة تصنع الرجال الأقوياء يقيمون مجد الوطن – استح.

وأيها المتعلم المترفع عن غشيان معترك الحياة، كما يغشاه الأمي والعامي، يعمل كلاهما بنفسه، وبيده، وبجسمه، العمل شرف وقوة ورجولة فاستحِ.

ما نظننا الآن وقد طال بنا الحديث، بحاجة إلى تحليل الرحمة والعدالة.. بعد تحليلنا الحياء الذي هو القوة.

الحياء والرحمة والعدالة، تنطوي معانيها في معانيها فتكون المعنى الأسمى، كما تنطوي أجزاء الجمال في أجزائه، فتكون الجمال.

ونجمل لكم القول في معنى الحياء.. الذي هو القوة.. والذي هو قوام الفضائل..

معنى الحياء في الرجل أنه الرجل الذي لا يقتنصه القانون، ولا تقتنصه القوة ولكن يقتنصه ضميره ويغلبه حياؤه..

ومعناه في المرأة أنها المرأة تهزم الشيطان، وتطرد المجرم الخطر، وتجعل من جسدها حرماً لا يتدنس وفيها حياة.. ما دامت لها طاقة!

فإن كانت جاهلة، أو محتاجة، أو ضعيفة، فذلك ذنب الأمة التي لا يكون فيها رجال – وإن كانت طائشة، بها مس من طبيعة الشيطان فيها، فذلك ذنب الرجل الذي يراها جسداً.. فتنقلب به حيواناً بقرنين.. وبنفسها حيوان لا يستحي.

فليكن الحياء، شعار الضمائر في هذه الأمة، وشعار حياتنا، وشعار الفضائل فيها..

وليكن أساس تربية المنزل والزقاق، والمدرسة والحياة..

عودوا الآن إلى كلمة الأستاذ العقاد “ليس بحي الضمير من لا يسمع صوت ضميره مرة” واجعلوها: ليس رجلاً ذا ضمير، من لا يسمع صوت حيائه دائماً.

قال محمد صلى الله عليه وسلم: الحياء والإيمان مقرونان فإذا سلب أحدهما تبعه الآخر. وقال: لكل دين خلق. وخلق الإسلام الحياء. وقال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

خاطبنا الضمائر والنفوس هذا الخطاب الشعري الذي نرجو أن يكون مؤثراً وأن يكون تفصيلاً لنظرتنا إلى الحياء، وعلينا الآن أن نسأل كيف نستفيد من هذه القوة المذخورة في دمائنا، وكيف نجعلها أساساً نبني عليه تربيتنا الفاضلة؟

وهذا في الواقع لبُّ الحديث وخلاصته، والنقطة التي يجب أن تبقى مداراً لجهاد أقلام قوية من أدبائنا وشعرائنا، ومثاراً للتوليد، والقول، والتفكير الدائم.

وقد طال القول، وهذا ما يدفعنا إلى اقتضابه حتى تحين فرصة لدراسات خاصة، تعطي حكم الاستقلال والتفرغ.

لا تحيا أمة إلا بالتربية الصالحة، وما نراه من الفروق بين الأمم الناهضة إنما مردّه تفاوت أساليبها في التربية.

وقد تماثل أمة أمة في قوتها الظاهرة، ولكن الغلبة تكون دائماً لأقواهما خلقاً.

وتفوّق السياسة الإنجليزية ليس مردّه القوة الحربية، ولا امتياز الذكاء والإدراك، ولا قوة النفوذ، وامتداد السلطة وارتفاع ميزان الثروة، لأن هذه النتائج ضمنتها قوة الخلق في الفرد الإنكليزي.

ولقد كانت فرنسا، وما تزال أقوى ذهنية، وأحد شعوراً، ولكن اتجاه المزاج الإفرنسي، كنتيجة لأسلوب التربية الغالب في فرنسا جعل الفرنسي، دون الإنجليزي، في متانة الخلق، وصدق الاتجاه، وقوة العزيمة، وضبط النفس.

والإجماع عام على أن أية نهضة لا تقوم على قوة خلقية في أمة، إنما تكون نهضة مقضياً عليها بالانهيار والتحير..

واتجاه الأمم في إطلاق الحرية لتربية الطفل، واتخاذها سياسة لا تنزل المنزلة الثانية من سياسة الشعب العامة، دليل على صحة هذا القول..

فالطفل في البلاد الناهضة حقاً، يعتبر رجلاً صغيراً بين أهله، يعامل معاملة الرجل، ويعطى مميزاته، ومطالبه، وهو عضو في الأسرة، له محله الخاص، وعلى المائدة موضعه الخاص، وحريته التامة، لا يكتم عنه شئ، ولا يلزم باتباع أساليب وآداب لا يتبعها الكبار أنفسهم.. ولا يقسر على اتباع، ما يعرف أن السير عليه في مستقبله غير ممكن، فإذا قصد الأهل دور السينما، والمتنزهات لم يحرموه هذا الحق، وإذا كانوا يمارسون ألواناً من اللهو البريء، لم يحجروا عليه ممارستها، وإذا كان يلقنونه الرحمة والعدالة والاتساق والأدب، كانوا في كل تصرفاتهم أمامه رحماء عادلين، متسقين، مؤدبين، وإذا أطلقوا لأنفسهم عنان الحرية في شيء لم يمنعوه أن يأتيه.

فالطفل جزء من المجتمع الصغير في بيته، ومن المجتمع الكبير في مدرسته، فهو لا يشعر أنه صغير، أو ضعيف، أو مقيد الحرية أو مهضوم.

وخطؤه فرصة تنتهز للتفاهم معه، والنصيحة له، وإرشاده، لا لزجره وازدرائه وكبته، والتربية في المدارس في أكثر مراحلها، توجيه وليست قيادة وتحتيماً. والمدارس تفرح بالطفل الشاذ، لأنها تعرف أنه سيكون رجلاً من نمط خاص، فهي تعنى بتهذيب هذا الشذوذ فيه وتوجيهه، ولا تقاومه أو تقسره.

وإذا كان وجود الكبير بين الصغار تقييداً لهم، وحجراً على حريتهم، فإن وجود الطفل بين أهله، حري بأن يكون تقييداً لهم، يحملهم على أن يسلكوا أحسن السلوك وأدقه، مراعاة لما يجب أن تقع عليه عينه من صور الكمال والجمال.

فلو قلنا للطفل عندما يضرب كلباً، استح، وشرحنا له أن الكلب ضعيف لا يستطيع الشكوى، ولا الدفاع عن نفسه، وأنه وديع ولا يؤذي، وتظاهرنا بالحزن والرثاء على هذا الكلب، وأوجبنا على الطفل أن يقدم له ترضية من طعام، واتجهنا هذا الاتجاه في كل ما يشبه هذه الحادثة، لكانت عقدة الطفل العصبية، عقدة نبيلة، تجعله يشعر بالقوة وبقانون حريتها.

نحن نخطىء كثيراً عندما نظن أن الأطفال في سني حياتهم الأولى لا يعرفون، ولا يدركون.

إني أعتقد أن أحسن مبادىء التربية، وأسوأها، لا ترسخ في دم الطفل ووجدانه وعقله الباطن، بقدر ما ترسخ في العشرة الأولى من تاريخ نشأته.

وإذا كنا نعرف خطر تسميم عقل الشاب، بالمعلومات والمبادىء الفاسدة في الخامسة عشرة، أو العشرين من عمره، فيجب أن تكون أكثر تقديراً، لما يسمم دمه، ويكون عقده العصبية في طور مراهقته الفكرية.

والملوك والزعماء، عندما يريدون تنشئة أبنائهم على أخلاق وميول خاصة، يطلقون لهم حرياتهم، ويحيطونهم بما يطبع نفوسهم وأفكارهم على ما يراد إعداده له من حياة وتقاليد.

فالذي يراد له أن يكون كريماً يجعلون له بيتاً، وحاشية تأتمر بأمره وخيولاً مطهمة.. وقصاداً، ومآدب – ويكون هو في أثناء هذه الحياة جاهلاً معانيها كل الجهل، في الظاهر، ولكن دمه ينطبع عليها بالإيحاء والممارسة.

والذين يريدون الخيول على أن تحذق أساليب خاصة من السير والحركة والنشاط الظاهر والفراهة، يأخذونها بأنواع التدريب والتمرين، ويبذلون في هذا من الجهد، ودوام الملاحظة والعناية كثيراً، ويرسخون فيها كلمات، ونداءات خاصة، وإشارات، تتأثر بها مع طول التجربة، وهذا يكون عندهم ضرورياً لضمان هذا المطلب.

ومن الغريب حقاً أن يهمل الطفل، ويكبت، ويعامل كما يعامل حيوان مغلق لا يحس ولا يدرك، فإذا كانت بعض الحيوانات، تستفزها كلمات وإرشادات، عودت على الاستجابة لها، فكيف يهمل الطفل الذي يراد له أن يكون رجلاً مؤدباً قوياً حراً، يضطلع بمسؤوليات بيته، ووطنه في المستقبل؟

إننا نرى صلات الأمهات والآباء في الأمم الراقية، بأبنائهم، صلات ودية عميقة، تشبه أن تكون صداقة وارتباطاً في معظم أدوار النشأة، ونراها عندنا صلات تشملها القسوة والجمود والإهمال والفوضى، على اعتبار أنها تربية وحدود تقتضيها فوارق السن والإدراك، والمقام.

فإذا ترك الطفل لنفسه، شعر بغربته في هذا المحيط، وتعلق بالزقاق أو بالخدم، فنشأ نشأة شاذة مضطربة، تكون شر أساس لحياته المدرسية، فإذا كانت هذه مضطربة شاذة خرج إلى معترك الحياة، حيواناً له مظهر الإنسان..

حدثني صديق كان يتلقى الطيران على يد أستاذ إنجليزي، قال كان الإنجليزي يشرح كيفية استعمال البراشوت (مظلة النجاة) قائلاً:

عندما تفشل في ضبط طيارتك وهي هابطة، تلقي بنفسك في الهواء، وتحل في اتزان، أربطة المظلة، فلا تلبث أن تمتلىء بالهواء، وتقلك، فبادرته سائلاً.. وإذا فشلت المظلة، فأخذ الإنجليزي بغرابة هذا السؤال، وقال بلا روية، وبلهجة عنيفة.. يستحيل أن تفشل.. إنها مصنوعة في إنجلترا، فهذه عقدة عصبية لهذا الإنجليزي، تعطينا فكرة واضحة عن تشبع نفسه، ودمه، بعظمة مصنوعات إنجلترا، ودقتها، واستحالة احتمال فشلها، في أداء مهماتها، ولو كانت فكرة واضحة لوسعه أن يتصور أن في الدنيا مظلات غير إنجليزية يحتمل أن تفشل.. إذا كان الفشل لمظلات إنجلترا مستحيلاً!

هي نادرة يصح أن تكون دليلاً على جمود طبع الإنجليزي، وضيق مدى فكره، ولكنها استجابة خاطفة، تشير إلى إحكام العقد العصبية الأولى أيضاً..

لا يستحيل أيها السادة أن يعرف الطفل من حياته المنزلية، قوانين العدالة، والرجولة، والحرية، والوطنية، والجمال، والعواطف، والجندية، والموسيقى، والرياضة، والاتساق، والكرم، والشجاعة، والرحمة.. متى عرفنا كيف تستغل قوة الحياء فيه هذه القوة التي نفسد بها حريته، ونبلبل اتجاهاته، ونكبت بها نزعاته المتطلعة، وتقضي على نشاطه المأمول، بدل أن نجعلها قانون القوة فيه، وقانون الحس والشعور والغيرة، وتربية الضمير.

مع أن الإنجليز اليوم يضربون أعلى المثل في نظام تربيتهم المدرسية، فإنهم قليلو الثقة بهذه المدارس، فهم لا يدفعون إليها الطفل إلا بعد أن يطبعوا نفسه بطابع الرجولة، ووثائق الخلق، ويقيموا عليه من ضميره وتقاليده الراسخة في دمه حارساً يقظاً قوياً.

وقد أصبح كل باحث في التربية تقريباً، يعتقد أنه لا شيء يعادل في الأهمية السنين الأولى من حياة الطفل، فهي التي تكون مركز القيادة الوجدانية والجسدية والفكرية فيه، ويعتقد بعض علماء النفس، أن الطفل في نهاية سنته الثانية، يكون قد أتم شكل قالبه المستقبل، فلو توسعنا قليلاً بهذه النظرية إلى حد الرابعة، فما هي طائلة العقاب المعنوي الذي تتعرض له أسرة لا تعرف إلا أن الطفل في الرابعة أشبه بحيوان لا يعي ما حوله؟..

ولم تلتقط هذه الصور الحساسة مما يدور حولها؟ وكم تفعل سيطرة الآباء والأمهات، في القضاء على القوة الطبيعية في الطفل، بهذه الحيرة العمياء لا تعرف سبيلها.

إذا كان الأطباء يعدون من المسائل الكبيرة الخطر في حياة الطفل الجسدية، مسائل التهوية، والبكاء، والغذاء والنوم، والملابس، والأمراض المعدية، فإننا نرى أنها تقل خطراً عن مسائل صحة العقل، والعقد العصبية، والعادات الوجدانية.

إننا نرى أمماً لم يمنعها فقدان النظام الصحي من تكوين حضارتها، ولكننا لا نرى أمة تفقد التربية النفسية والفكرية، بقديرة على أن تقيم حضارة تسلكها في عداد الأحياء الحقيقيين. ومن سوء الحظ أن مدارسنا – على ندرتها – لا تزال تتبع الطرق القائمة على الكبت والقمع، وسوء استغلال قوى الطلبة وتبديدها، إما بسوء أساليب الدراسة، أو بدراسة مطولات تثقل الذاكرة، وتشوش الفكر، أو بتدريس مناهج أجنبية، لم تُبن على طاقة الطالب عندنا، ولم ينظر فيها إلى المقومات الذهنية والنفسية التي يجب أن تكون شخصيتنا الخاصة كأمة مستقلة.

إن العيوب التي تتخبط فيها مدارسنا يرجع معظمها إلى جهل أساتذتها علم التربية، وإلى عدم وجود قيادة خبيرة تبني مطالب التربية وفروضها على دراسة دقيقة عامة لطاقة الفكر والذكاء، ومقوماتها الذهنية، والنفسية، وإن كانت الحركة التعليمية الأخيرة تعد ثورة بالنسبة إلى الماضي.

ولو استقصينا هذه العيوب لما رأينا إزاءها حسنة واحدة.

وحسبنا دليلاً على هذا، أن الدراسة عندنا لا تزال قائمة على حشو الذهن بالمعلومات والقواعد، وعلى إرهاق طاقة الطالب، وكبت نزعاته النفسية والوجدانية..

وها نحن نرى آثار هذه العيوب، في انمحاء آثار الشخصية من جميع مَنْ تخرجهم المدارس وفي كلال أذهانهم وأعصابهم، وفتور حيويتهم الفكرية، فلا نكاد نجد أثراً لنشاط الفتوة في نفوس أبنائنا.

فالغلام عندنا مطبوع بطابع الكهل، والشاب مطبوع بطابع الشيخ الهرم.

إننا نرى آثار القمع ظاهرة فيما يلوح على أبنائنا من أعراض الحكمة والفلسفة الخامدة، فالشاب قصير النظر، فاتر الطموح، لا يتطلع إلى غير أن ينال عيشه، ويتجنب ميادين النشاط والحرية والاستقلال.

إن مسألة اختيار الأستاذ والمربي، لم تعد من المسائل الثانوية بالنسبة للتربية العامة، وإذا كانت طبيعة حياتنا قد أفقدتنا الأب والأم الرشيدين، فلا أقل من أن تعوضنا التربية المدرسية أساتذة يقودوننا بحكمة وخبرة، ليعدلوا ما فينا من اعوجاج.

يقول الأستاذ الألماني ليبنتز “سلمني قياد التربية، وأنا ضمين لك أن أغير وجه أوروبا قبل قرن واحد من الزمن”.

فمن الخطأ أن تعطى مقادة التربية العامة، لأناس لا همّ لهم إلاّ تلاوة المقررات المطولة والمقررات الجامدة ليعيدها الطالب حفظاً وتسميعاً..

إن سياسة التربية يجب أن تنزل المنزلة الأولى، من حياة الأمة التي يراد لها التقدم، وتبتغي لها الحياة.

عندما أرادت انجلترا تكوين فكرة صحيحة عن المبادئ المثلى للتعليم والتربية، أسندت هذا العمل إلى أكفأ رجالها، من ساسة، وأدباء، ونقاد، وفلاسفة، وعلماء، ورياضيين، وفنانين، وصناع وكانت النتيجة أن يقدم لها القرار في عشرين مجلداً ضخماً..

ففي أي عدد من الأوراق يوضع القرار الذي تستند عليه التربية المدرسية عندنا؟ لهذه الأمة؟ وفي يد أية جماعة توضع دفة التربية العامة لهذه الأمة؟..

أليس من العار أن تكون مدارسنا، معامل تفريخ، كل غايتها أن تدفع عدداً من حملة الشهادات، لا يعرفون فناً تجريبياً، ولا علماً عملياً، ولا صناعات يدوية، تفتح في الحياة ميادين نشاط جديدة، غير ميدان “الوظيفة، والمكتب والديوان”.

أليس من العار أن ينال الكتاب المدرسي من عناية القائمين بقيادة التربية، ما لا ينال عشره الطالب، وذكاؤه، وأعصابه وطاقته، وسلوكه، ونفسياته واتجاهاته الطبيعية، وحريته.. ومستقبله؟..

أليس من الخطأ القاتل.. ألا يعبأ قادة التربية بتغيير القوالب والأوضاع بعد أن تغير، وتغيرت مطالبه، وبعد أن كشفت الفنون، والعلوم، والبحوث، والتجاريب الدقيقة عن نفس الناشئ، وعينت الاتجاهات التعليمية التي تجعله رجلاً وإنساناً عظيماً، وفعالاً، وقوة؟..

مما يدعو إلى الأسف حقاً أن الباحث في الفضائل والرذائل لا يتاح له الوصول إلى حقيقة قيمتها في الواقع إلا متى طالع الناس بهذه الصور الشاحبة المرعبة، كأنما همه أن يعرض شر ما في الحياة.

على أن غاية المفكر والأديب، يجب أن تكون دعوة إلى اكتشاف مسرات الحياة ومحاسنها، لأن النظرة السلبية إلى الحياة، دليل الفتور وضيق مدى الخيال.

فإذا آنس الناس منا هذا التجهم للفضائل، فليعلموا أنه ليس تجهم الكفران والإباحة والإطلاق، إنما هو تجهم الشعور بالخيبة والإخفاق، وتجهم من لا يرى بداً من الاعتراف باختلال المعتقدات التي تقود حياة الأمة والناشئين في طريق غير طريق الحياة المثلى.

إن كثيراً من مفكري الغرب وقادة الفكر فيه، يفرقون من اختلال التوازن بين قوانين الأخلاق والفضائل التي كانت خلاصة جهاد العقول، في تاريخ الإنسانية الطويل، وبين سير الحياة العام، ويهولهم هذا التنافر الظاهر بينهما. ويدركون أن التربية المدرسية السامية تذهب ضحيته، ويعرفون أن النظرة العامة إلى الفضائل لم يبق لها من القوة والتماسك، ما يدع مجالاً للأمل في مستقبلها.

ولكنهم لا يعرفون طريقة لعلاج هذه الحالة إلا طريقة الوعظ، والإنحاء باللوم والتقريع، على من يكشفون الستار عن حقائق هذه الفضائل التي تتعبد بها الأفكار هذا التعبد الشعري الفاتر.

ونعتقد أن علماء التربية البدنية وقادتها، أفادوا الفضائل أضعاف ما أفادها هؤلاء الخطباء الذين ينتهزون الفرص لإلقاء الكلمات الغامضة المطلقة الشعرية عن أحلامهم بالفضيلة، والتشريح والتشخيص، كانا دعوة موفقة إلى بث روح العفة، والاعتدال في الناس، ولما يكتب النجاح للمواعظ والتعليم والزواجر.

هناك طريقة لتربية القوة، وتربية الفضائل ظهر نجاحها للعيون، هي طريقة الصراحة والتجريد، والتربية القائمة على العمل والممارسة، لا على العظة وإثقال الذاكرة وطحنها، وإذا صعب علينا أن نخضع الناس لسلطان ألفاظ لم يبق لمدلولاتها صدى في حياتهم العامة، فإن الصراحة والاعتراف هما سبيل إعداد النفوس للإصغاء إلى أصوات الضمير والمصلحة.

لم يعد من مصلحة الحياة أن تكون النظرة إليها نظرة ارتياب وقلق ومن الحماقة أن ينزل النواح منزلة الإصلاح والجد والقوة.

فمن لا يرى أن التسليم بواقع الحياة، والتقدم لمجابهة قوانينها الصارمة، وحقائقها العارية، أمر لا بد منه لناشئة بلاد يراد لها الحياة؟..

فالتكتم والتستر على خلل بعض القواعد السائدة، والحقائق والتقاليد الموروثة وضعفها، جريمة لا يغتفرها العقل الطامع، لأنها تجر إلى الفشل والحيرة والفناء.

وليس لنا أن نفرق من مواجهة الحقائق، فمن المتوقع أن يكون مستقبل كثير من الحقائق الراسخة، والتقاليد المتحجرة والأوضاع المتصلبة، قاضياً عليها بالزوال.

ولا خسران في هذا للحياة، ولا بوار لخير ما فيها، فهذه نواميسها، أن على من يريد البقاء والنجاح أن يتذرع بالقوة، وأن ينظر إلى الحياة بعينين يقظتين، لا تراودهما الأحلام الفاتنة.

وقد كشف الطب عن أمراض مغلغلة مستعصية، في بعض الأمم، والأسر، والجماعات، والأفراد، كان التستر سبب استفحالها.

فإذا وقفت التربية المدرسية ووقفت قيادة الفكر عندنا، موقف التستر والمداورة والجبن، في مواجهة الحقائق وواقع الحياة، انتهت بنا أمراضنا النفسية والفكرية إلى اضمحلال محقق.

هذه لمحة سريعة نقيم بها المثال والمقياس فقط، ومجال الحديث فيها بعد، ما يزال واسعاً جداً.

عرفنا مما تقدم، الفضائل وجماعها، وقوامها فما عماده الذي ينهض بأعباء رسالتها، والذي يكون سلاحها وحامل لوائها؟

إنه الرجولة، ولذلك اخترنا أن يكون عنوان هذا الحديث “الرجولة عماد الخلق الفاضل” ولذلك سيكون خاتمة حديثنا، تحليلنا للرجولة.

إن الرجولة كالجمال قانونها فيها، ولذلك كانت أساس نشأة الفضائل في الأطوار الأولى التي تحدثنا إليكم عنها طويلاً.

ونحن لم نر فيما أسلفناه من دراسة وتحليل وفرض (بعد الغرائز الأصلية، وقوانين ضروراتها) أساساً لنشأة الفضائل، أو نشأة القوانين الأدبية التي نسميها فضائل إلا الرجولة التي كانت رمز القوة، والشعور بمحاسنها والميل إلى اتباعها وتقليدها.

فالقوة الجسدية بعد أن أدت رسالتها دفاعاً ومقاومة واكتساباً، وتمهيداً وبناءً وتقريراً للذات، نزعت أو انقادت انقياداً طبيعياً إلى إقامة حدود ساذجة لقوانين أدبية، كانت أشبه بفرائض اختيارية تشد من أزر الجماعة، وتجعل مدى القوة، أوسع، وأرحب غير شاعرة بأنها فضائل تتصل بدخائل النفس لوضوح اتصالها بأسباب حياتها الظاهرة.

لا نريد بهذا التمهيد أن نعتبر الرجولة فضيلة، أو قواماً لها، لأننا قد انتهينا إلى أن الحياة قوام الفضيلة، وإلى أن الرجولة عمادها، الناهض برسالتها، لكنا نريد امتحان هذا الرأي لنعرف نصيبه من القوة والصحة.

قد يكون الإنسان فاضلاً ونصيبه من حرية الفكر نصيب منقوص، ويكون فاضلاً، ونصيبه من الغيرة على الحق والجهاد له، نصيب عادي، ويكون فاضلاً بالقناعة، والعفة، والأمانة، والصدق، والجود.

لكن الرجل لا يكون تام الرجولة إلا متى أخذته نفسه أخذاً صارماً بفضائل طبعه، وأخلاقه، وإيمانه الصارم، وهذا قانونه..

فإذا لم يكن عفيفاً كان مستحياً، وإذا لم يكن شفوقاً كان حليماً وإذا لم يكن إيثارياً كان محسناً، وإذا لم يكن قنوعاً، كان شهماً، أنوفاً، وإذا لم يكن رحيماً كان عادلاً..

وقد حللنا إعجابنا بالفضائل وقلنا إنه إعجاب بقيمة شيء نرى مشقة في اكتسابه، وانتهينا إلى أن الفضائل ترمز إلى القوة، أو تقرب أن تكون محاولة قوة.

أما إعجابنا بالرجولة الناضجة، فليس إعجاباً بالقوة فحسب، بل هو إعجاب بحرية هذه القوة في أروع مظاهرها.

فالفضائل قوة بأثرها، وإشاراتها، وغلابها للنفس، لأنها اكتساب وممارسة.

ولكن الرجولة طبع وفطرة.

والفاضل يقود نفسه، أو يقسرها.

والرجل تقوده نفسه، وتقسره، ويقوده طبعه القوي وفطرته العارمة، وإيمانه الصارم.

فقوة الرجولة إذاً قوة حرة، تؤمن بحريتها، إيماناً صارماً.

ومعظم الفضائل، انحراف نفعي مستور، بمطالب النفس، وأنانيتها الخفية، وقد سبقت الإشارة الواضحة إلى هذا.

ونحن نعرف الرجل بطبعه القوي، وقانونه الصارم في نفسه، وضراوة فطرته المجردة، وباتزان خطوات هذه الفطرة، والاستجابة الاضطرارية لها.. نعرف الرجل بهذا، وقد يكون مجرداً من الفضائل الهنية المستحبة والمزايا الكسيحة.

فالرجولة قوة في ذاتها، ولكن الفضائل قوة بما فيها من سمات الشعر وشياته، فهي قوة في مجال الفتنة، لذلك كانت بواعثها تهذيبية محضة.

ومن الأمثلة التي تضرب في هذا الموقف الدقيق للتقريب، مثال رجل يملك ألفين فيجود بنصفها ورجل يملك واحداً فيجود بنصفه.

فالمقارنة المادية الجامدة تضع واهب الألف في القمة، لكن المقارنة الفكرية الدقيقة، تقدم عليه ضده، لأنه يهب مادة حياته، ومادة أمله، فما يبقى له بعدما يهب ما تصيب به الحياة أقل مطالبها، وواهب الألف يهب ما لا تفقد بعده النفس أحفل هذه المطالب.

ذاك يهب من نفسه، وهذا يهب من ذخيرته الطائلة.

ذاك تكلفه نفسه أن يهب، لأنه يستحي ألا يفعل فهو قوي وهذا يستجيب مختاراً أو مضطراً لما يجب أن يستجيب له الغني المجدود، فهو أقل قوة.

ذاك يعطي من نفسه لا ليأخذ، وهل يحلم أن يأخذ بنصفه شيئاً؟

وهذا يعطي من ماله ليأخذ.. يأخذ إكبار الناس، وبعد الصيت، والمكان المرموق، والمثل المضروب.

إذا دخل واهب الألف من باب الكرم، والتضحية الضخمة، والفتنة، دخل واهب النصف من باب الرجولة الشامخة.

ففي الحياة إذاً مسافات وأمداء ما تقاس بالذراع، لكن بمقاييس الفكر والضمير.

وأنا إذا ذهبت أقيس الرجل بصداه في جيله، فإنما قمت أقيسه بأفضل المقاييس، وأكثرها خداعاً، لأني ناظر إلى السعة الظاهرة، لا إلى العمق المتخيل.

فالرجولة هكذا تكون مقلة، ومنزورة، وتكون ضعيفة، وهزيلة، في منطق الموازين الجامدة، ولكنها القوة، والحياء.. والرحمة والعدالة.. في منطق الضمير ووزنه.

يتزحزح الفاضل بفضائله قليلاً أو كثيراً، فلا تشيل كفته الراجحة في العرف وموازينه بهذا الانحراف، لكن الرجل لا يستطيع الانحراف بهذا القانون القائم في دمه ناراً، قبل أن يقوم في نفسه مبدأ وإيماناً، فما يرضيه الحق حتى يكون حقاً كله، ولا الرحمة حتى تكون حسماً لبواعثها فيمن يستحقها، أو فيمن يلتمسها، ولا الحياء حتى تكون قوة تصدّ النفس عن مواطن الشبهات والضمائر والرذائل، وحتى يكون قوة تذهب بالهمة في أسمى معارج السمو.

ولو كان كل هذا، أو بعضه مستحيلاً في نظام الحياة المطرد.. ولو كان هذا كمال معنى الرجولة، وتمامها ونضوجها.

وهذا قانونها!

أعود بكم إلى تعريفي التمهيدي للرجولة.. فقد كان تعريفاً رمزياً، أو كان تعريفاً مدرسياً تبنى فيه النظرة على نتائجها، التي هي الأسباب مجتمعة، ولكنها ليست النظرة مفصلة.

قلت إن الرجولة مجموعة من الصفات الرائعة، في الرجل الرائع.

أما الرجل الرائع فهذا الذي جردت لكم الحديث عنه، وأقمت صورته عارية. وأما الصفات الرائعة فهي: القوة، الجمال، والحق. القوة تقابل الحياء. والجمال يقابل الرحمة، والحق يقابل العدالة. فالرجولة إذاً قوة وجمال وحق هذا قانونها وهو قانون الحرية أيضاً وهو قانون الإنسانية السامية أما الفضائل فجمال فقط.

أحسبكم لا تجدون صعوبة في موافقتي على تجريد الفضيلة من القوة دون الحق، ولكني أجردها من الحق أيضاً.

وأنا لا أمتهن الفضيلة بهذا التجريد القاسي، ولا أغض من قيمتها إنما أريد التحديد، فإذا كانت الفضيلة تهب لتأخذ، لم تكن قوة، ولو كان هذا الأخذ من وراء ستوره الكثيفة، لذة فكرية، أو متاعاً نفسياً، أو مطلباً فكرياً..

وإذا لم تكن الفضيلة إيماناً صارماً بالتضحية، والجهاد الصادق للحق والعدالة، لم تكن حقاً، ولو بقيت بعد جمالاً ظاهر الفتنة للعيون، وصوفية تغذي المشاعر، ولا تكون الضمير.

وهنا موضع التحرز من خطأ، فلقد قلت في مطلع حديثي إن الرجولة في الطور الأول للحياة كانت صفة القادرين على الاحتيال لتوفير الطعام وإقامة المأوى الواقي، وهي بهذا التحديد تكون مزية سابقة في نشأتها لنشأة الفضائل، أو السجايا، التي لا يجيء دورها في النشأة منطقياً إلا بعد اتساع أفق الحياة، وتشعب مسالكها.

وقلت إن الغرائز في الإنسان مصدر أنانيته، وإن الإنسان، الغريزي لا يتعدى حدود ذاته، فلسائل أن يسأل، كيف كانت الرجولة طبعاً وفطرة، وقانوناً في الدم، وقد كانت أنانية.

والجواب على هذا السؤال، أن الرجل أناني لا شك في ذلك، ولكنه في هذه الأنانية عادل فهو ما يرضى أن ينال حقه، حتى ينال كل حقه، وحتى يكون الحق مبدأ عاماً لحياة الجماعة، تساهم النفس في الجهاد له بأقصى قواها، وبكل دوافعها، وليست لها من وراء هذا الجهاد لذة ولا متاع، يتجلى هذا في دعاة الإنسانية، وفي الفلاسفة، وفي قادة الفكر، والفنانين الموهوبين، والعباقرة، ورجال الثورات، والعلم والطب والإصلاح، في أولئك الفقراء الضعفاء المشردين، الذين تتنكر لهم الحياة حتى ما تبض بقطرة، ويتنكر لهم الناس حتى ما يعرفون الرحمة، فإذا أصابوا من دنياهم شيئاً، فإنما يكون القليل.

أولئك الذين يعد الفرد منهم حدثاً بشرياً هائلاً، وعاملاً من أقوى عوامل الطبيعة… لأنه جزء من تاريخ الحياة الجاهدة، أو جزء من تاريخ الإنسانية.. أو جزء من تاريخ أمته.

إن الحياة لا تحابيهم بالنجاح الترابي إلا نادراً، لأنهم يحتقرون التراب، إنما تحابيهم بصفحاتها الذهبية اللامعة، لا لأنهم الشذوذ والندرة، بل لأنهم الرجال الذين يقيمون مأتم الحياة، وأعيادها، ويقودون مواكبها، وجحافلها.. والذين يعملون للحياة، بالحياة، أو بالموت، ومثلهم الأعلى الحياء، الرحمة، العدالة، أي القوة، الجمال، الحق، أي الرجولة.

ولا أدري مَن مِن المفكرين قال إن الرجل العظيم طفل، لأنه لا يتصرف بقوته تصرفاً ينطبق على مقاييس العقول الراجحة، ففي هذا القول إشارة إلى أن الرجل إذا أخذته نفسه بقانون الحق والاستجابة للأعمال العظيمة الخالدة. لم تكن التضحية عنده شيئاً اختيارياً يسير فيه على قواعد المنطق المرتب، والرغبات الموزونة، إنما يكون مغلوباً على أمره، إزاء قوة خفية فيه.

فسعد زغلول لم يكن أفضل المصريين خلقاً، ولا أعظمهم مواهب، ولا أكبرهم فكراً، ولكنه كان أكثرهم عناداً وتطرفاً وإصراراً على تحقيق ما يعمل له كاملاً، فهو أكثرهم رجولة.. كان يطمع في الاستقلال التام، ولا يرضى بالحلول الجزئية على أنها النهاية التي لا يبقى بعدها مجال للسعي والمطالبة.

ولو شاء أن يرضى بربع الاستقلال أو بنصفه، لطابق بهذا منطق العقل والسياسة، ولكنه لم يكن يرض أن تكون أمته ربع أمة.. فهذا مظهر أنانية الرجولة..

وسقراط في منطق العقل، طفل لأنه شرب السم مختاراً لئلا يتقهقر عن مبدئه.. فهو رجل يقهره دمه، وقانون قوته، على ألا يصانع فيما يراه حقاً لازماً..

ومن ينكر أن فلسفة العقل متى تسلطت على وزن الحقائق وتحقيقها، أفقدتها كثيراً من طبيعة إيجابها وتأثيرها؟

فلو لم تكن الرجولة قانوناً في الدم وفطرة، لما عدت طفولة لا تعبأ بنفسها في سبيل استجابتها لمطالب قوتها القاهرة.

ها نحن نرى أمة. أمة نكرة بين الأمم يعجزها النهضان، ويصرفها لهوها بالفضائل، عن انتهاج سبيل القوة والارتقاء، وسبيل الحياة والسمو، فأين القوة والجمال والحق تأخذ بيدها؟

أين الرجولة تأخذ بيدها، وتقيل عثراتها؟

الرجولة التي كانت رمز القوة الفعالة في الإنسان القديم!

ورمز سجاياه ومحاسنه في أولى وثباته إلى التطور!

ورمز الحياء والرحمة والعدالة في فجر مدينته المنبثق!

ورمز المبدأ للعربي يوم نهض بأعباء رسالته التاريخية!

أين الرجولة تأخذ بيدها وتقيل عثراتها؟

الرجولة التي ورثها الصحابي الرجل، عن أبيه العربي الرجل، عن جده القديم الرجل، فكانت عماد مبدئه الإنساني الذهبي.

الرجولة التي كانت النار المندلعة، والثورة الجانحة في دماء صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي دماء أعوانه، وأنصاره، على الجهاد للحق والقوة والمبدأ.

الرجولة التي طبعت كل شيء حولها بطابعها الجبار.

الرجولة التي دوت بها صرخة قائد البشرية الكامل محمد صلى الله عليه وسلم، فاقترع بها قمة المثل العليا، يوم قال: “والله يا عم. لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما فعلت، حتى يظهره الله، أو أموت دونه!”

هكذا يقول قائدنا الكامل البطل، بل قائدنا الكامل الرجل.

فهذه رجولة رجل، قبل أن تكون فضيلة نبي، وقانون دم قبل أن يكون سمة خلق فاضل، وعقيدة مؤمن يستهين الموت في سبيل التراجع المفروض عليه دونها، غير ناظر إلى الجزاء.

هذه قوة، وجمال، وحق، حياء، ورحمة، وعدالة.

حياء من الهزيمة في الحق.

ورحمة للجاهلين بالحق.

وعدالة تأخذ للحق بالحق.

ألا فلتكن دستورنا، كلمة قائدنا الكامل الرجل، لتكن فينا فضيلة الفاضل، وغيرة الغيور، ومبدأ المصلح، وفكرة الأديب وعقيدة الوطني الحر، جهاداً يظهره الله، أو نموت دونه..

ولا تكن فضائلنا وأخلاقنا، ألاعيب يتنكب بها ميادين الجهاد والنهوض بأعبائه، ولا فخاخاً تقتنص بها اللذة والصيت، والفتنة، ولا أملاً مطمئناً نخلد به إلى الراحة والهدوء.

ألا فلا تكن الفضيلة إيماناً، بل مسمى صادقاً لإظهارها، ونشر لوائها، فما تكون الفضيلة استقامة، حتى تكون مبدأ يظهره الله أو نموت دونه..

ألا وإن في عنق كل منا رسالة، لا تتم الأمانة إلا بأدائها، وبإقامة منارها، وبالكفاح لنصرتها، ودحض نقائضها.

ألا وإن تاريخ كل أمة حية يقيم اليوم عيده البهيج.. فهل ترضى رجولة الرجال في هذه الأمة أن يقيم تاريخها مأتمه الباكي؟..

سادتي -إخواني ردّدوا معي:

أين التربية.. أين المدرسة.. أين الرجولة.. لتعرفوا لماذا يقيم تاريخنا مأتمه الباكي؟

* * *

Posted in نصوص | Tagged , , , , , , , , , , , , , , | تعليق واحد

هل في توثيق تاريخ وموروث الحجاز.. أي تعصّب او فئوية اقليمية؟

في عام 1983 مُنحت جائزة الدولة التقديرية في الأدب لثلاثة مثقفين سعوديين من خامة العمالقة: احمد السباعي، حمد الجاسر، وعبدالله بن خميس.. تكريماً لهم على جهودهم الرائدة في حفظ التراث والموروث المناطقي، وكتابة تواريخ مدنهم او اصدار المعاجم الجغرافية الاقليمية.

 ألّف شيخ الصحافة السعودية، المثقف المكّي الرائد احمد السباعي، كتابه المرجعي الشهير: “تاريخ مكة”، معتمداً فيه على مصادر التاريخ المكي المتأخر، التي كانت لاتزال راقدة في مخطوطات لم تطولها بعد نظرة العطف او يد النشر والعناية، ففكّ عنها الحصار وأحياها من مرقدها، وحقنها -كمصادر أساسية/أصلانية- في تيار كتابة التاريخ المكي الحديث. كانت كلها مؤلَفات لمؤلفين مكيّين متأخرين: خلاصة الكلام لأحمد زيني دحلان، ونشر النور والزهر لعبدالله مرداد ابوالخير، وافادة الأنام لعبدالله غازي، وتذييل شفاء الغرام لعبدالستار الصديقي، واتحاف فضلاء الزمان للطبري المكّي، وتحصيل المرام لمحمد سالم صباغ، وتاج تواريخ البشر لمحمد سعيد الحضراوي، ونزهة الأنظار والفكر لعبدالستار الدهلوي، ومنائح الكرم للسنجاري المكّي. كما أصدر السباعي اولى محاولات جمع الموروث الشعبي الشفاهي في حاضرة الحجاز في “الأمثال العاميّة بمدن الحجاز” ونشط في توثيق الحكاية الشعبية، في عشرات القصص القصيرة التي صوّر فيها أجواء الحارة المكيّة، وثبّت شخوصها ورموزها وظرفائها في تضاعيف الذاكرة الحجازية الحيّة.

وكان العلاّمة حمد الجاسر،  قد نشط في مجال التوثيق الشفاهي، والتحقيق التاريخي، والرصد الجغرافي لمنطقة نجد.. فكتب ونشر معاجم منطقة نجد الجغرافية، وأصدر في الأنساب كتابه الأيقونة “جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد” الذي اعتمد فيه على عيون كتب التاريخ النجدي المتأخر كابن عيسى والفاخري وابن لعبون وابن بسام وابن بشر وابن غنّام، ناهيك عما وثقه من مصادر شفهية .. ثم طفق الى تدوين أنساب قبائل المملكة  في “معجم قبائل المملكة”، وفي كتابة ونشر معاجم جغرافية لاقاليم وطنية متنوعة. والجاسر، أحد روّاد الصحافة الحديثة في بلادنا، حينما دشّن أولى المحطات المؤسساتية للصحافة في منطقة نجد اطلق عليها اسماً اقليمياً مُعبّراً: مؤسسة “اليمامة”.

أما الشيخ عبدالله بن خميس فكان من اوائل من لفت الانتباه الى قضية الشعر النبطي كرافد ومظهر ثقافي أصيل وثرّ، فاصدر احد اولى الدراسات العلمية المتخصصة في الشعر النبطي في نجد في “الأدب الشعبي في جزيرة العرب”، ثم طفق الى جمع وتوثيق القصائد الشفاهية التي كوّنت مضمون كتبه عن “راشد الخلاوي”، و”أحاديث السمر” و”الشوارد”، وكتابه عن أشعار العرضة النجدية. وسبق ان كتب بن خميس تاريخ مسقط الرأس في “الدرعية: العاصمة الأولى”.. ثم اتبعه بكتاب “تاريخ اليمامة – مغاني الديار ومالها من أخبار وآثار” في سبعة أجزاء. وقبل ذلك أصدر “المجاز بين اليمامة والحجاز”؛ وهو حفر في التراث الشعري الجغرافي الفصيح لمنطقة نجد حتى حدود مدينة الطائف، كما اصدر المعجم الجغرافي الكامل لاقليم اليمامة.

نحن ازاء ثلاثة من كبار روّاد الأدب والثقافة والمعرفة، الذين اعتنوا بقضية التراث والتاريخ الاقليمي دون ان تنال أعمالهم ومسيرتهم العلمية الحافلة اي من التهم والأراجيف الممجوجة التي يُرمى بها آنياً من يقوم بذات النمط من الحفر المعرفي او التوثيق التاريخي الإقليمي.

ويدعونا هذا الى ان نتسائل: لماذا يرفض البعض ان نعيش على عدة مستويات ثقافية وأدبية ولغوية ومظهرية ومسلكيّة؟ ولماذا يضيقون بالتعددية الثقافية التي تُغنِي هويتنا الوطنية المعاصرة؟

ان التنوع في الموضوع وابراز اختلاف المشارب الفرعية والاقليمية والفئويّة هو الأصل في دنيا الثقافة والتأليف في بلادنا. هكذا كان في الماضي، وهكذا هو في الحاضر.

جمَع عبدالكريم الجهيمان الأساطير الشعبية في منطقة نجد في موسوعة من خمسة أجزاء، وقام بتدوين الأمثال الشعبية النجدية في عشرة أجزاء. ومن بعده كتب محمد العبودي الامثال العامية في نجد.

والأنثروبولوجي المعاصر سعد العبدالله الصويان في كتابه “الشعر النبطي” اعاد الاعتبار للأدب العامي في منطقة نجد من الوجهة العلمية، وسجّل فيه نتائج دراساته المطوّلة عن المجتمع النجدي البدوي وأدبه ولغته وحكمته الموروثة على مر العصور.

وقبله وثّق محمد سعيد كمال لشعر البادية الحجازية، باسلوب كلاسيكي ولكن رائد في: “الأزهار النادية من أشعار البادية” الذي صدر في خمسة عشر مجلداً .. وحاولت هند باغفار في “الأغاني الشعبية” ان توثق لمفردات وكلمات المجارير الحجازية والدانات الحمينية/التهاميّة/المكيّة العريقة، لكن بقي هذا اللون التراثي معوزاً الى مزيد من جهود الحفر والتنبيش.

وقدّم الباحث محمد عبدالرحمن الشامخ اطروحته للدكتوارة في كلية الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن عام 1967 تحت عنوان: “مسح شامل للنثر الأدبي في الحجاز من الفترة 1908 الى 1941 مع ملحق لتاريخ الصحافة في الحجاز”.

وأستاذ اللسانيات حمزة بن قبلان المزيني خصص اطروحتيّ الماجستير والدكتوراة خاصته في لهجة البادية الحجازية، وتحديداً في قبيلة حرب، التي تتفرع منها قبيلته مزينة، وقد أورد الشيخ حمد الجاسر في كتابه “البحث عن التراث” لقاءه بالمزيني في انجلترا اثناء تحضيره لرسالته .. وقدّم محمد بن سليمان السديس اطروحة الدكتوراة خاصته من جامعة ليدز في موازنة الأمثال الشعبية في اقليم نجد.

ومن المراجع اللغوية في منطقة نجد: كتاب “فصيح العامي في شمال نجد” لـ عبدالرحمن السويداء، وهو من جزءين، وكتاب “من غريب الألفاظ المستعمل في الجزيرة العربية” لـ عبدالعزيز بن محمد الفيصل، وكتاب “ألفاظ دارجه ومدلولاتها في الجزيرة العربية” لـ عبدالكريم الحقيل.. وقبلهم جميعاً وضع أحمد ابراهيم الغزّاوي سِفره الضخم “شذرات الذهب”، وهو مكوّن من 1935 شذرة،  واظب على نشرها بمجلة المنهل طيلة 23 سنة، ويعد كتابه في هذا الباب من أثرى مراجع التراث اللغوي الحديث في منطقة الحجاز.

 وكان الشيخ محمد بن عبدالله بن بليهد من اوائل من انتبه الى ضرورة توثيق الشعر النبطي في قلب الجزيرة العربية، واول من سعى الى توظيفه كأحد المصادر التاريخية للبحث التاريخي والجغرافي والانثروبولوجي الخاص بمنطقة نجد، وهو منهجه الذي استخدمه في سِفره “صحيح الأخبار”، الذي تزامن مع صدور كتاب تأسيسي آخر للمثقف الكويتي/السعودي خالد الفرج بعنوان “ديوان النبط: مجموعة من الشعر العامي في نجد”، وهو من أجود الأنطولوجيات الباكرة للشعر العامي في نجد، الذي استعرض اعمال تسعة شعراء نجديين روّاد: حميدان الشويعر، ومحمد بن لعبون، وعبدالله بن ربيعة، وبن سبيّل، وآخرون.

وأغنى احمد قنديل الأدب الشعبي الحجازي، سواء بما كتبه من شعر بلدي زجلي “حلمنتيشي” في قناديله او بما حفظه للذاكرة الجمعية من قصص محكيّة وسِير لشخوص حارات جدة وبرحاتها، من زعامات وفتّوات وحرفيين ورجال بحر وأهل طُرق وظرفاء ومجاذيب: في كتبه “المركاز” و”ابوعرّام والبشكة” و “دهاليز وحكايات” ومُذكراته “الجبل الذي صار سهلاً”.. فسجّل لنا روايات وأخبار: ابوعرّام، شُلضم، بِسباسة، الكَجا، عم سدّيق، الخال سالمين، الخواجة إيكليا، سليمان ملوخيّة، بيبي زينب، الخرنتا، ابو سدّاح، ظريفة، وحبمبا، ودوّن الأساطير البلديّة بأسلوب أدبي شعبي راقٍ: سبع الليل، هول الليل، والدجيّرة.

وكتب محمد حسين زيدان تاريخ المدينة في عهودها الثلاثة: أواخر العثماني، الهاشمي، وأوائل السعودي في “ذكريات العهود الثلاثة” حيث وثق بطريقته الزيدانية، أنباؤها وأخبارها وعوائلها وأمراءها وتواريخ صراعاتها والتنافس بين كبار وجهائها الذي كان يصل الى حد النزق بين السيّديّن أحمد أسعد والصافي الجفري.

وكتب عبدالعزيز التويجري “رَكبٌ أدلج في ليلٍ طال صباحه” وفيه فصول من التاريخ الاجتماعي والسياسي الحيّ والنابض لمسقط الرأس ومراتع الصبا: المجمعة واقليم سدير. وتحمل كتب “تراث الأجداد” للقويعي، وكتاب “الساني والسانية” لـ إبن جنيدل، وسلسلة “بني: مقارنة بين ماضينا وحاضرنا” لـ عبدالعزيز الخويطر، مضموناً تراثياً يؤرخ لجوانب متعددة لنواحي مختلفة من منطقة نجد.

وقدّم أحمد الفهد العريفي في “مقامات حائلية” لمحات تاريخية واجتماعية ونصوص شعرية محققة عن مدينته حائل.

ومثلما كتب الشخ حمد الجاسر في الانساب، اصدر الشيخ محمد بن ناصر العبودي اخيراً كتاب “معجم أسر بريدة”.

ودوّن عاتق بن غيث البلادي نسب قبيلته حرب في كتابه “نسب حرب”، ودمج فيه فرعيّ القبيلة الحجازي والنجدي، صيانة لهما من الانقسام، على حد تعبيره في مقدمة كتابه. وسار مؤرخ القبيلة المعاصر، فائز البدراني على دربه في “فصول من تاريخ قبيلة حرب في الحجاز ونجد”. وينشط البدراني في توثيق التاريخ الشفوي لقبيلته حرب، وفي الاعتناء بموروثاتها، لعل آخر اعماله في هذا السياق: “قصص واشعار من قبيلة حرب”، و”أحديات وألقاب من قبيلة حرب” الذي اورد فيه نصوص اشعار الحداء والعرضة الحربيّة. وكتب محمد ناصر ابو حمرا العتيبي أطراف من تاريخ عتيبة في “عتيبة.. النزول الي نجد والاستقرار فيها”، وكتب عبدالرحمن العبيّد عن “قبيلة العوازم”، فيما كتب عبدالكريم محمود الخطيب “تاريخ جهينة” رغم انه ينتمي الى احدى عائلات ينبع الحضريّة. ونمط التأليف في أنساب وعادات وموروثات القبائل حاشد ووفير وبحاجة الى فرز وتقديم السمين دون الغث الركيك، على جنس ما يفعل الباحث قاسم الرويس.

واجتمع ثلاثة باحثين من تهامة: علي مغاوي، ابراهيم طالع الألمعي، وابراهيم شحبي، في كتاب مشترك يحكي تحولات قبيلتهم ألمع؛ “القبيلة العربية: البنى والتحولات – ألمع نموذجاً”، والثلاثة مهمومون بالتراث وبالعناية بالموروث الخاص بمنطقتهم. ويعمل مثقفون من الجنوب على ابراز تلاوين موروثاتهم وتنوع ثقافاتهم ومحاولة اثبات أصلانيتها ومركزيتها في السياق الوطني من خلال أدب الرواية الحديثة، نلاحظ ذلك في اعمال: عبدالعزيز مشري، علي الدميني، يحيى امقاسم، احمد ابودهمان، عبدالله ثابت، عبده خال، معجب الزهراني، طاهر الزهراني، وحسين القحطاني.

وتخصص الباحث محمد بن احمد بن عيسى العقيلي، وهو من روّاد الأدب والتاريخ في السعودية، في تاريخ وموروث ولهجات منطقته جازان وتهامة وقدّم في ذلك عشرات الكتب والمؤلفات المرجعيّة.

ويبرز علي الشدوي، من مثقفي الباحة، كأحد المهمومين بتحرير مفهوم التحضّر في القرى الجنوبية، وإبطال التشوهات التي تسربت اليه في اذهان الجيل الحالي، فهو لا يلبث الا ويحاضر مؤكداً ان “التحضر” الجنوبي يشمل اهل المدن والقرى والأرياف، ضداً على مفهوم “البدو” الذي يشمل سكان الصحراء.. فـ”بدو غامد”، حضر في أخلاقهم وهيكلهم الاقتصادي وتركيبتهم الاجتماعية، مقابل “بدو العقيق” المتخلقين بأخلاق البادية ومُتنقلي الصحراء. تلك قضيته المشروعة النبيلة، طالما انه يحدب على التنوع ويقاوم دعاوي الذوبان.

وكان الباحث الراحل عن دُنيانا قبيل ايام، علي السلوك الزهراني قد اصدر عدة اجزاء من مشروع رائد اسمّاه “موروثات غامد وزهران”.

ودأب الرواد من الباحثين في تأطير مادتهم باقاليمهم لدوافع علمية، قد يشوبها حيناً الدوافع العاطفية، لكنها لا تنزلق في حمأة التعصب الاقليمي طالما انها غير مشفوعة بنزعة شوفينية او ردّة رومانسية – بل هو تصدي تحتمه بيئة الباحث التي ينتمي اليها وقدرته -بداهةً- على الالمام بخصائصها الحضارية والفنية، واستيعاب اطارها التاريخي، واستكناه مكوناتها المادية والوجدانية.

ومنذ ان نشر محمد سرور الصبان اول اضمامة للشعر الحديث في الحجاز بعنوان: “أدب الحجاز” في عام 1926م انفسح عقد الاضمامات الخاصة بآداب الاقاليم او الدراسات النقدية والانطولوجية التي تخصها:

  • وحي الصحراء: صفحات من الأدب العصري في الحجاز (1937) – لعبدالله عمر بلخير ومحمد سعيد عبدالمقصود
  • نفثات من أقلام الشباب الحجازي (1937) – لهاشم زواوي وفدعق والساسي
  • الشعراء الثلاثة في الحجاز (1948) – لعبدالسلام الساسي
  • المرصاد: نقد الأدب الحجازي الحديث (1950) – لابراهيم هاشم فلالي
  • شعراء الحجاز في العصر الحديث (1951) – لعبدالسلام الساسي
  • النهضة الأدبية بنجد (1951) – لحسن محمد محمود الشنقيطي
  • شعراء الجنوب (1954)- لمحمد بن علي السنوسي ومحمد بن أحمد العقيلي
  • الأدب في الخليج العربي (1957) – لعبدالرحمن العبيد
  • التيارات الادبية في قلب الجزيرة العربية (1959) -لعبدالله عبدالجبار
  • شعراء هجر (1959) -لعبدالفتاح الحلو
  •  شعراء نجد المعاصرون (1960) -لعبدالله بن ادريس
  • شعراء القطيف من الماضين والمعاصرين (1965)- لعلي بن منصور المرهون
  • الأدب الحديث في نجد (1970) -لمحمد بن سعد بن حسين
  • أدب النثر المعاصر في شرقي الجزيرة العربية (1971)- لعبدالله آل مبارك
  • الأدب العربي المعاصر في الجزيرة العربية : الشعر في شرقي الجزيرة (1973) – لعبدالله آل مبارك
  • الشعر الحديث في الحجاز (1973) -لعبدالرحيم ابوبكر
  • اتجاهات الشعر المعاصر في نجد (1974) -لحسن الهويمل
  • اضواء على الأدب والأدباء في منطقة جازان (1980) -لمحمد أحمد العقيلي
  • الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد (1981) -لابراهيم الفوزان
  • الحياة الفكرية والأدبية في جنوب البلاد السعودية (1982) -لعبدالله محمد أبو داهش
  •  القطيف وأضواء على شعرها المعاصر (1985) -لعبدالعلي يوسف السيف
  • أدباء من الخليج (1985)-لعبدالله بن أحمد الشباط
  • الأحساء: أدبها وأدباؤها المعاصرون (1991) – لعبدالله بن أحمد الشباط
  • نشأة الأدب السعودي المعاصر في جنوبي المملكة (1992) – لعبدالله ابوداهش
  • مرحلة التقليد المتطور في الشعر السعودي الحديث في منطقة نجد (1998) -لابراهيم الفوزان 

    وانسحب ذلك على المقالات التأسيسية:

  • نقد الأدب في الحجاز (1932). سلسلة بصحيفة ام القرى
  • اطوار الأدب في الحجاز على العموم وفي المدينة على الخصوص (1934). صوت الحجاز -لحمزة اضلني
  • الاتجاهات الجديدة في الأدب الحجازي (1935). صوت الحجاز – لعبدالقدوس الانصاري
  • الأدب الحجازي والتاريخ (1937). -لمحمد سعيد عبدالمقصود
  • البذور الأولى للشعر النجدي المعاصر (1977). مجلة اليمامة -لعبدالعزيز التويجري
  • النزعة الواقعية في الشعر النجدي المعاصر (1978). مجلة اليمامة -لحسن الهويمل 

    واتخذ نشاط توثيق الأدب الشعبي السعودي ذات النهج الاقليمي:

  • الأمثال العاميّة بمدن الحجاز – لأحمد السباعي
  • الأمثال العامية بمكة المكرمة – لحسين عبدالله مِحضر
  • الأمثال الشعبية في أم القرى وما حولها – لفؤاد علي رضا
  • الأدب الشعبي في جزيرة العرب -لعبدالله بن خميس
  • أساطير شعبية في قلب جزيرة العرب -خمسة اجزاء- لعبدالكريم الجهيمان
  • الأمثال الشعبية في قلب جزيرة العرب  -عشرة أجزاء- لعبدالكريم الجهيمان
  • الأمثال العامية في نجد – لمحمد بن ناصر العبودي
  • سلسلة تاريخ نجد في عصور العامية: ديوان للشعر العامي بلهجة أهل نجد – لأبي عبدالرحمن بن عقيل
  • ديوان النبط: مجموعة من الشعر العامي في نجد -لخالد الفرج
  • الادب الشعبي في الجنوب – جزءين -لمحمد بن احمد العقيلي
  • الادب الشعبي في الحجاز -لعاتق بن غيث البلادي
  • اضواء على الأدب الشعبي -لعبدالله العلي الزامل
  •  الأدب الشعبي  -لعبدالله العلي الزامل
  • موروثات غامد وزهران -لعلي السلوك الزهراني
  • البحث عن أعراب نجد وما يتعلق بهم -لسليمان بن صالح الدخيل
  • من فنون جازان الشعبية -لعبدالرحمن الرفاعي
  • روائع من الشعر النبطي -لعبدالله اللويحان
  • التحفة الرشيدية في الأشعار النبطية -لمسعود الرشيدي
  • شعراء عنيزة الشعبيّون -لعبدالرحمن العقيل وسليمان الهطلاني
  • شعراء الرس النبطيون -لفهد الرشيد
  • من شعراء بريدة -لسليمان النقيدان
  • من شعر شراء الزلفي -لحمود النافع
  • الشعر النبطي في وادي الفقي (روضة سدير) -لأحمد بن عبدالله الدامغ
  • أشيقر والشعر العامي -سعود اليوسف
  • ديوان السامري والهجيني -لمحمد بن عبدالله الحمدان
  • من اشعار الدواسر -لمحبوب الدوسري
  • شاعرات من البادية -لعبدالله ابن ردّاس
  • شعراء من مطير -لعبدالعزيز السناح المطيري
  • الخيل والإبل عند قبيلة مطير -لعبدالعزيز السناح المطيري
  • من شعراء الجبل العاميين- ثلاثة أجزاء- لعبدالرحمن السويداء
  • الأمثال العاميّة بالحجاز -لمحمد صادق دياب
  • الشعر النبطي -لسعد الصويان
  • طرائف وأمثال شعبية من البادية الحجازية -لعاتق بن غيث البلادي
  • مقامات حائلية – لأحمد الفهد العريفي
  • التبات والنبات -للمياء محمد صالح باعشن
  • رجال الطرب الحجازي -لعبدالرحمن اللهبي
  • معجم الأمثال الشعبية في مدن الحجاز -لفريد عبدالحميد سلامة
  • قصص واشعار من قبيلة حرب -لفائز البدراني الحربي
  • أحديات وألقاب من قبيلة حرب -لفائز البدراني الحربي
  • من أخبار القبائل في نجد -لفائز البدراني الحربي

والبحث التاريخي المناطقي هائل – هذه اسماء بعض المؤلفات التأسيسية الكلاسيكية:

  • تاريخ مكة: دراسات في السياسة والاجتماع والعمران- لأحمد السباعي
  • تحفة المستفيد بتاريخ الاحساء في القديم والجديد- لمحمد بن عبدالله آل عبدالقادر
  • خزانة التواريخ النجدية- لعبدالله بن عبدالرحمن البسام
  • مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ- لحمد الجاسر
  • موسوعة تاريخ مدينة جدة- لعبدالقدوس الانصاري
  • ساحل الذهب الأسود- لمحمد سعيد المسلم
  • تاريخ المخلاف السليماني- لمحمد بن احمد عيسى العقيلي
  • تاريخ نجد- لعبدالله فيلبي
  • تاريخ نجد الحديث وملحقاته- لأمين الريحاني
  • الخبر والعيان في تاريخ نجد- لخالد الفرج
  • ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز في القرن الرابع عشر -لمحمد علي مغربي
  • أخبار عسير -لابراهيم بن علي زين العابدين الحفظي
  • تاريخ عسير في الماضي والحاضر -لهاشم بن سعيد النعمي
  • القطيف؛ واحة على ضفاف الخليج -لمحمد سعيد ال مسلم
  • الدرعية: العاصمة الأولى -لعبدالله بن خميس
  • ذكريات العهود الثلاثة: طيبة رحلة في الزمان والمكان -لمحمد حسين زيدان
  • علماء نجد خلال ستة قرون -لعبدالله بن عبدالرحمن البسام
  • مشاهير علماء نجد وغيرهم -لعبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ
  • أعلام الحجاز -اربعة أجزاء- لمحمد علي مغربي
  • سير واعلام – تراجم لعلماء مكة المكرمة والمسجد الحرام- لعمر عبدالجبار
  • ماضي الحجاز وحاضره- لحسين محمد نصيف
  • رجالات الحجاز- لابراهيم هاشم فلالي
  • أبطال من الصحراء- لمحمد الأحمد السديري
  • صفحات من تاريخ الإحساء- لعبدالله الشباط
  • نجد في الأمس القريب- لعبدالرحمن السويداء
  • المخلاف السليماني في التاريخ السياسي والاجتماعي -ثلاثة اجزاء- لمحمد بن أحمد العقيلي
  • تاريخ هجر -لعبدالرحمن بن عثمان آل ملا
  • تحفة الألباء في تاريخ الإحساء – لسليمان الدخيل
  • صور وذكريات عن المدينة المنورة -لعثمان حافظ
  • عنيزة: التنمية والتغيير في مدينة نجدية عربية- لثريا التركي
  • أهل الحجاز بعبقهم التاريخي- لحسن عبدالحي قزّاز
  • تاريخ الطائف قديما وحديثا- لمناحي بن ضاوي القثامي
  • تاريخ ينبع الموسّع- لعبدالكريم محمود الخطيب
  • مكة في القرن الرابع عشر الهجري- لمحمد عمر رفيع
  • في ربوع عسير- لمحمد عمر رفيع
  • نبذة تاريخية عن نجد -لضاري فهيد الرشيد وتحقيق عبدالله الصالح العثيمين
  • الطائف القديم داخل السور- لعيسى القصيّر
  • جدة حكاية مدينة- لمحمد يوسف طرابلسي
  • طيبة وذكريات الأحبة- لأحمد أمين مرشد
  • الأدراسة في تهامة – للقاضي عبدالله بن علي العمودي، تحقيق عبدالله ابو داهش

وهذا نموذج عشوائي لمؤلفات او دراسات تاريخية حديثة، تتناول كلها جانباً اقليمياً محدداً:

  • التعليم في مكة والمدينة آخر العهد العثماني – لمحمد الشامخ
  • الصحافة في الحجاز – لمحمد الشامخ
  • الألف سنة الغامضة في تاريخ نجد- لعبدالرحمن السويداء
  • باب السلام في المسجد الحرام ودور مكتباته في النهضة العلمية والأدبية الحديثة – لعبدالوهاب أبوسليمان
  • مكتبة مكة المكرمة قديماً وحديثاً – لعبدالوهاب أبوسليمان
  • شعراء ينبع وبنو ضمرة – لعبدالكريم الخطيب
  • الشعر الحجازي في القرن الحادي عشر -لعائض الردّادي
  • الأربطة في مكة في العهد العثماني – لحسين عبدالعزيز شافعي
  • عسير في مذكرات سليمان الكمالي -لأحمد بن حسن النعمي
  •  تحصينات مدينة أبها في الفترة 1331الى 1388 – لمحفوظ بن سعيد بن مسفر الزهراني
  • بنو خالد وعلاقتهم بنجد – لعبدالكريم بن عبدالله المنيف
  • الحياة العلمية في الحجاز من خلال العصر المملوكي – لخالد محسن الجابري
  • الأوضاع السياسية والعلاقات الخارجية لمنطقة جازان (المخلاف السليماني) في العصور الاسلامية الوسيطة – لأحمد عمر الزيلعي
  • التعليم في القصيم بين الماضي والحاضر – لصالح بن عمر العُمري
  • الاستيطان والآثار الاسلامية في منطقة القصيم – لعبدالعزيز الجار الله
  • التعليم في نجد في عهد الملك عبدالعزيز – لمحمد بن عبدالله السليمان
  • التعليم في القصيم في عهد الملك عبدالعزيز – لمحمد بن عبدالله السليمان
  • نبذة تاريخية عن التعليم في تهامة وعسير – لحجاب الحازمي
  • روضة الناظرين عن علماء نجد وحوادث السنين – لمحمد بن عثمان القاضي
  • حركة الشعر في منطقة القصيم من عام 1351 الى 1420- لابراهيم المطوّع
  • الحركة العلمية بين نجد والزبير خلال ثلاثة قرون؛ علماؤها وشيوخها – لسعود الربيعة
  • الثقافة والتعليم في حائل – لعبدالرحمن السويداء
  • تاريخ اليمامة في صدر الاسلام: محاولة للفهم – لعبدالله العسكر
  • الدعوة الوهابية والمملكة العربية السعودية – لديفيد كمنز وترجمة عبدالله العسكر
  • تاريخ نجد من خلال مؤلفات الشيخ سليمان بن سحمان – لسليمان بن صالح الخراشي
  • نجد قبل 250 عاماً – لمحمد بن سعد الشويعر
  • إسهام المرأة في وقف الكتب في منطقة نجد في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين- لدلال بنت مخلد الحربي
  • اهل السراة في القرون الاسلامية الوسيطة – لعبدالله محمد ابوداهش
  • الآثار المخطوطة لعلماء نجد- لخالد المانع
  • مدن صبيا وضمد وابوعريش وبيش بين واقع التاريخ وحقيقة النقوش- لعبدالرحمن الرفاعي
  • اطلالة على الماضي الجميل في بللسمر – لمحمد علي الأسمري
  • دراسات من تاريخ عسير الحديث – لمحمد بن عبدالله ال زلفه
  • التصوف في تهامة – لمحمد بن أحمد العقيلي
  • فَرَسان: الناس والبحر والتاريخ – لإبراهيم مفتاح
  • نجديون وراء الحدود: العقيلات – ليعقوب الرشيد
  • عقيلات الجبل (حائل) – لعبدالرحمن السويداء
  • ذاكرة الرواق وحلم المطبعة: أصول الثقافة الحديثة في مكة المكرمة – لحسين بافقيه
  • جدة التاريخ والحياة الاجتماعية – لمحمد صادق دياب
  • جدة: تاريخ ما لم يؤرخ – لعبدالله منّاع

والأخير نمط مدعوم رسمياً، تشجعه الدولة وترعاه مؤسساتها بالنشر وبتقديم الحوافز والجوائز..  فحاز كتاب “باب السلام” للشيخ عبدالوهاب أبوسليمان علـى جائزة كتاب العام الصادرة عن النادي الأدبي بالرياض (2008)، وحاز كتاب “المرأة في نجد: وضعها ودورها” لدلال بنت مخلد الحربي على جائزة وزارة الاعلام المتزامنة مع معرض الكتاب الدولي بالرياض (2011).. هاذان على سبيل التمثيل لا الحصر.

وكان عبدالكريم الجهيمان قد اختير كشخصية العام في مهرجان الجنادرية (لعام 2001) لعنايته بالتراث الحكائي والقصصي الشعبي في منطقة نجد.. واختير بعده محمد بن ناصر العبودي كشخصية العام (لعام 2003)، لجهوده في توثيق اللهجات الفرعية والأدب الشفاهي والأمثال العاميّة وتواريخ الأنساب في منطقة نجد.. وأختير عبدالله عبدالجبار كشخصية العام (لعام 2005) تقديراً لجهوده في توثيق وابراز ونقد الأدب الحجازي الحديث.

وتعمل كل من دارة الملك عبدالعزيز بالرياض ومركز تاريخ مكة المكرمة بمكة، وكلاهما تحت الإشراف المباشر من الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، على انتاج ورعاية ونشر الدراسات التاريخية الاقليمية. هذا كشّاف مختصر لبعض اصدارات دارة الملك عبدالعزيز التي تحمل عنواناً او مضمونا اقليمياً:

  • فهارس كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد – للسيد احمد مرسي عباس
  • لمع الشهاب في سيرة الشيخ محمد بن عبدالوهاب – تحقيق عبدالرحمن آل الشيخ
  • رحلات الأوروبيين الى نجد وشبه الجزيرة العربية – لمحمد حسين زيدان
  • محمد بن عثيمين شاعر الملك عبدالعزيز – للسيد أحمد أبوالفضل
  • مثير الوجد في أنساب ملوك نجد – لراشد بن علي الحنبلي
  • الأمثال العامية في نجد – خمس اجزاء – لمحمد بن ناصر العبودي
  • بلاد الحجاز منذ عهد الأشراف حتى سقوط الخلافة العباسية في بغداد – لسليمان عبدالغني مالكي
  • العلاقات بين نجد والكويت 1319-1341 – لخالد حمود السعدون
  • نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود – لعبدالرحمن بن أحمد البهكلي
  • مدينة الرياض: دراسة في جغرافية المدن – لعبدالرحمن الشريف
  • الحياة العلمية في نجد منذ قيام دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وحتى نهاية الدولة السعودية الأولى – لمي بنت عبدالعزيز العيسى
  • يوميات رحلة الحجاز – لغلام رسول مهر
  • جدة خلال الفترة 1286 – 1326 – لصابرة اسماعيل
  • حوليات سوق حباشة – لعبدالله بن محمد ابوداهش
  • معجم مدينة الرياض – لخالد السليمان
  • نساء شهيرات من نجد – لدلال بنت مخلد الحربي
  • صفحات من تاريخ مكة المكرمة – لسنوك هوروخرونيه
  • يوميات الرياض – لأحمد بن علي الكاظمي
  • رحلة استكشافية في وسط الجزيرة العربية – لفيليب ليبنز
  • مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ – لحمد الجاسر
  • نجد قبل الاصلاحات السلفية – لعويضة بن متيريك الجهني
  • اليمامة في صدر الاسلام – لعبدالله العسكر
  • الأطلس المصوّر لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة – لمعراج مرزا وعبدالله شاووش
  • تغيّر الأنماط السكنية في مدينة الدرعية – لبدر الفقير
  • الصلات الحضارية بين تونس والحجاز – لنورة معجب الحامد
  • تجارة السلاح في الخليج العربي – لفاطمة الفريحي
  • الحياة العلمية في وسط الجزيرة العربية خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين – لأحمد عبدالعزيز البسام
  • منطقة سدير في عهد الدولة السعودية الأولى – لعبدالله التركي
  • لمحات من الماضي – لعبدالله عبدالغني خياط
  • موجز لتاريخ الوهابي – لهارفرد جونز بريدجز
  • التذكرة في أصل الوهابيين ودولتهم – لجان ريمون
  • تاريخ الوهابيين منذ نشأتهم حتى هام 1809 – للويس ألكسندر أوليفيه
  • الديباج الخسرواني في أخبار أعيان المخلاف السليماني – للحسن بن أحمد الضمدي
  • الادارة العثمانية في متصرفية الأحساء (1871-1913) – لمحمد بن موسى القريني
  • دومة الجندل منذ ظهور الاسلام – لنايف الشراري
  • رحلة الحج من صنعاء الى مكة المكرمة للعلامة اسماعيل جغمان – تحقيق محمد الثنيان
  • أعمال الملك عبدالعزيز المعمارية في منطقة مكة – لناصر الحارثي
  • الحياة الاقتصادية في الحجاز في عصر المماليك – لمحمد محمود العناقرة
  • التنظيمات الداخلية في مكة المكرمة بعد دخول الملك عبدالعزيز – لمي آل ثابتة القحطاني

بل ان الأمير سلمان قد خصص مؤخراً منحة لدراسات وبحوث تاريخ الجزيرة العربية، فاز بها مؤرخين وباحثين متخصصين في تواريخ وموروثات اقاليمهم.

والمنهج الاقليمي ينسحب على حقل البحث الجغرافي.. هذه مجموعة مختارة لأوائل المعاجم الجغرافية، التي وضعها رواد البحث العلمي في المملكة:

  • معجم اليمامة – لعبدالله بن خميس
  • معجم مقاطعة جازان – لمحمد بن أحمد العقيلي
  • معجم بلاد غامد وزهران – لعلي السلوك الزهراني
  • عالية نجد – لسعيد بن جنيدل
  • معجم بلاد القصيم – لمحمد العبودي
  • شمال المملكة – لحمد الجاسر
  • المنطقة الشرقية – لحمد الجاسر
  • قلب الجزيرة العربية – لفؤاد حمزة
  •  بلاد عسير – لفؤاد حمزة
  • آثار المدينة المنورة – لعبدالقدوس الأنصاري
  • بلاد رجال الحجر – لعمر العمري
  • معجم بلاد بارق -لعمر العمري
  • فرسان جزائر اللؤلؤ والاسماك المهاجرة -لابراهيم مفتاح
  • معجم منطقة عسير -لعلي بن ابراهيم الحربي
  • الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية -لعبدالرحمن بن عبدالكريم العبيد
  • معجم معالم الحجاز -لعاتق بن غيث البلادي
  • الرحلة النجدية -لعاتق بن غيث البلادي

وفي سلسلة “هذه بلادنا” الصادرة عن الرئاسة العامة لرعاية الشباب، التي كانت تصدر بدعم مباشر من الأمير فيصل بن فهد وباشراف من محمد عبدالرزاق القشعمي وتجاوزت الخمسين مؤَلفاً، تناولت كل حلقة منها مدينة بعينها. وحظي اقليم القصيم وحده بتسع حلقات:

  • بريدة – لحسن الهويمل
  • مدينة عنيزة بين الأمس واليوم – لمحمد بن عبدالله السليمان
  • الجواء – لصالح الوشمي
  • المذنب بين الماضي والحاضر – لعبدالرحمن بن عبدالله الغنايم
  • الربيعيّة – لعبدالعزيز بن راشد السنيدي
  • الرس – لعبدالله الرشيد
  • البدائع – لعبدالله العبيد
  • الشماسية – لعبدالله الوليعي
  • البكيرية – لعلي المقوشي

لا احد من كل من ورد اسمه من الروّاد والباحثين في حقول التاريخ واللغة واللهجات والفلكلور والانثروبولوجيا والجينالوجيا (الأنساب) يدعو الى الفئوية او يتعصّب الى منطقته فقط لأنه دأب -ويدأب- على دراسة ثقافات بيئته الاقليمية، وابراز موروثاتها الاجتماعية المحلية وتدوين آدابها وحكمتها وخصائصها العامة والخاصة.

ان القول بتعصب ايٍ مما سبق او رميه بالفئوية او المناطقية، هو عيّن التعصب وصميم الفئوية.. بل هو الجهل المطبق بقضية التوثيق التاريخي والافتئات الصريح على مسارات البحث العلمي ودوافعه.

Posted in مٌباشرة للتدوين | 2 تعليقات

خمسون عاماً على إبطال الرقيق: قصة تجارة العبيد في الحجاز [1855 -1962م].

-1-

اهداء

الى عبيد ومواليد وجواري الجزيرة العربية قبل عام 1962م..  قاسيتم أبشع انواع المرارات، لتشقى ضمائرنا اليوم أضعاف ذلك من وطئة ما حمله -او سكت عنه- التاريخ !

..والى الشباب الناهض في بلادي المملكة العربية السعودية.. أضع بين أيديكم في تهيّب وتواضع صفحة من تاريخنا القريب، خليق بنا ان نستوعب -معاً- ملامحها وتفاصيلها، ونمحص ذهنياً المفاهيم التي انطوت عليها، كي لا نعيد راهناً انتاج أيٍ من صور ذلك الماضي الكسيف.. وكي لا نستمرئ -من جديد- اي تدهور في الجهالة او انغماس في حمأة الشقاء.

-2-

تنويه لابد منه:

ان لكل عصر جوهره وقيمه ومفاهيمه وملابساته ومعتقداته وظنونه التي فطر عليها، وله -أيضاً- منطق تبدلاته وتحولاته، المرهون بمواطن القوّة وتوازناتها.. وكل ما ورد في البحث عن أفراد او عوائل او أعيان او قبائل او أعراق أو أجناس أو مُدن أو مذاهب لا يمكن ان يُقرأ الا في سياق حركتها وأدوارها التاريخية الخاضعة لمفاهيم وقيم زمانها ومكانها. ان حضورها في هذا البحث انما ينطلق من زاوية واحدة -هي زواية البحث-، التي لا يصح، ولا يمكن معها، اختصارها باطلاق أي أحكام نهائية او قطعية تمسّها.

أما لماذا هذا الموضوع؟

ان ثمة فئات كانت غائبة غالباً من سجلّ التاريخ، وقد حُكم عليهم خطأً في غيابها وكأنها خارج التاريخ، رد ذلك أن تجربتهم التاريخية ورواياتهم كانت أقرب للحجب بفضل تقييم انتقائي لمصادر محتكرة. ان تاريخ الحجاز وفيه مواقع القوة والأبويّة والنبالة والبيروقراطية ومؤسسات العلم والمدارس، تم توثيقه جيّداً دون ان يرافقه توثيق كافٍ  لتاريخ صامتيه وفئاته المهمشة.

وليس في عزمنا أن نفتح مسارب الآلام وان كان من واجبنا ان نهتك الأستار، ونكشف الأعماق، ونخوض الرحلات الطويلة في أغوار العوائد والأدواء الموبوئة، الا اننا -وبشجاعة الباحث ونزاهة العلم- نعيد ترتيب ذاكرة أمّتنا الجماعية، بغية معالجتها؛ بتبيان مصائبها، وايضاح نوائبها، ووصف شقائها، وترتيب دوائها.

يقول عبدالعزيز التويجري في كتابه (لسراة الليل هتف الصباح): “وحتى لا يتهمني أحدٌ أنني أنكأ جروحاً، أضع في وجه هذا الاحتمال أن جرحاً لا يجد من يفسر سببه ومُسبباته سيظل ناغراً إذا بقي دفيناً في مدافن سوء الفهم والأحقاد الخبيثة، لا تعالجه تفسيرات وينظفه من التلوث وضوح في الرؤية، قد تصيب عدواه جسد الأمة وتاريخها، وينتقل من الفرد الى الجماعة في وباء يقوده هذا الجرح على طرقات لا هادي لها. فإن الجرح ينغر بعد حين اذا كان البناء على فساد”.

-3-

مصادر البحث:

يعتمد البحث في مصادره، وبشكل ريادي في هذا الباب، على أرشيف وزارة الخارجية البريطاني في المقام الأول، فهو يمسح بشكل شامل ومتفحص ونقدي جميع المراسلات الرسمية لدار الاعتماد البريطاني (القنصلية) في جدة فيما يخص مسألة العبيد، كما يستعين بوثائق متناثرة تم جمعها من أرشيفات أخرى كأرشيف وزارة الهند البريطانية، وأرشيف وزارة المستعمرات البريطانية، وأوراق قليلة من الأرشيف العثماني (لصعوبة توفره)، ومواد أرشيفية صحفية تعود لبعض وكالات الاخبار العالمية والصحف المحلية، ومؤلفَات لمؤرخين محليين مثل أحمد زيني دحلان وعبدالله غازي أو رحّالة مكثوا بالحجاز مثل المستشرق الهولندي سنوك هوروخرنيه والضابط الروسي عبدالعزيز دولتشين أو عرب مهجريين مثل أمين الريحاني، وبعض مذكرات القناصل المتعاقبين على جدة – ناهيك عن توضيحات وشروحات الباحث التي تعتمد على مصادر وقراءات وروايات مكتوبة او شفهيّة متفرقة عن تاريخ المنطقة.

*

قصة تجارة العبيد في الحجاز [1855-1962م]

 كتب: محمود عبدالغني صباغ

 العبودية نتيجة الضعف، والجهلُ سبب الضعف. والحرية نتيجة القوة، والعلمُ سبب القوة.- حمزة شحاتة

قبل خمسين عاماً بالتمام أُلغي الرق مطلقاً بقرار رسمي. هذا تطواف تاريخي سريع يبدأ من عام 1855م وينتهي بعد لحظة اعلان الغاء الرق في المملكة العربية السعودية بقليل.

في عام 1855م أصدرت الدولة العثمانية مرسوماً بقضي بمنع بيع الرقيق في جميع الأراضي الخاضعة لسيادتها. وطلب كامل باشا والي الحجاز العُثماني المقيم في جدة، من قائم مقامه في مكة، أن يجمع دلّالي الرقيق، ويخبرهم بالاجراءات الجديدة، بمقتضى أوامر الباب العالي.

يصف أحمد زيني دحلان، مؤرخ مكة المعاصر لتلك الفترة، في (خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام) تسلسل الأحداث بعد ذلك الاجتماع بشئ من الايجاز: فلما علم الأهالي في مكة صاروا من ذلك في انزعاج واضطراب، وصاروا يقولون: “كيف يمنع بيع الرقيق الذي أجازه الشارع؟” .. وتنادوا بالجهاد، واجتمع طلبة العلم في بيت رئيس العلماء ومفتي الأحناف، الشيخ جمال شيخ وطلبوا اليه ألا يرضخ لما يخالف الشرع وان ينتقل معهم الى دار القاضي ليمنع صدور ذلك الأمر، فلما مشت جموعهم في الشوارع انضم اليها الجمهور ونادوا بالثورة واشتبكوا مع الاتراك في قتال عنيف وامتد القتال الى المسجد الحرام، فقُتل فيه عدة أشخاص من الفريقين، فلما انتهت الاخبار الى الشريف عبدالمطلب بالطائف غضب للأمر وجمع جموعه من القبائل لاعانة الأهالي في مكة ضد الترك، فخف الاتراك الى جدة وتحصّنوا بها، واعلن كامل باشا ان المراسيم السلطانية قد وصلت اليه بعزل عبدالمطلب وتولية الشريف محمد بن عبدالمعين بن عون [1].

لكن نحن يجب ان نُخضِع رواية الدحلان الكلاسيكية تلك لشئ من التفكيك.

كانت الدولة العثمانية خارجة لتوها من حرب القرم مع روسيا، يقف الى جانبها حلفاؤها الجُدد البريطانيون والفرنسيون، الذين ضغطوا عليها لالغاء تجارة الرقيق على أراضيها ولاتخاذ بعض الاصلاحات فيما يخص حقوق الأقليّات. ولاذت النخبة العثمانية التي كانت تميل نفوسها الى الاصلاح بتلك التوجّهات الدولية، فبلورت شروطها في فرامانات اصلاحيّة أبطلت في احداها ممارسة الرقيق.

وكان النفوذ الاوروبي في الحجاز والبحر الأحمر يشهد تصاعداً منذ توقيع اتفاقية التجارة العثمانية-البريطانية عام 1838م.. وما صاحبها من تنامي لمشاعر العداء المحلية ضد التجار والرعايا الانجليز القادمين حديثاً لمزاحمتهم في ميناء جدة. تزامن ذلك أيضاً مع نفوذ شركة الهند البريطانية وارهاصات شروق شمس الراج البريطاني على شبه القارة الهنديّة واخضاع عدن للسيطرة البريطانية عام 1839م، وما رافقه من بدء ترتيبات منح امتيازات للحجاج الهنود الذين باتوا يحملون الرعويّة البريطانية، ويحظون اثر ذلك بعناية غير مسبوقة من قبل القنصلية البريطانية في جدة.. وهي امتيازات خاصة شملت مجالات الصحة والرسوم الجمركيّة والكورنتينات والتنقل. خدش ذلك مشاعر الوطنيين وكراماتهم في مدن الحجاز وبواديه.

هكذا كانت نغمة التوجس من الأوروبيين في أوجها لدى المحليين. ولما كان كامل باشا، والي الحجاز، اقرب لأفكار النخبة العثمانية المستنيرة، أشاع ضده أمير مكة العشائري، الشريف عبدالمطلب، بانه موالٍ للنصارى، يريد بذلك الطعن في هيبته والتقليل من شعبيته.

كان عبدالمطلب – قبيل اندلاع فتنة منع الرقيق في مكة –  قد تورط في حادثة مقتل نقيب السادة العلويين في مكة السيّد اسحاق بن عقيل بصورة بشعة – كون الأخير كان حليفاً لرجال السلطنة، خصوم الشريف في مكة، في صراعه الدائم والمفتوح على السلطة.

وأدرك عبدالمطلب، الذي تحصّن في اطراف الطائف، حضن الحجاز العشائري، فاراً من مواجهة جنود الوالي، دنو صدور مرسوم اعفائه من شرافة الحجاز، فوثب الى استغلال موجة العداء الشعبية التي انفلتت من عقالها مع صدور قرار منع بيع الرقيق، وتماهى مع غارات المضار، فأجج في نيران الفتنة بما اتفق مع مصالحه.

لم يكن عبدالمطلب مدفوعاً بايمان أيديولوجي في تبنيه لمطالب الغوغاء بالشارع المكّي قدر ما نُظر دوماً لموقفه على انه استغلال سياسي وتوظيف ذرائعي. وبالمثل، لم تكن عوامل اندلاع الفتنة في الشارع بريئة خالصاً.

لقد أجبر عبدالمطلب، بإيعاز من دلاّلي الرقيق في مكة وتجار جدة، علماء مكة الى اصدار فتوى تناهض قرار الغاء تجارة العبيد. ثم قاد مناوشات عسكرية ضد الحامية العسكرية التركيّة، قبل ان يتقهقر ويتحصّن في صفوف المقاومة طيلة سبع أشهر.

انتهت الأزمة لاحقاً بالقاء القبض على عبدالمطلب من قبل السلطات العثمانية ونفيه الى سالونيك باليونان، لكن قرار الغاء الرقيق في ولاية الحجاز كان قد جُمّد الى أجلٍ غير معلوم.

كان الحجاز يخضع حينها لفضاء المحيط الهندي الكبير، وهو فضاء ثقافي وحضاري ممتد جغرافياً، تشد أطرافه المتباعدة حركة التجارة البحرية المنطلقة من البحر الأحمر الى تخوم الصين. وقبل صعود أفكار الدولة القومية عالمياً، اشترك الحجاز، مع مصر وسواحل السودان والقرن الافريقي وتنزانيا وكيبتاون، وسواحل تهامة واليمن وحضرموت ومسقط مع غرب القارة الهندية وسنغافورة وأرخبيل ملاوي (أندونسيا وماليزيا) وأجزاء من تايلاند والصين، في وحدة ثقافية وبشرية كان ابرز معالمها الانتماء للمذهب الشافعي، الأشد في التأصيل الفقهي – والأكثر تساهلاً – مع عادة شراء العبيد، وفي “اجتهادات” ورُخص التسرّي بالجواري.

الحجاز، الفقير يومها ومنعدم الموارد الذاتية، والذي كان يلمّلم شظايا شخصيته الحضارية، يريد استئناف دوره واستعلان موقفه من جديد في حركة التاريخ.. كانت سموم العوائد القديمة قد اجتاحت بنيته الذهنية فيما لا يزال هو يقاوم للخروج من وهنه الناتج من رزحه تحت وطأة غفلات الأبويّة وأوهام التقليد.

لقد سوّرت متاعب الزمان وتوابع المحن بسورها السميك على العقول التي تَلِفت ازاء التقاط اي حجة او شرعة ضداً على الواقع السائد للعوائد الكسيفة.

ومرّ عقدان ساكنان ويزيد منذ تمرد عبدالمطلب، واحداثه لفتنة مكة.

وفي العاشر من يناير 1877م، نشرت التايمز اللندنية خبراً من جدة عن رجل أسود عشريني سبح الى البارجة فاون المرابطة على ساحل جدة طالباً تخليصه من ربقة العمل مع النوخذة الذي يملكه.. فما كان من قائد البارجة، الكوماندور وارتن، الا تسليمه الى القائم بالأعمال في قنصلية جدة، السيّد أوزوالد، الذي سلّمه بدوره الى الوالي التركي، ممثل السلطات العثمانية المحلية في جدة.

واستشاط غضباً من مضمون الخبر المنشور في التايمز كلا من السادة جوزف كووبر وادموند ستورج من جمعية مكافحة العبيد، وارسلا برقية عاجلة من مقر الجمعية في 27 نيو-بورد ستريت بلندن الى قنصلية جدة، يخبرانهما بأنه كان الأدعى الالتزام من قبلهم بقوانين اتفاقية العاشر من اغسطس 1876م الخاصة بعدم تسليم العبيد اللاجئين لسلطات بلدانهم. [2]

واضطر السيّد أوزوالد ازاء التساؤلات الحقوقية والصحافية الى فتح تحقيق رسمي خلص الى الآتي: الرجل اللاجئ الى البارجة، اسمه مرجان، وهو نوبي، اُختطف عن طريق البربر عبر مجرى النيل الى ميناء القصير ومنها هُرّب مع مجموعة أخرى من العبيد الى جدة، حتى بيع الى احد ملاّك القوارب الشراعية في جدة؛ اسمه ابراهيم عجلان، الذي سخّره لأعمال التحميل ومساعدة الركاب في سنبوكه. واعترف مرجان ان مالكه كان يُحسن معاملته ولم يكن يضربه قط. ولكنه كان يشتكي من تعرض جسده للبرودة حيث لا تكفيه ملابسه الخفيفة. ولأجل ذلك لجأ -عفوياً- للبارجة.

واعتبر اوزوالد، في تقريره المرفوع، انه حيث لم تكن هناك اتفاقية بيّنية ملزمة فيما يخص العبيد اللاجئين فقد تم تسليمه للوالي التركي، الذي اعاده بدوره لمالكه بعد انتفاء دعوى اساءة المعاملة. [3]

كانت محاولة مرجان أولى حوادث لجوء العبيد الى الجهات القنصلية البريطانية في جدة.. وهي وان مرت دون تدخل جوهري، فانها ستشكّل نقطة تحوّل في طريقة عمل الجهات القنصلية الأجنبية ازاء العبيد اللاجئين فيما بعد كما سنرى.

كانت تجارة العبيد مزدهرة بين ضفّتي البحر الاحمر: في انطلاقها من موانئ تاجورة (جيبوتي) وزيلع (الصومال) وبربرة ومصوّع (ارتريا) الى موانئ البحر الاحمر الآسيوية.

وضمت تجارة العبيد الى جزيرة العرب عناصر افريقية عدة من ارتريا والصومال وجيبوتي واثيوبيا يدخلون عبر موانئ جدة والحُديدة والمخا، وقوقاز وجاويين يأتون في مواسم الحج، ونساء هندوس من بومباي ونساء من فارس وزنجبار يأتون عبر قنطرة جُزر كمران (بالبحر الاحمر).. بعضهم للاحتياج المحلي والآخر يجري اعادة تصديره شمالاً الى تركيا ومصر.

وبدت تجارة العبيد متجذرة حينها بشكل يتعذر معها مجرد التفكير في اجتثاثها، حد ان نائب القنصل البريطاني في جدة، مستر وايلد قد كتب في مذكرته التوضيحية الى الخارجية البريطانية في 1877م بان “ممارسة الرق في الحجاز غدت مؤسسة معقدة حيث انها تمارَس منذ عهد النبّوة، وان التدخل بين العبيد وملاّكهم انما هو مسألة شديدة الصعوبة”.. لكنه عاد واستدرك بأن عبيد جدة يجري معاملتهم بشكل انساني وخال من الاهانات ونادرا ما تسجل ضد ملّاكهم اي شكاوي. [4]

وصير الى مبادرات تنظيمية كان مُلهمها الأول الحد من نشاط تهريب الرقيق المتفاقم.

وفي الأول من ابريل 1877م، رُصد على قارب “قونيه” الذي يملكه عيسى بن خليفة من تجار سواحل الخليج، ستة عبيد كان يجري تهريبهم للحجاز من قِبل وكيله سلطان بن حارب. وفطنت حينها السلطات البريطانية، الى حِيَل التهريب عند تجار الخليج ومتعهدي النقل البحري فيه. ورأىَ  ماكدونالد، نائب الادميرال، “ان غياب قوائم المسافرين الهنود للحج وعدم طباعة اسم الراكب على التذكرة سبب في رواج تجارة العبيد بين رعايا الهند والحجاز”. [5]

وفي الحادي والعشرين من مارس 1877م اصدر الكوماندور كلايتون المقيم في مسقط الى نائب الادميرال ماكدونالد، يخبره ان عدداً كبيراً من العبيد يجري تهريبهم سنوياً من سواحل الخليج العربي الى الحجاز في مواسم الحج. [6]

وشرعت القنصلية البريطانية في الزام وكلاء شركات البواخر والقوارب في جدة، التي تتعامل مع حجاج الهنود وسواحل الخليج، على كتابة اسماء الركاب على التذاكر وتقييدهم في قوائم دخول.

وظلّت اكبر مسارات جلب العبيد لجدة تلك التي تأتي بالمخطوفين من اثيوبيا عبر وكلاء عرب مستقرون في موانئ تاجورة وزيلع ومصوّع ومنها عبر البحر الاحمر الى ميناء الحُديدة ومنها الى جدة واسواق مكة في مواسم الحج.

وقدّر الكوماندور بويز في السويس في 3 يوليو 1877م عدد من جرى تهريبه من اثيوبيا -وحدها- الى ميناء الحديدة بثلاثين ألف عبد فقط في عام 1876م. كان العبيد يصلون للميناء ويباعون عبر وكلاء ومن يفيض يجري نقله الى مكة والطائف وينبع والمدينة دون اعتراض من السلطات التركية. ويقدّر عدد الذين يستهلكهم او يُعيد تصديرهم سوق جدة سنوياً من عشر آلاف الى خمسة عشر ألف عبد.

وكانت جدة، درّة موانئ اقليم الحجاز، مركزاً رئيسياً لوصول العبيد، فيما كانت مكة، عاصمة الاقليم، مركزاً لاعادة تصديره، اضطراداً مع حركة مواسم الحج.

كان العبيد ينزلون على موانئ الحديدة وجدة وينبع على التوالي.. وحين سأل الكوماندور باوليت، الذي زار جدة لتفقد احوالها في يناير 1878م الوالي التركي في جدة، ان كان مينائيّ الليث والقنفذة يُستخدمان ايضاً لتهريب العبيد، اجاب بالنفي لان البدو سيسرقونهم فور رسوّهم. [7] وكان البدو يقتنون عبيدهم من جدة بالشراء.

ولم يخلو بيت في مكة والمدينة وجدة من العبيد والجواري، الذين يُستخدمون للعمل كسقائيين للمياه وعمال يدويين وقراريّة (عمال بناء) ومرافقين وباعة في الدكاكين ومديرين ومحاسبين وصيادين، ناهيك عن القيام بالأعباء المنزلية. والنساء هن جاريات وسريات للمُلاك الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة الزواج الرسمي، بحسب تعاليم المذهب الشافعي، وهن ايضا سراري للأثرياء والمترفين الباحثين عن التسليّة.

وكان كثير من العبيد في سوق مكة يعودون لرعويّة بريطانيا او رعويّة الهند الشرقية الهولندية. وأغلب الرق الهولنديون ينتمون لجماعات: البورنيو، والسيليبس او من جزر نياز- وكلها في اندونوسيا الحالية- وهم يُرسلون اول مرّة الى مصر، ومنها في مواسم الحج الى الحجاز. وكثير منهم يُسترقون في قصور أمراء مصر.

وكان من ضمن العبيد الاثيوبيين المجلوبين للحجاز مسيحيون بالولادة، كما رُصد جواري في مكة من هندوستان.

وعقدت مصر مع بريطانيا اتفاقية في الرابع من اغسطس 1877م لالغاء الاسترقاق والنخاسة في جميع انحاء القطر المصري، ومنحت الاتفاقية البريطانيين حق توقيف السفن المصرية للتفتيش عن العبيد.

وتأثرت تجارة الرقيق في ميناء الحديدة مع القوانين الجديدة، وتفاعلت السلطات التركية في البحر الاحمر ببطء، وشرعت الى توفير قارب تجديف صغير في ميناء جدة للمراقبة الا انه لم يكن ذي اي تأثير. [8]

وشرعت القنصليات الاجنبية في جدة في تحرير العبيد اللاجئين اليها وترحيلهم الى ديارهم الأصليّة – لكن هذا تسبب في اندلاع فتنة بين اوساط القبائل.

وحدثت فتنة في اطراف مكة، واختل الأمن في الطرقات خصوصاً في طريق جدة-المدينة المنورة، ومع شهر رمضان، الموافق يوليو 1883م، خرج بعض المتمردين من قبائل زبيد وبشر ومعبد وسليم، والثلاث الاوائل بطون مسروحية تنتمي لقبيلة حرب، “خرجوا في طريق جدة، وصاروا ينهبون الحمل الذي يمر بهم” بحسب احمد زيني دحلان في خلاصة الكلام. [9]

وحين همّوا الى الاعتداء على القنصليات الأجنبية في جدة، تصدّى لهم الشريف عون الرفيق، وقاتلهم حتى تقهقروا الى عسفان، فأدركهم وأوقع بهم حتى اطاعوا له، وساقوا جملة من المبررات التي دعتهم الى اشعال الفتنة، كان في صدارتها “أن النصارى يأخذون رقيقهم، ويطلقونهم من أيديهم ويرفعون الرق عنه، حتى عصي عليهم عبيدهم” – بحسب دحلان.

 وبات ظاهراً ان يلجأ الرقيق الهارب الى القنصليات الاجنبية في جدة ويحتمون بها للحصول على شهادات الحرية. وكانت القنصليات تمنحهم شهادات حرية دون الرجوع الى ولاية الحجاز او انتظار اوراقها الرسمية. ويحتوي الارشيف العثماني تفاصيل قصة عبد هارب توجه الى استانبول في اغسطس 1889م مع افراد اسرته بعد حصوله على ورقة الحرية من القنصلية الايطالية في جدة دون موافقة الولاية. [10]

ونادى القنصل الانجليزي في جدة الأهالي صراحة باطلاق سراح عبيدهم في نوفمبر 1891م.

وكانت السلطات العثمانية تشعر بالضيق ازاء ذلك التدخل السافر في شئونها الداخليّة. وتوجست اسطانبول من اهتمام بريطانيا المتزايد بالحجاز، كونه كان يخالف مصالحها اقليمياً.

وعاد عثمان نوري باشا واليا للحجاز في فترة ثانية في منتصف 1892م.. لكن عداؤه الشخصي القديم مع الشريف عون الرفيق لم يلبث الاّ واندلع من جديد، محوره السيطرة على الحكم، وظاهره قضية الرقيق.

واُنتدب احمد راتب باشا من قبل السلطان عبدالحميد للتحقيق حاملاً معه تعليمات تتلخص في اربع مهام، أولها: التحقيق في تمرد القبائل في الحجاز بسبب اعتراضهم على فرار عبيدهم.

ورشا عون الرفيق، راتب باشا بستة آلاف جنيه ذهباً وضِعت في صرّة وسلمّت له لحظة وصوله في ميناء جدة، يؤكد الأفندي محمد نصيف ان الأخير قام بعدها جنيهاً جنيهاً. وكتب راتب باشا تقريرا يؤيد فيه الشريف، ويبرئ ساحته ضداً على الوالي، الذي حمّل اللائمة عليه. [11]

واجتمع راتب باشا ببعض شيوخ القبائل بوساطة من الشريف عون بن ناصر الذي انتدبه لأجل ذلك، ولما التئموا احتموا باسم جناب السلطان ورموا بعقلهم واشمغتهم على الأرض حسب العادات العربية مطالبين بالعفو، واعتبروا ان تمردهم كان احتجاجاً على فرار عبيدهم، وتراخي عثمان نوري المنحاز للاجئين والمدفوع الى رفع الرق عنهم.

- دكة الرقيق؛ مؤسسة تجارة العبيد المكيّة:

ولما استفحل امر الدراويش المهديون واستولوا على الأقطار السودانية في مطلع 1885م، الغوا قرارات غوردن باشا واعادوا تجارة الرق الى افظع ما كانت عليه، فتدفق الى الحجاز، عبر عصابات سودانية محليّة، موجات ضخمة من الرقيق السوداني. وبات نشاط تهريب الرقيق من ميناء سواكن يجري في العلن، وعبر مجموعات ضخمة تتجاوز الألفيّ شخص مع كل حمولة بحرية. [12]

وكما ازدهرت تجارة الرقيق والجواري في الحجاز، ازدهر معها نشاط شراء الحجاج العبيد لاعتاقهم، واعادة حرياتهم اليهم. وغصت مدن الحجاز بالأرقاء العتقاء، بل ان مدينة كاملة في جوار المدينة المنورة، وهي خيبر، قد تألّفت حصراً من الارقاء السابقين.

وبرزت في مكة مؤسسة دكّة الرقيق، وكانت سوقاً للعبيد في اطراف سوق سويقة، على مقربة من باب الدريبة، يقوم عليها شيوخ التجارة، وملحقة بأحواش مفتوحة غير كبيرة يحبس فيها الرقيق في المساء.

وكانت مراسم البيع تجري بحضور شاهديّن، وتُسجّل في اوراق مجلوبة ومُصدقة من المحكمة الشرعية.

ويصف المستشرق الهولندي سنوك هوروخرنيه الذي مكث في مكة عام 1884م، أجواء ومناخات بيع العبيد والجواري في دكّة الرقيق.. “ازاء الجدار تقف الفتيات والنساء من الجواري على الدكّة، والكبار منهن لا يرتدين سوى حجاب خفيف، ويقف أمامهن على الأرضيّة الرقيق الذكور، وفي بهو القاعة يلعب مجموعة من العبيد الصبيّة. ويجلّس الدلالون على مركازهم ويتبادلون أطراف الحديث سوية او مع بضاعتهم من الرقيق”. [13]

فيما يصف طقوس الشراء.. “واذا اهتّم زبون بصبي أسود صغير، يقوم الدلاّل المخصص بمناداته، ويطلب منه الكشف للزبون عن شعره، واقدامه، وبقية أطرافه؛ ويجبّر الصبي على فتح فمه واستعراض لسانه واسنانه، فيما يقوم الدلّال باستعراض مواهبه للزبون المهتّم”. [14]

واذا جاء المشتري لابتياع جارية فحصها فحصاً دقيقاً من قمة رأسها الى أخمص قدميها كما تُفحص البهائم. فاذا تحقق من لباقتها ولياقتها سامها من البائع.

ويقوم المشترون عادة بعدة اختبارات للرقيق قبل اتمام عملية الشراء. فيسألونهم ان كانوا يتحدثون العربية، ويسألونهم بعض الأسئلة الشخصيّة.. ثم يقومون بالكشف عن علامات الاصابة بالجدري، ويبحثون في اجسادهم عن ختم “جدرّي خالص” تنويهاً عن تلقيحهم ضد الجدري – واللقاح كان يُمنح في الحجاز، مشفوعاً بشهادات اعتماد مختومة من مفتي الشافعيّة في مكة، ولكن قلّما كانت تمنح هذه الشهادات للعبيد.

واذا ظلّ في نفس الزبون قليل من الشك، فانه يصطحب العبد الذي ينوي شراؤه لفحصه عند طبيب مقابل عائد مادي، او يقوم بصلاة “الاستخارة”.. اما اذا كان يعمل بالرمل والندر، فهو يذهب لشيخ الرمل ليقرأ طالعه قبل اتمام صفقة الشراء. [15]

وأخيراً يسأل السيّد الجديد عبده: “هل انت راضٍ؟”.. ومن خلال الاجابة، حتى لو جاءت بالسلب، يدرك الرجال بفراستهم فرص نجاح العلاقة الجديدة من عدمها.

ووقف الضابط الروسي عبدالعزيز دولتشين الذي زار مكة متخفياً في عام 1898م على اجواء دكّة الرقيق، ووصفها بالمحفل الرهيب.

يقول دولتشين: “وعندما زرت هذا السوق، كان هناك زهاء 80 شخصاً معظمهم شابات حبشيّات مع اثنتين او ثلاث منهم اطفال رضع، وجميعهن مزيّنات ومصفوفات فرقاً على دواوين طويلة؛ وكان هناك مقعدان يجلس عليهما كادحون راشدون من الزنوج، لابسون بعناية ومقصوصو الشعر.. يشرف على البيع تاجر عربي نشيط راح يمدح بصوت مدو مزايا بضاعته”. [16]

لقد خلص دولتشين الى ان ما رأه قد ترك في نفسه انطباعاً كئيباً ومُرهقاً جداً.

لكن المستشرق هوروخرونيّه، الاعتذاري للشرق وممارساته وأخلاقه، اعتبر ان الرحّالة الأوروبيين الذين يحكمون على تجارة العبيد في الحجاز باستعلاء وبفرض تام لقيّمهم انما يجافون الواقع ويغلّبون نظرتهم السطحية والمستعجلة للأمور. “وأسفاً فإن غالب المستشرقين ينقلون لنا ملاحظات سطحيّة عن ممارسات الرقيق في مكة”، يقول هوروخرونيه. [17]

ويرى هوروخرونيه انه لا يمكن ان يشتري احد في اسواق مكة اي عبد ذكر دون ارادته، لكن هذا الشرط يجري التسامح معه مع الرقيق الاناث والجواري. وان الرقيق اذا استشعر سوء المعاملة فانه يصرّ على بيعه حتى يرضخ مالكه، فيعيد تسليمه الى دكّة الرقيق. لكن ذلك كان يجري دون غطاء قانوني.

ويقول هوروخرونيه: “لا تبدو على الرقيق في البيوت اي علائم للحزن او السخط، وهم لا يسكبون دمعة واحدة على تقييد حرياتهم. لكنهم يبدأون في الاعتراض اذا ما تم اساءة معاملتهم حتى ينالون فرصة أخرى للبيع لمالك آخر”. [18]

واذا اخطأ العبد فان عقوبة الضرب على أسفل قدميه في انتظاره. يصف هوروخرونيّه ذلك المشهد كما شاهده في احد حارات جدة: “يضجع العبد على بطنه، ويرفع قدميه للسماء، فيما ينزل المالك او احد رجاله بعصا “الفَلَكَة” على اسفل قدميّه، فيما يصرخ العبد معلناً التوبة، وطالباً العفو بإسم الرسول” [19] .. لكن هوروخرونيه يعود ويستدرك ان هذه العقوبة هي نفسها التي يستخدمها أهالي الحجاز ازاء ابنائهم المشاغبين، نافياً اي شبهة تمييز.

ويخلص المستشرق هوروخرونيه الى تسامح المجتمع المكّي واحترامه للعبيد.. كون العديد من الجواري، انما يصبحن أمهات لمكيين، فيما يعقب العبيد الذكور أسيادهم في مهنهم ومكاناتهم الاجتماعية، بل ويحملون ألقابهم العائليّة. [20]

وهو يضرب مثلاً بأحد “كُباريّة” مكة، ممن ينحدر من عائلة أرستقراطية مكيّة عملت في الافتاء، في وصف المعاملة فائقة الاحسان التي يتعامل بها العبيد في الحجاز، فيشير الى تعامله شديد التهذيب حد التدليل لمرافقه المملوك، في احد الغدوات التي كان يحرص على لقائه فيها بشكل دوري ابّان مكوثه في مكة – واغلب الظن ان المقصود هو صديقه الحميم السيّد عبدالله الزواوي، مفتي الشافعية في مكة.

ويذهب هوروخرونيه، الذي كان يحكم على المظاهر بشكل نسبي، ان “عبيد” مكة هم في حقيقة الأمر الموازون للخدم والمساعدين الشخصيين في اوروبا “المتحضّرة”. ويكاد يُفرط في اعجابه بالتعامل الأفضل الذي يحظى به العبيد في بيوت مكة. فهو يعلن  رفضه للأحكام القاسيّة التي يُصدرها بعض المستشرقين الاوروبيين في عجالة ضد ظاهرة العبيد في الشرق، معتبراً انها مؤسسة متجذرة اجتماعياً، ولها أصولها القرآنية، التي يصعب الغاءها بجرّة قلم، او بمطالب نزقة من الغربيين. [21]

احد العبيد الصبية، يرتدي الزي المكّي، يحمل مولوداً لأحد أثرياء مكة. تصوير المستشرق الهولندي سنوك هوروخرونيه

لكنه اعتبر ان اسوء الممارسات البغيضة التي تترافق مع تجارة العبيد، والتي لا يمكن التسامح ازاءها اطلاقاً، هي ظاهرة “الخصي” لفئة الأغوات الذين يحق لهم الدخول في مجالس النساء الارستقراطيّات، او اؤلئك الذين يعملون في فِراشة الحرم المكّي الشريف.

ولم يُخفي هوروخرونيه بغضه لممارسات اختطاف الأطفال في افريقيا وبيعهم في اسواق الجزيرة العربية، لكنه اعتبر ان السؤال الجوهري يتعلق بنوعية الخطاب المعقول الذي يجدر بالغربيين استخدامه بما يساعد على القضاء على الظاهرة من جذورها، لا مفاقمتها من خلال اعلان العداء لها اعلاميا وسياسيا والترصد لممارسيها. [22]

وهو يضرب مثالاً بالسياسات الأوروبية المتخذة في القرن الافريقي لمكافحة تهريب الرقيق. “لقد اجبرت “الجلاّبين” [اي مهربي العبيد] على اتخاد مسارات أبعد وأكثر وعورة، تصل الى اثني عشر ساعة من المشي على الأقدام للوصول الى الشاطئ، وهو ما يعزز من فرص الوفيات بين الاطفال. “ان سياسات محاربة الرقيق، لم تقلّص من اعداد المهربّين، لكنها فاقمت من اعداد الوفيّات”، يقول هوروخرونيه، الذي وجد في المقابل السياسات العربية في الحجاز اكثر انسانيّة.

هوروخرونيه خلص الى ان تجارة العبيد ستنتفي بالتنميّة البشريّة الحقيقية للمجتمعات الافريقية الفقيرة والمعوزة، “لأنها ستعلي وقتها من قيمة الحياة للأفراد” [23]. وهو ما كان يراه مفقوداً في أبجديات الخطاب الاوروبي الذي اعتبر انه يريد معالجة المسألة بالارجاف والتهمة وفرض سياقاته المختلفة بشكل متعسف.

- الدستور العثماني الحديث، انتصار مؤقت للحريّات:

وبعد اعادة صدور الدستور العثماني في عام 1908م، وصعود الاتحاديين للحكم في الاستانة (اسطانبول)، تشددت السلطات ازاء تجارة العبيد في ولاية الحجاز، امتثالا لبنود الدستور.

وصدر فرمان، نُشر في صحيفة تقويم الوقائع (Taqvim-i Veqayi) في الثلاثين من اكتوبر 1909م بالتأكيد على منع تجارة العبيد والتأكيد على حريتهم اياً كان لونهم او جنسهم – بحسب الدستور – وان اي مخالفة لذلك يُعد بمثابة جريمة يُعاقب عليها القانون.

لكن مع عام 1910م يفيد تقرير للخارجية البريطانية بأن تجارة العبيد في الحجاز كانت لا تزال رائجة – وان بإستتار- خوفاً من التشديد الحكومي الأخير. ويسمّي التقرير اسماء التجار الذين يعملون في تجارة العبيد في ميناء جدة، كان أبرزهم؛ سعيد قاسم الصعيدي، ووكلائه: باسودان الحضرمي، والصافي الحضرمي. [24]

- ما بعد الثورة العربية؛ الشريف وتجارة العبيد:

وعادت التجارة للازدهار من جديد مع قيام الثورة العربية الكبرى التي انطلقت من مكة في 1916م ضد الاتحاديين. لكن الشريف حسين، ملك الحجاز وقائد الثورة، سيقوم بعد اقل من ثلاث سنوات – في عام 1919م- باغلاق سوق العبيد الشهير في مكة الذي يحمل اسم “دكة الرقيق”، وفي البدء في التضييق على نشاط التهريب.

وبزغت ازاء الترتيبات المحلية واغلاق اسواق ودكك الرقيق بدائل مبتكرة لبيع وتسويق العبيد في مدن الحجاز. كان العبيد بعد هبوطهم لأرض الميناء يوزَعون على منازل الدلالين في جدة الذين يقومون بدورهم ببيعهم سراً، لا في سوق او مزاد علني، وانما بالدلالة المباشرة. [25]

وارتفع سعر العبد الذكر مع حلول عام 1921م في جدة الى ستين جنيهاً استرلينياً. اما العبدة المؤهلة بالقيام بأعباء المنزل فوصل سعرها الى مائة جنيه استرليني. [26]

عام 1918م: صورة لامرأة افارقية تقيم في بيوت الخصف خارج سور جدة، ويظهر عمران المدينة في الخلفية. للمصور الفرنسي تشارلز وينكلسين. من مقتنيات محمود صباغ.

ومع ديسمبر 1921م عادت تجارة العبيد لسابق عهدها مع تراخي السلطات. ويفيد تقرير المايجور مارشال، قُنصل بريطانيا، الذي بعثه الى قيادة البحر الاحمر في بورسودان، بأنه لم تعد للحكومة الحجازية الهاشمية القُدرة على السيطرة على تجارة العبيد، ولا مُلاحقة المهربين، حد ان بعض رجال الجُمرك الفاسدين يُقدِمون بين فينة وأخرى على تلقي رسوم جمركيّة رسمية على شحنات العبيد، وآخرها شحنة قادمة من اليمن محمّلة بعشرين جارية حبشية – تماماً مثل الايام الخوالي قبل الدستور العثماني!

وبيع الشاب عثمان آدم -16 سنة- من قِبل آدم عبدالله البرناوي في جدة الذي كان قد احضره من سواكن للعمل معه ثم حينما تقاعس باعه بـ44 جنيهاً. وتم البيع بواسطة الشيخ محمد جبركاني احد شيوخ البرنو، فيما كان الدلّال الشيخ ادريس مالك الذي تحصّل على عمولة البيع ومقدارها أربع جنيهات.

كان من وجهاء الجاليات الافارقية المستقرّة في مكة من يتوسط ويعمل دلالاً في بيع العبيد المجلوبين من افريقية، وكثيراً ما كانوا يتخذون اساليب المراوغة والحيلة.

وفي موسم حج عام 1921م، اُختطف عبد مرافق لأحد ميسورات السودان وتدعى عيشة يوسف. اختطفه منها في جدة احمد محمد ابوبكر. وحين ارادت استعادته توسطت لدى شيخ البرنو في مكة محمد فونتامي الذي افادها بوفاة مالِك العبد، وان العبد اصبح من الآن ملكا للشريف ودفع لها تعويضا. وذهبت عيشة الى المدينة المنورة وتزوجت فيها، وحين عادت الى جدة وجدت عبدها السابق قد سُلّم من الفونتامي الى شيخ آخر للبرنو تمهيدا لبيعه لمصلحة الأول. [27]

وفي رسالة من نائب القنصل في جدة للقيادة في بورتسودان بتاريخ 10 يناير 1922م، تفيد بوصول اعداد كبيرة من الاطفال الاثيوبيين المخطوفين للحجاز، وبشكل يومي. ورُصد في الأول من يناير وصول 37  طفل، وفي الثاني من يناير 45 طفل، وفي الرابع من يناير 5 اطفال. وصلوا جميعا من ميناء تاجورة في الصومال الفرنسية (جيبوتي)، حيث تم شحنهم بالسنابيك الى ميدي في اليمن عبر شيخ ميناء ميدي الشيخ عبدالمطلق، وفي ميناء حبل عبر الشيخ سعيد بن مساعد، احد وسطاء تجار عبيد الدنقلة بين سواحل ارتريا وتجار الحجاز. [28]

وفي جدة كان يستقبل الاطفال المهربين السيد عبدالحميد ابن عبدالمطلوب بعد ان ترسو سنابيكهم في الرويس او جنوب جدة حيث مقبرة النصارى، خارج السور. وكان تهريب العبيد ممنوع رسميا لكن يجري غض البصر عنه مقابل رشوة مقدارها 3 جنيهات ونصف عن العبد. [29]

وفي الحالات القليلة التي يجري اخطار السلطات بالعمليات وتقوم بمداهمتها، يجري اعتقال المتورطين عبر شرطة جدة المحلية.

وكان شيوخ تجارة العبيد في ميناء تاجورة – وهي احد مقاطعات جيبوتي الست: علي احمد، حسن محمد، داود خنبشي وجرّات العبلي. [30]

وفزع الصحفي العربي/الامريكي أمين الريحاني ابان زيارته للحجاز وعسير في انحاء عام 1922م من تفشي داء العبودية.. فكتب وهو في تهامة تغلفه مشاعر الاحباط: “كنت أؤمل، على فرض وجود الرقيق والنخاسة، ان تكون الحكومة ناهضة للأمر متعقبة المجرمين، ساعية في محق هذه التجارة المستنكرة، الأثيمة، فوجدتها في الحجاز وعسير نائمة -وا اسفآه- او متناومة، او عاجزة. بل وجدت الحكومة أحيانا حليفة الرعاع”.  [31]

والى جانب دكّة الرقيق في سويقة، كان هناك دكك للرقيق في كل من المدينة والطائف، وسوق للرقيق في جدة على بعد خمسين مترا من دار القنصلية البريطانية. فيما كان سوق عرد في تهامة احد اعظم اسواق الرقيق، وكان سوق ميدي مركزاً لتصدير العبيد الى عقبة اليمن والعسير وجدة. يقول امين الريحاني: “واذا اراد أحد السادة الأدارسة شراء جارية حسناء يجئ الى ميدي فلا تضل خطاه ومناه”.

ووجد الريحاني بشئ من الأسف، “ان في الحجاز من يحللون ويحبذون النخاسة ومنهم من يأسف انها غير مستمرة ويلعن المراقبة البريطانية”. [32]

وفي التاسع من مايو 1922م اخبر السير اوليفانت من الخارجية البريطانية الشريف حسين ان حكومة الملكة لن تدخل في اتفاقية ثنائية مع دولته ما لم تشدد القبضة ضد تجارة العبيد. [33]

وفي رسالة من قائد البارجة كورنفلاور الى الشريف الحسين في 22 يونيو  1922م، نجده يدعوه للتعاون في الغاء العبيد من جديد. [34]

الحسين ابدى امتعاضه من النظام الحالي للرق ولكنه كان يبرر بأنه كزعيم اسلامي يصعب عليه الغاء ما تجذر في الثقافة الاجتماعية للحجاز من شيوخ البادية وأعيان الحضر – فهو يكتفي بألا يُنكر ولا يؤيد. يقول المايجور مارشال، قنصل بريطانيا، انسجاماً مع تبريرات الحسين، بأنه يجب ان تكتفي حكومة بريطانيا بانتزاع ادانة أخلاقية من الحسين للرق.

واعتبر المايجور مارشال في رسالة الى الخارجية البريطانية في 29 مايو 1922م، انه ليس من الموضوعية الحكم الأخلاقي ضد الشريف ازاء ثقافة تجذرت في التربة الحجازية والعربية لقرون. [35]

وكان من الاوروبيين في جدة من تورط في تلك الممارسة. فالقنصل الايطالي استقدم عبدة من ارتريا، وطبيب هولندي معروف يقيم في جدة اشترى جارية حبشية في نوفمبر 1921م مقابل سبعين جنيهاً ذهبياً استرلينياً. [36]

وتعاونت السلطات المحلية في الحجاز مع الطلبات البريطانية لتحرير رعاياها – يعود ذلك لنشاط وزير خارجية الحجاز، الشيخ فؤاد الخطيب.

وكان القنصل البريطاني يرسل بأسماء وجوازات من يعتقد انهم تجار للعبيد، للخارجية الحجازية التي كانت ترد على الاستفسارات بشكل فوري.

في السادس والعشرين من ديسمبر 1922م، اشتبه القنصل بخمس تجار يحملون الجواز الحجازي من اصول حبشية كانوا في اتجاههم عبر ميناء جدة الى عدن: سراج بن بكر، عربو بن محمد، محمد وحمزة بن ثاني، وعلي بن عبدالله – وكلهم في عقد الثلاثينات، ولكنه عاد وأكد انه لا يملك اي دليل ادانة ضدهم. [37]

وكان كثير من مهربي العبيد في تلك الفترة أحباش يحملون جوازات سفر حجازية يحصلون عليها بالحيلة او بالرشوة، مثل علي بن عبدالله الحبشي، حامل جواز حجازي رقم 11/1060 بتاريخ 26-6-1341هـ. [38]

وصالح بن ابراهيم الحبَشي، حامل جواز حجازي رقم 3/237 بتاريخ  14/1/1342هـ. واسمه الأصلي صالح ابراهيم تراب، والده ابراهيم تراب، حبشي يحمل الجنسية الفرنسية، من كبار تجار العبيد في تاجورة. كان صالح قد هرّب الى جدة في يونيو/يوليو 1923م، مائة وثلاثين عبداً، منهم ستون امرأة، تتراوح اعمارهم ما بين 10 و 25 سنة، عبر سنبوك “فتح الخير” الذي يملكه علي محمد من خوخة اليمانية، حيث استلم شُحنتهم احد اخوته الصغار في جبل الشِحر باليمن، وانتقل بها صعوداً على ظهور الجمال الى جدة حيث التقاه اخوه صالح ووالده ابراهيم الذي التحق بهما من ميناء مصوّع. وقد بيع عبيد ابراهيم تراب المجلوبون الى جدة بأربعين الى سبعين جنيه للفرد. [39]

كانت السلطات الفرنسية تحاول الحد من التجارة البغيضة المنطلقة من سواحلها. وقبض على المُهرب ادريس بن عبدو الحبشي، حامل جواز حجازي رقم 2/200 بتاريخ 11 المحرم 1342هـ، حال وصوله الى ميناء جيبوتي، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات مع خمسة تجار حبوش آخرون يحملون جوازات حجازية كان من ضمنهم صالح تراب الذي تلقى حكماً بالحبس مدته ثلاث سنوات.

وفي مايو 1923م، لاذ آدم بن يحيى من أهل الفاشر الى القنصلية البريطانية.

جاء آدم لمكة في 1917م وهو لايزال طفل حر تم خطفه من بلاده، وبيع الى رئيس شرطة مكة منصور بن زاهر، وظل يعمل في خدمته ست سنوات، وحينما طلب منه اعتاقه او بيعه، باعه على احد شيوخ حجاج الجاوا من المكيين، ثم استرده واخبره بانه سيبيعه لشخص اكثر وجاهة على أمل اعتاقه. وفي غضون ذلك التحق به في مكة عمه عبدالله بن محمد، والشيخ جبريل وكلاهما من وجهاء الفاشر، سعياً منهما لضمانه واثبات أصوله الحرة.

في السادس والعشرين من مايو 1923م، قدّم وزير خارجية الحجاز فؤاد الخطيب اعتذاره للحكومة البريطانية واعتمد اخلاء سبيل آدم للسودان على الفور. [40]

- القنصل البريطاني بولارد - عهد من الترصد لمقتني العبيد:

عُيّن ريدر بولارد قنصلاً ومعتمداً بريطانياً في جدة في يونيو 1923م وبقي معتمداً حتى حصار السعوديين لجدة، قبل ان يترك منصبه لنائبه المستر جوردان، قبل سقوط جدة بأشهر معدودة في يد جيوش ابن سعود.

 كان بولارد سادس معتمد قنصلي رفيع يجري تعيينه في الحجاز بعيد اندلاع الثورة العربية الكبرى التي تحالف فيها شريف مكة مع البريطانيين.. ولم يكن بولارد مثل القناصل المخضرمين الذين جرى تعيينهم عقب الثورة مباشرة، من امثال الكولونيل سيريل ويلسون، الذين عبّروا عن تجربة طويلة وعميقة في فهم الذهنية الشرقية واحترام مطامح العرب وتطلعاتهم. بولارد، على النقيض، كشف عن موقف عدائي اتسم دوماً بالصلف والتكبر الاستعماري.

اشتهر بولارد بمعاندته لمطامح الشريف السياسية حتى اتسعت الهوة بينهما، واتخذ من حوادث اقتناء وانتهاك معاملة العبيد مدخلاً واسعاً لملاحقة الشريف واعوانه وكبار التجار في الحجاز، وان كان من الانصاف ان نذكر ان كثيراً من مواقفه اتسمت -ولو ظاهرياً- بالإنسانية. بولارد لاحقاً في مذكراته التي حملت عنوان: “الجِمال يجب ان ترحل” (The Camels Must Go)، اعترف بأن الوضع بين الحسين وبريطانيا “كان مثالاً من امثلة العداء بين الشرق والغرب. وهو عداء كثيرا ما ينشأ بسبب ان كل طرف من الطرفين ينظر الى الأمور من وجهة نظر مختلفة”. [41]

وتُظهر وثائق الخارجية البريطانيّة، ان بولارد انتظر عاماً كاملاً قبل ان يتبنى النبرة الضارية ضد اقتناء الحجازيين للعبيد.. يعود ذلك لموقف الشريف حسين المتعنّت ازاء توقيع الاتفاقية البريطانية-الحجازية الذي كان يتطور بشكل طردي.

كان الشريف حسين، يشعر بابتزاز البريطانيين له في تسييسهم لموضوع الرقيق على اراضيه. واضطر الحسين الى مواجهة ما لمس بأنه استغلال سياسي لموضوع الرقيق من قبل البريطانيين، بتسييس مُضاد.

وفي حادثة شهيرة، أمر فوراً باعتاق عبد سوداني فقط حينما كان بائعه المتورط سوداني آخر يحمل الرعويّة البريطانية، يريد بذلك خلق انطباع للبريطانيين بأن ممن يمارس تجارة العبيد أيضا ممن ينضوون تحت رعويتهم، وان ذلك لا يقف على رعايا الحجاز. [42]

ولربما نجح الشريف في خلق ذلك الانطباع، حد ان القنصل بولارد في رسالة منه الى رمزي ماكدونالد، وزير الخارجية البريطاني(ورئيس الوزراء البريطاني فيما بعد) في الحادي عشر من يونيو 1924، أقرّ بأن الرعايا البريطانيون من هنود مكة يمارسون بيع وشراء العبيد في مكة وجدة مثل الرعايا الحجازيين تماماً، وهو يستأذن منه استدعائهم  جميعا من مكة فرداً فرداً للتبيّن ما ان كان من يعمل في دورهم عبيد ارقاء حقاً ام مجرد عمال أحرار يعملون بالأجرة.

بولارد اقترح بدوره ان تمنح التابعيات الحجازية، للمطالبين بها من المهاجرين الهنود القدامى في مكة، دون ندم او تردد، كونهم قد استعرقوا في الحجاز بما يكفي، وانصهروا في تركيبة المجتمع الحجازي حتى انهم باتوا يمارسون أغاليظهم الاجتماعية ذاتها، بحسب تعبيره. [43]

وبدأ الحسين، مع معاندة البريطانيين له في مطالبه بتسويات عادلة في كل من سورية وفلسطين، بالتعنت ازاء قبول القنصليات الأجنبية لأي لاجئين من العبيد.

وفي احد المراسلات بين حكومتيّ الحجاز والخارجية البريطانية كانت تعترض الأخيرة على الرسوم الجمركية المفروضة على العبيد في ميناء جدة، فجاء الرد في جهة أخرى تماماً حول ضرورة تقديم تسوية عادلة في سورية ضد الانتداب الفرنسي. [44]

وخفت نشاط لجوء العبيد الفاريّن من ملاّكهم الى القنصليات الأجنبية، لتعنت السلطات الحجازية ازاء ذلك.

لكن في الخامس من اغسطس 1924م لجأت امرأة تدعى “مؤمنة” مع ابنتها الصغيرة وهي من اهل السودان الانجليزية الى دار الاعتماد البريطاني (القنصلية) في جدة تطلب تحريرها وترحيلها الى وطنها – خارقة بذلك السكون الطويل. ومؤمنة كانت قد وصلت الى مكة قبل عام عن طريق بائعها في جدة محمد باعقومة وهو سوداني. فارسل بولارد الى الشريف حسين في مكة في 13 اغسطس لاصدار اوامره الى قائم مقامه في جدة لتحريرها. [45]

باعقومة كان قد فلت من الاعتقال في جيبوتي الفرنسية وعاد الى جدة من جديد حيث قبض عليه في قضية بيع امرأة اخرى حتى ان القنصل البريطاني عبر عن استيائه من تراخي الفرنسيين عن ضبط سواحلهم في رسالة امعتاض وجّهها الى القنصل المؤقت الفرنسي في جدة السيد كلال وهو من اصل جزائري. فارسلت الخارجية الفرنسية من باريس رسالة الى السفير البريطاني في باريس في 23 سبتمبر 1924م للتفاهم المشترك حول التعاون بين قنصلية البلدين في جدة للحد من تجارة العبيد. [46]

كان الحسين في أواخر عهده حاسماً في منع قبول القنصليّات الأجنبية في جدة لأي حالة لجوء من الرقيق، مع وعود صارمة منه بملاحقة المهربّين. ونحن كلما اقتربنا من لحظة تنحي الحسين عن العرش ورحيله الى المنفى نلمس ازدياد حساسيته ازاء القضايا “السيادية”. يقول بولارد الذي عاصر آخر ستة عشر شهراً للشريف حسين وهو في العرش، كمعتمد قنصلي في جدة: “طيلة ستة عشر شهراً قبل تنحي الشريف حسين، فقط امرأة واحدة لجأت للقنصلية بطفلها [وهي مؤمنة السودانية] – البقية كانوا يرتعبون من الحسين ومن قبضته الحديدية وكانوا لايجرؤون على الاقتراب منا”.  [47]

واخذت قضية اختطاف فتاتين جاويّتين مسيحيتين وتهريبهما لمكة أبعاداً دولية. الفتاتان كانتا في طريقهما الروتيني لأحد جزائر ارخبيل الملايو، لكن سمساراً حضرمياً اعترض طريقهما واختطفهما الى سنغافورة ومنها الى مكة، حيث بيعتا بمقابل 500 جنيه استرليني للفتاة، لندرة الجاريات الجاوّيات آنذاك وشدة الطلب عليهن. ووصلت الفتاتان، كما تشير وثائق الخارجية البريطانية، الى نفر من آل شيبي، وان كنّا لا نعلم بالبيع ام بالاهداء – وآل الشيبي من اقدم عائلات مكة وأكثرها وجاهة بعد عائلة الشريف. وحينما وصل الأمر للسفارة الهولندية اخطرت بدورها فؤاد الخطيب، وزير الخارجية الحجازي، الذي اصيب بانهيار عصبي جرّاء ذلك الخبر، كونه يأتي في وقت حرج على الدبلوماسية الحجازية التي كانت تواجه خطراً حدودياً عسكرياً محدقاً يشي بزوال دولتها. ومرر الخطيب الخبر بطريقته للشريف حسين، وكان الخطيب يريد تخفيض الخسائر الدولية، فاستشاط الشريف غضباً واعتذر بحرارة للهولنديين وامر باطلاق الفتاتين وبتوبيخ المتورط من آل الشيبي بشكل معلن وصارم، لرغبته في اظهار ان عدالته تنسحب على الجميع. [48]

وبعد تنازل الشريف حسين، ورحيله الى المنفى، تقاطر العبيد الى مبنى القنصلية البريطانية في جدة طلباً للعتق والترحيل الى بلادهم الأصلية. يؤكد بولارد في وثيقته التي حررها من 16 صفحة الى وزير الخارجية البريطاني: “لحظة رحيل الحسين الى منفاه بميناء العقبة تقاطر العبيد على القنصلية البريطانية، مع أقلية ارترية لجأت للقنصلية الايطالية”. [49]

 وفي الثامن عشر من ديسمبر 1924م حررت القنصلية البريطانية فردين لجئا اليها، بعثتهما الى ارتريا عبر جيبوتي، وكانا: بشير (واسمه الحقيقي ارصوره) عمره 12 سنة، ومالكه السابق: الشريف عبدالله مهنّا، وفرج (واسمه الحقيقي عنبر عبدالله) من اهل الفاشر في الطرف البريطاني-المصري ومالكه السابق: احمد الصبحي من عربان قبيلة حرب، وقد وصل الى سواكن في 25 ديسمبر 1924م، بعد عشرين عاما قضاها في إسار العبودية. [50]

واذا كان الشريف حسين، في آخر سنواته، قد تعامل مع دعاوي اطلاق العبيد ولجوءهم للقنصليات الأجنبية بجدة بحساسية شديدة، فاننا نلمس في المقابل نبرة اعتذارية من افراد طاقمه الوزاري والاداري المقرب.

ونلاحظ وجود محاولات نبيلة من فؤاد باشا الخطيب وزير خارجية الحجاز، وعبدالملك الخطيب سفير (مُعتمد) الحجاز بمصر، وناجي الأصيل، سفير (مندوب) الحجاز في لندن، وأبناء الحسين؛ علي وفيصل وعبدالله، لطي ملف الرق في الحجاز.. لكن جهودهم بعثرتها أولويات أخرى منها القضية الحدودية مع ابن سعود وشبح الحرب الذي كان يخيّم على الأجواء، وتضعضع الاوضاع الأمنية في نواحي القبائل الحجازية الساخطة على سلطة الهاشميين خارج المدن المركزية، وتأجيل توقيع الاتفاقيات بين البريطانيين والحكومة العربية الهاشمية في الحجاز نتيجة تصلّب الحسين حول بعض البنود التي كان يراها تخدش سيادته على الاراضي العربية وتخل بوعوده لأهالي فلسطين وسورية.

وفي اغسطس 1924م تورطت امرأة مكيّة في قضية تهريب للرقيق تناولتها الصحافة الدولية بشئ من الاثارة. كانت تلك السيّدة المكيّة تمكث في جاوى، عند احد عائلاتها المحلية الميسورة التي استعانت بها لتعليم بناتها اللغة العربية وتعاليم الإسلام، وحينما همّت للعودة لمكة طلبت منها العائلة ان تصطحب معها احدى بناتها لتقضي فريضة الحج معها، لكن السيدة عند وصولها الى مكة ادعت ان الفتاة من أملاكها وعاملتها على هذا الاساس. ووصل اخو الفتاة المختطَفة للحج، وحاول سراً تهريبها لكن السلطات اوقفته في بحرة (في الطريق بين مكة وجدة) واعادت الفتاة لمنزل سيدتها التي تمسّكت بها.

كانت صحيفة الديلي كرونكل البريطانية قد نشرت في السادس من نوفمبر 1924م، عبر مراسلها الجديد في البحر الأحمر – ومقره السويس، مستر جورج رينويك، تقريراً لافتاً تحت عنوان ساخط: “رعايا بريطانيون عبيداً للعرب” .. كشف فيه عن ممارسات الخطف التي تجري في الاراضي البريطانية في آسيا وافريقيا لعبيد يُباعون في الجزيرة العربية. وذهب التقرير الى ان تلك التجارة انما “تحظى بتشجيع ملكي من الحسين.. حيث ان احد وزراء حكومته يملك وحده 14 عبداً.. بل ان الحسين، نفسه، وهو في طريقه الى منفاه اصطحب معه عبيده الأفارقة”.

وارسل السيّد ناجي الأصيل الى السيد ماليت في الخارجية البريطانية، رسالة يعبّر فيها عن استيائه عما قرأه في صحيفة الدايلي كرونكل عن تجارة العبيد في الحجاز.. مؤكداً موقفه الشخصي المناهض لتجارة العبيد ومعلنا ترحيبه للتعاون مع وزير الخارجية الجديد في اضافة بند في اتفاقية الحجاز وبريطانيا تُبطل ممارسة العبودية. [51]

لكن مكة كانت اثناء ذلك قد سقطت في يد جيوش الإخوان ضداً على حكامها الهاشميين الذين تراجعوا الى حصون جدة. وتواصلت القنصلية الهولندية مع الخارجية السعودية وممثلها آنذاك الشيخ فؤاد حمزة، الذي كان يواجه امتحانه الدولي الأول في قضية الرقيق الحجازي، فوافق على الفور على اطلاق سراح الفتاة الجاويّة لكنه امر بتسوية لمصاريف سكن ومعيشة الفتاة في مكة تُدفع لسيّدتها.

وفي عام 1924 صعد نجما: المنشي احسان الله وهو مسؤول قنصلية بريطانيا في مكة، والسيد يوسف خان من وجهاء مكة من أصول هندية، وكانا يقاومان، بكل استنارة، ممارسة الرق في مكة.

ومع انتقال الحكومة الهاشمية من مكة الى جدة، وانتقال العرش من الحسين الى ابنه علي، بدأت مساعي بولارد لملاحقة ملاّك العبيد في الحجاز تأخذُ أبعاداً دولية.

ومع بدايات حصار جدة ارسل بولارد رسالة الى الحاكم المدني لولاية البحر الاحمر هاويل اسك، في 20 يناير 1925م، يخبره انه لن يقوم باستقبال اي من العبيد اللاجئين الى دار القنصلية على الفور كونه لايريد ان تمتلأ القنصلية بالعبيد الفارين في وقت حرب مما سيعقد المساعي الدبلوماسية، لكنه في المقابل سيتقيد بما نصت عليه اتفاقية بروكسل الأخيرة في الغاء الرق، باعتاقهم واطلاقهم احراراً في جدة – ولكنه اعترف بعدم جدوى ذلك كون العبيد المعاتيق يعودون الى ملاكهم السابقين تحينا لأفضل فرصة لترك الحجاز الـى بلادنهم الأصليّة. [52]

واعلن بولارد بأن اول مسألة سيفاتح فيها ابن سعود عند سقوط جدة هي حثّه على الغاء العبودية. لكن بولارد اعترف بضعف موقفه التفاوضي، كون التقارير الصادرة مؤخرا من جنوب افريقيا تفيد بمهازل يقيمها ابناء جلدته البيض ضداً على السود، لكنه قرر انه سيركّز علـى قضية الغاء الرق في الحجاز من منطلقات انسانية صرفة لا مُسيّسة. [53]

وكان بولارد يتنبأ بسقوط جدة الحتمي في يد جيش الاخوان، وهو لم يكن يخفي بغضه للعائلة الهاشمية في الحجاز. [54]

واعترف بولارد بأن الملك الجديد علي بن الحسين، كان نظرياً اكثر تحررا وانفتاحا من والده، وبانه ضد تجارة العبيد.

وكان علي، قد استهل ولايته الدستورية على ما تبقى من اراضي الحجاز، باعطاء وعود للقنصلية البريطانية تقضي بتحرير كل الرق الموجودين في الحجاز، وإبطال تجارة العبيد ومعاقبة ممارسيها، حال انتهاء الأزمة القائمة واسترداد سلطاته لعافيتها. ثم اصدر قراراً نافذاً من حكومة الحجاز الدستورية يمنح العبيد حق الجوء للقنصلية البريطانية من جديد، خلاف التصلّب الذي ابداه والده. [55]

ومع مارس 1925م واشتداد أزمة حصار جدة، لجأت بعض عوائل الحجاز الميسورة الى مصر طلباً للسلامة واعلاناً للحياد. وارسل بولارد القنصل البريطاني في جدة الى المعتمد السامي البريطاني بالقاهرة في العاشر من ابريل يناشده بايقاف كل من يصطحب عبيده معه وبأن يرغمه بقوة القانون على اطلاق سراحهم.

كان الفارون من الحجاز يذهبون الى موانئ مصر والسودان كمجموعات عائلية تضم عشرين فرداً في المعدّل يرافقها خدم شخصيّون يدخلون مصر بجوازات “خدم” – لكن بولارد كان يصّر على ان هؤلاء رقيق تم شراؤهم.

واخبر القنصل الهولندي في جدة، بولارد، بأن المطوّف الحجازي المعروف، السيّد محمد نور جوخدار يصطحب معه جارية جاوية اسمها “موار” اعيد تسميتها بنعيمة وانها تعمل عنده كجارية، وأن نور جوخدار في طريقه للسويس مع عائلته. فطالب بولارد من حاكم السويس تعقبّه ومعاقبته. [56]

وفي رد من حاكم السويس في الثاني والعشرين من ابريل 1925م الى قنصلية جدة.. أفاد بانه جرى تعقب الشيخ محمد نور جوخدار وتحديد مقر اقامته بفندق الحميدية بالسويس حيث كان يقطن مؤقتاً كلاجئ سياسي مع عائلته وخدمه ومن ضمنهم نعيمة، منذ الخامس من مارس 1925م قادمين علـى متن الباخرة الايطالية إلتريسو. لكنهم وجدوا بعد اجراء التحقيقات سلامة موقفه، ورضا نعيمة التام بأوضاعها.

وأقرّ الشيخ الجوخدار في سير التحقيقات، بأنه اشترى نعيمة كجارية قبل عامين، من تاجر الحبوب الجدّاوي مصطفى اسلام مقابل خمسين جنيه استرليني، ثم منحها حريتها، وقام بتوظيفها لديه للخدمة المنزلية بناء على طلبها ومقابل راتب شهري قوامه 3 ريالات مجيدية، وانه لا يعرف والديها وان كان يظن انهما يقطنان في جاوى. واقرّت نعيمة، وهي شابة في الخامسة والعشرين، بأن اسمها الفِعلي موار، وانها ولدت في جزر الهند الهولندية وانها حينما كانت في الخامسة اختطفت عبر امرأة اسمها رحمة وهي التي قامت بتهريبها الى مكة حيث مكثت معها اثني عشر عاما ثم بيعت لأخت الشريف حسين التي باعتها بدورها للتاجر مصطفى إسلام ومنه لمحمد نور جوخدار. وان اسم والدها محمد طاهر من بوقس، وهو من رعايا هولندا. وان ابن مالكها السابق كان يتسرى بها. أما محمد نور جوخدار فقد اعتقها لوجه الله وان معاملته لها انسانية ونبيلة. وأكدّت بانها حرة بشكل تام وانها لا تريد ان ترفع اي دعوى وانها ترغب في الاستمرار كعاملة مع بيت جوخدار. [57]

وأرسل بولارد الى مُفوّض الشرطة في بومباي في 29 يونيو 1925م يطالبه بتعقب أسرة الحاج عبدالله علي رضا، قائمقام جدة، ووكيل شركتيّ البواخر: ترنر مورسون وخطوط ناسا للملاحة البحرية في جدة – التي رحلت بحراً الى بومباي، يرافقها سودانيتان وامرأة يمنية اسمها “صفرار”، وحبشيّان هما: ريحان وتحسين – يعتقد بولارد بأنهم رقيق. كما طالب بولارد في ذات الرسالة بتشديد الرقابة على عوائل التجار الحجازيين القادمين الى كراتشي وبومباي هرباً من الحرب العامة، وضرورة التأكد من ان مرافقيهم الافارقة مجرد خدم يعملون مقابل أجرة متفق عليها لا رقيق.

وفي رد من شرطة بومباي في 26 اغسطس 1925م أفادت بتحرّيها الواقعة، لكنها برأت ساحة عائلة علي رضا كون الجوازات التي حملها الخمسة المذكورون تشير الى ان وظائفهم “عمال منزل” والى اقرارهم الشخصي بذلك، كما أكد مأمور الشرطة الى صعوبة اثبات عكس ذلك في اي محكمة هندية. [58]

وحاول سكرتير المستعمرات في سنغافورة ملاحقة تاجر الأخشاب الشهير ومتعدد الجنسيات السيّد ابراهيم عمر السقاف على خلفية بلاغات من شرطة بنانغ حول تهريبه لفتيات صينيات صغيرات من سنغافورة الى مكة.

كان السيّد (الداتو) ابراهيم، اكبر ابناء السيّد عمر السقاف، يتحدر من عائلة حضرمية الأصل استعرقت بين مكة وسنغافورة، ولها اعمال تمتد على طول امتداد فضاء المحيط الهندي الكبير. والسقّاف على امتداد ثروته وجاهه كان محسناً كبيراً، ينشط في مجال تبني الفتيات الصينيات الفقيرات لتحسين شروط معيشتهن.

وفي 17 مايو 1924م، تابع سكرتير المستعمرات بلاغ اختطاف فتاتان صينيتان اسمهما مهجة ووهبة واعمارهن 16 و17 على التوالي، عبر السيد سالم بن شيخ السقاف، وثبت مع التحقيقات انهما كانتا ابنتان له وزوجه نور بنت طاهر السقاف بالتبني وانهما انتقلتا للعيش في قصر ابراهيم السقاف في المعابدة في مكة. وعبثاً حاول السكرتير اثبات انهما مسترقتان – الا انه عاد واعترف انه لا يملك اي دليل ادانة ضد السيد السقاف. [59]

وكان الصينيات مرغوبات للتسري عند العرب حيث تصل اسعارهن الى مائتي جنيه كما في عمريّ  مهجة ووهبة.

وفي الثاني من يونيو 1925م ارسل القنصل بولارد من داخل سور جدة رسالة الى سلطان نجد، عبدالعزيز ال سعود يطلب منه تحرير مجموعة من الحجاج النيجيرين من رعايا بريطانيا الذين كانوا في طريقهم من المدينة الى جدة سيراً على الأقدام عندما أغارت عليهم جماعة من البدو وخطفتهم واستعملتهم كعبيد في ميناء القضيمة، وانهم محتجزون الآن في قصر بين رابغ وجدة في منطقة اسمها الخريبة [بئر مبيريك] من املاك شخص اسمه عبدالله. فابدى الطرف السعودي تعاوناً في ذلك.

وهربت “زهرة” من منزل آمنة بنت محمد الفضل في 23 يوليو 1925م ولجأت الى القنصلية البريطانية في جدة وطلبت اللجوء السياسي وارسالها الى وطنها السودان/فاشر. وقد ارسل المعتمد البريطاني رسالة بذلك في اليوم التالي الى الشيخ فؤاد الخطيب. [60]

وتسببت حادثة “زهرة” في احتجاج بعض الأهالي النافذين ضد تراخي حكومة الشريف علي.

وفي السادس والعشرين من اغسطس 1925م، في أوج حصار جدة، طلب الملك علي من نائب القنصل البريطاني المستر جوردان التوقف عن استقبال اللاجئين، غير انه وعد بابطال العبودية تماماً بعد انتهاء الحرب، بيد انه لا يريد اضعاف موقفه مع التجار والمحليين في الوقت الحالي. وارسل المستر جوردان، وكان اكثر تفهماً من بولارد لوجهة نظر الملك علي، الى القيادة البريطانية في السودان مؤكداً موقف الملك علي المناهض للعبودية، انما المشروط بنظرة واقعية. “الملك علي لا تروقه مظاهر العبودية المنتشرة، لكنه ايضا اقرّ بصعوبة الغاء ذلك بشكل قاطع لتجذّر الممارسة لقرون، فيما المسألة ينبغي مباشرتها برفق وتدريج، وانه نظرا لخصوصية المسألة، فانه يريد تجّنب اصدار اي قرارات قد تضعف من شعبيته اثناء الأزمة السياسية المندلعة .. لكنه وعد بالغاء الرقيق فور استقرار الحجاز وانجلاء أزمته”. [61]

لكن الخارجية البريطانية التي كانت قد رجّحت موقفها في الحرب لصالح ابن سعود، لم تعطي بالاً لمطالب الملك علي. وفي تلغرام من الخارجية البريطانية، الى نائب القنصل أبدت الخارجية عدم اقتناعها بالمبررات التي ساقها الملك علي، وأفادت بأن القنصلية يجب ان تستمر في استقبال اللاجئين وفي ارسالهم الـى ميناء سواكن بعد تحريرهم. [62]

 وفي سبتمبر 1925م لجأ السوداني “بلال” الى القنصلية البريطانية هارباً من مالكه الشيخ دخيل الله، والأخير تاجر مواد غذائية بشارع قابل التجاري، فوضعت القنصلية بلال في احد البواخر الراحلة لسواكن، غير ان دخيل اتهم بلالاً بسرقة صندوق جواهر منه، فطالبت الخارجية الحجازية عبر فؤاد الخطيب باعادته من الباخرة للمثول امام قاضي المحكمة الشرعية، ولكن لمماطلة المحكمة، بعد احدى عشر يوماً، من اصدار اي حكم، قام جوردان بتحدي السلطات الحجازية وترحيله الى السودان.

وكتب جوردان في 14 سبتمبر شارحاً الى الخارجية البريطانية: “لقد اضحى من عادات ملاك العبيد اتهامهم بالسرقة عند فرارهم والحصول على احكام في صالحهم من المحكمة الشرعية، التي تنحاز دوما للملاّك”. [63]

كان ذلك التضعضع والارتباك المتصاعد من طرف القيادات والمؤسسات والأهالي كناية صريحة عن أفول عهد على الحجاز، وبداية عهد سياسي جديد.

في 21 ديسمبر 1925م سُلمت مفاتيح جدة سِلماً الى السلطان ابن سعود، وبعدها بأيام اُعلن عن تأسيس الكيان الجديد “مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها” وهو بداية العهد السعودي على كامل أراضي الحجاز.

- الحجاز تحت الراية السعودية:

وتسارع نشاط الاعتاق بين اهالي مكة، وهناك من باع جواريه بنصف اسعارهن، حينما نزحوا الى جدة في جماعات قبيل دخول جيش الاخوان الى مكة. وهبط سعر الجاريات في دكة الرقيق في مكة من سبعين جنيهاً الى ثلاثين. [64]

وكان المطوفون يقنعون اغنياء الجاوا باعتاق العبيد المملوكين في مكة كونها مثل الصدقة الجارية. [65]

وتكرر هذا النمط قبيل سقوط جدة. ونلاحظ في نوفمبر 1925م في اوراق المحكمة الشرعية في جدة تسارع في نشاط اعتاق العبيد.

واعتق السيّد علي بن عثمان شطا، الذي لجأ كباقي أهل مكة الى جدة عند دخول جيوش الاخوان، في 1925م، زهرة عبدالله التي كان قد اشتراها من محامي الملك حسين في مكة الشيخ عمر، واصدر لها حجة صادرة من محكمة جدة الشرعية، لكنها آثرت البقاء معه والعودة الى مكة مع آل شطا حينما تستقر الاوضاع فيها.

حجة صادرة من محكمة جدة الشرعية لصالح زهراء بنت عبدالله ومالكها السابق السيّد علي بن عثمان شطا.

وتحرر كثير من العبيد بعد سفر اهل الحجاز ذعرا الـى موانئ مصر والسودان.

واعتق الشيخ احمد بن محمد سعيد تاج (اخو جمال وعبدالغني تاج الدين، وآل تاج الدين من اثرياء مكة الذين يتاجرون مع سنغافوره وبتافيا)، جاريته زهرة عبدالله السوداني وابنتها القاصر فريدة سالم، ودجد عبدالله من بتافيا وعبدالقاهر السوداني واثنتين أخرتين، كما تفيد صكوك المحكمة الشرعية.

وكان يمكن اتلاف الصكوك الشرعية او مصادرتها بكل سهولة. وبمقابل مبلغ بسيط من الرشوة كان يمكن اتلاف اي ارشيف في المحكمة الشرعية بجدة. [66]

ونشطت القنصلية البريطانية في ارسال المعاتيق الى بلدانهم. وفي رسالة من القنصل في 24 ديسمبر 1925م، الى السادة جلاتلي هنكي في جدة وكلاء الشركة الخديوية للملاحة، يطالبهم بتوفير تذاكر لنقل معاتيق الى سواكن: 26 شخص منهم: بخيتة ام مسعود، عبدالمولى بن سالم، عبدالله القصيمي، فرج لحياني، فرج الله، بلال، مبارك بن علي، ابراهيم تكروني وآخرون. [67]

ورحب ابن سعود في حوار مع القنصل البريطاني بجدة بالتشدد ازاء منع دخول العبيد الى الاراضي الحجازية ولكنه في المقابل اعتقد ان المنع يجب ان يجري بالتدريج كون اي خطوة استفزاز قد تؤلب ضده قبائل الحجاز التي لا تزال تعتمد على العبيد.

وأشار القنصل البريطاني للملك برصدهم  لوكلاء نجديين ينشطون في تجارة العبيد في عمان والاطراف الشمالية من الخليج العربي وتوريدهم لنجد، وأبدى الملك تفهمه وتعاونه.

وفي رسالة من السير اورفالنت من الخارجية البريطانية الى القنصل البريطاني في جدة في 22 ابريل 1926م، أملى عليه سياسة بريطانيا الجديدة مع ابن سعود. وطالبه باستصدار قرارات منه بتشديد الحدود لمنع دخول العبيد المهربين للحجاز وعسير، اضافة الى منح القنصلية حق تحرير وتسفير من يلجأ اليها .. ثم كخطوة تالية اعلانه لالغاء العبيد مستعيناً ربما بفتوى من علماء مكة، وعلى نهج ما فعلت قبرص في قراراتها لالغاء الخدم المرغمين في 1879م.

على اثر رسالة اورفالنت قام جوردان نائب القنصل ببعث خطاب الى الملك عبدالعزيز في 11 مايو 1926م، بذلك الامر.

رسالة من نائب القنصل البريطاني في جدة جوردان الى جلالة الملك عبدالعزيز

 وكانت سياسة ابن سعود هي عدم حرق المراحل والحرص على معاملة العبيد معاملة انسانية. [68]

وفي اول طلب رسمي للحكومة السعودية بالحجاز تقدم به نائب القنصل جوردان في 25 مايو 1926م، باعتاق المدعو عثمان موسى من اهل سواكن الذي اُختطف عام 1918م عبر الريّس عبدالخير بن الحسين، مالك السنبوك “خضرا” وبيع في ساحل ينبع لمازن بن عمر من اهل ينبع. وان عم عثمان: حسن عبدالفرج قد وصل ينبع لبحث سبل اعتاقه انما دون فائدة.

وجاء في جواب الملك عبدالعزيز بعد اربع ايام انه اصدر اوامره للسلطة المحلية في ينبع لتسليمه لعمه على الفور.  [69]

جلالة الملك عبدالعزيز يوجّه باعتاق المدعو عثمان موسى من اهل سواكن الذي اُختطف وبيع في ساحل ينبع.

 وتفيد احصائات القنصلية البريطانية انه خلال شهريّ سبتمبر واغسطس من عام 1926م تم تحرير 97 شخص عبر قنصلية جدة.

- معاناة مزدوجة:

وليس كل من تحررهم القنصلية في جدة وتعيدهم الى ميناء سواكن تنتهي معاناتهم عند ذلك الحد.

واُعتق سعيد أمان واطلق سراحه واُعيد للسودان في السابق لكنه عاد ادراجه الى القنصلية البريطانية في جدة بعد ستة اشهر يطلب اللجوء مجدداً!

حين وصل سعيد الى سواكن، بعد تحريره في المرة الأولى، عمِل معاوناً للناخوذة احمد مبارك الجهني على متن السنبوك “خضرا” من املاك محمد البربري من اهل سواكن. وفي رحلة تحمِل شحنة فحم متجهة الى جدة وبدلا من العودة مباشرة الى بورتسودان كما كان مجدولاً، انعطف السنبوك الى رابغ لتحميل بضائع ليجري تصريفها في جدة وبورتسودان على التوالي. ولكنه في الطريق توقف في قرية الرويس على مقربة من جدة فركب منها مصادفة مالك سعيد الذي فرّ منه في السابق، واسمه حامد بن قريب الجدعاني ومعه ثلاث عُربان هم: ضيف الله وحميد وحمدان، وكلهم من الجداعين. وحينما رأى الجدعاني عبده السابق، قام بارشاء النوخذة بـ 6 جنيهات استرليني مقابل تمكينه من مصير سعيد، رغم اعتراض ركاب السنبوك. وقام الجدعاني ببيعه بعيد ذلك في مكة الى مالك جديد اسمه حسن أبو النجا، من اهل مكة،الذي  فرّ سعيد منه بدوره من جديد الى دار القنصلية البريطانية التي وضعته للمرة الثانية في غضون ستة أشهر على متن الباخرة المنصورة التابعة للشركة الخديوية في طريق حريته الى بورتسودان. [70]

- أفارقة الحجاز:

وتوزع أفارقة مكة على جماعات اثنية منغلقة على نفسها منذ القرن الميلادي التاسع عشر، لكل جماعة منها شيوخها وشبكتها الاجتماعية الخاصة – تمركزت غالبيتها في منطقة البير المالح امام المنشيّة بحارة المسفلة او في حارة جرول. كان لكل جالية افريقية في مكة شيخها (كبيرها) الذي يفصل في خلافاتها بأحكام قضائية موازية، يعاضده نقيب مدجج بعصا، يقوم مقام السلطة التنفيذية.

ونحن نعلم ان من شيوخ البرنو في مكة في العشرينات الميلادية من القرن الماضي الشيخ محمد فونتامي (أو: فولاني) والشيخ محمد جبركاني، فيما كان شيخ الفلاتة: الشيخ سمبو.

وساهم الرقيق من افريقيا الشرقية والسودان واثيوبيا وافريقيا الغربية (التكارنة) في اغناء التنوع الثقافي والإثني لمكة والحجاز.

ومنذ عام 1885م وصف المستشرق الهولندي سنوك هوروخرونيه ملامح الحياة الاجتماعية للجاليات الافريقية/المكيّة وكشف شيئاً من مظاهر ثقافتهم الفرعية الهجينة.

فهم يقومون باحتفالات شعبية اسبوعية تبدأ من ظهيرة يوم الخميس وتمتد الى تباشير صباح الجمعة. وكان لهم في مكة ما اسماه هوروخرونيه بـ”الاوركسترا الافارقية“: فيلعب الزنوج في مكة بآلة العود “الطنبورة” المكيّة، مرفقة بآلات الطبل، فيما يرتدي الراقصون أحزمة مشغولة بحوافر الغنم تُخرِج قرقعة أثناء الرقص والاحتكاك… ثم يرقصون رقصة المزمار البلدي. وبين دورات الجوش يحتسي لاعبو العصا من شراب محلي مُسكر يسمّى البوظة. ثم يعودون ادراجهم للعمل مع ظهيرة يوم الجمعة. [71]

ويقول هوروخرنيه: ومأكلهم متوفر ولابأس به. وهم بعد تحريرهم يسعى الفرد منهم للعمل بالأجرة كعمال بناء او سقائي مياه، الخ. فيما اغلبهم يفضلون البقاء تحت وصاية الأسر التي خدموا فيها خصوصا اذا قرروا الزواج.

ويتصدى الزنوج ذو المواهب الأكثر بروزاً للأعمال المنزلية او يعملون كأمناء متاجر ومحاسبي دكاكين تجارية.

ان اثرياء مكة يحبذون ملء منازلهم بالعبيد، وهؤلاء العبيد بدورهم يعيشون حياة مترفة مقارنة بغيرهم ويجري التعامل معهم كأفراد من العائلة. اما الكفؤين منهم فيتحولون تلقائياً الى مسيّري شئون التجارة للأسر التي يعملون فيها حتى يغدو “العبد” في كثير من الحالات مجرد لفظ خالٍ  من اي مدلول.

 وأغلب عبيد المنازل يجري اطلاق سراحهم حال تجاوزهم سن العشرين، نظراً لخوف ملاّكهم من استمرار اختلاطهم كبالغين مع نساء الأسرة وجواريها، ثم ان التحرير يبقي العلاقة مستمرة انما يمنح المّلاك فسحة من الثقة مع الأفراد المُحررين. [72]

ويتنافس المعاتيق مع الرجال المكيين في كافة مجالات الحياة بنديّة متساوية.

 ولم تفرّق لوثة الاسترقاق بين أي طرف، كما انها لم تقف حكراً على اجناس الأفارقة والجاوى.

وارسل عيد بن سالم احد عُربان المدينة المنورة الذين تم أسرهم في احد معارك الاخوان وتم بيعهم، برسالة “نداء” بعثها في الحادي عشر من ابريل 1926م الى الوكيل القنصلي البريطاني في لنجا (على سواحل فارس) يخبره بملابسات اختطافه.

حينما حاصر جيش السلطان بن سعود المدينة كان عيد يخدم في حامية مدائن صالح ومع سقوطها تم تسليمه لجيش ابن سعود فنُفي الى قطر وهناك تملكه محمد بن فضال لمدة شهر ثم اخذه في قارب لثلاث اشهر بين جزر اللؤلؤ، وهناك حاول بيعه في جزيرة الشيخ (وهي جزيرة فارسية) لكنه هرب قبل ان يوقف في ساحل فارس ليعود ويمكث مع مالكه في نخيلو، حتى هروبه الثاني الان الى لنجا حيث يريد حسم امر حريته واثبات هويته. [73]

 و خدم عيد بن سالم في جيش الشريف حسين النظامي منذ 1915م حين كان في سن الخامسة عشر، وأكدّ في رسالته الى انه شخصية معروفة يمكن ان يضمنها هؤلاء السادة من اعيان المدينة: الشريف شحات، والشريف ناصر، واسعد بن طاهر سنبل وعبدالمحسن بن طاهر سنبل. وان عمّه هو جمعة بن شليّه واخوه هو عايض بن سالم.

وسمّت وثائق الخارجية البريطانية، في مايو 1926م، في رسالة للكولونيل بريدو، المعتمد السياسي في الخليج، اسماء تجار نجديون وحساويون يتاجرون في تهريب العبيد من سواحل الامارات الى دواخل نجد: عجيل النجدي في دبي، ومحمد القفيدي في دبي والشارقة والبريمي، وبن عتيق في الشارقة وعجمان، وعبدالله الطويل في الشارقة، ومحمد بن عبدالله النصيبي في عجمان. [74]

ووقّعت حكومة الحجاز، تحت الادارة السعودية الجديدة، اتفاقية الغاء الرق في جنيف في سبتمبر 1926م.. لكن لحداثتها في الحجاز الذي كان يدخل مرحلة سياسية انتقالية، لم تعطى الاتفاقية اي عناية، فاُهملت.

وفي عام 1926م استخدمت حكومة التاج البريطاني اسطولها الرابض في مالطا لمراقبة تجارة العبيد في البحر الاحمر. كانت بريطانيا لا تزال تُحكم السيطرة على البحر الاحمر، الشريان الامبريالي الاكثر اهمية لها.

ومخرت البارجة كورنفلاور (العنبر) القادمة من مالطا العباب بين عدن وجدة وبورتسودان. اما البارجة داهيلا (زهرة الأضاليا) تركت مالطا للبحر الاحمر في 1927م.. وآبت البارجة كليماتس (الياسمينة) من ميناء بورتسودان الى مالطا عبر جزر كمران اليمانية.

وكان متعهدو نقل العبيد بين ضفتي البحر الاحمر متى ما صادفوا بارجة حربية بريطانية، فانهم يوعزون في فورهم للعبيد بسرعة الاختباء، بعد ايهامهم بأن هؤلاء الرجال “البيض” انما هم من فصيل “أكلة لحوم بشر”. [75]

ومن سخرية الأقدار ان البارجة كورنفلاور التي كانت تُستخدم للتفتيش عن العبيد المهرّبين في سنابيك البحر الاحمر، كانت هي من تولى نقل الشريف علي بن الحسين، آخر ملوك الحجاز الهاشميين الى منفاه الأخير في 25 ديسمبر 1925م.

وفي مايو 1927م اعترفت بريطانيا رسمياً بالحكم السعودي لمملكة الحجاز ونجد. وأصبح السير اندرو رايان، ممثلها في قنصلية جدة، أول مسؤل دبلوماسي رفيع بعد التحولات السياسية الأخيرة وصعود ابن سعود على عرش الحجاز.

وتم توقيع الاتفاقية البريطانية-السعودية، فيما يعرف بـ”اتفاقية جدة“. وجاء في مادتها السابعة ان “يتعهد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بأن يتعاون بكل مالديه من الوسائل مع صاحب الجلالة البريطانية في القضاء على الاتجار بالرقيق”.

لكن في السابع من يوليو 1927م قام السنبوك الشراعي “سلك الهوا”، الذي يملكه حاجي محمد، ويقوده الناخوذة محمد صالح الدنقلي، بنقل 75 عبد اثيوبي من أملاك التاجر احمد عمر، الذي جلبهم من جيبوتي، بالقرب من تاجورة، مورّداً اياهم الى موانئ زيلع (الصومال)، وأوبخ (جيبوتي) ومنها الى المخا (اليمن) ومن الأخيرة الى الحجاز بالتهريب. [76]

وقدرت الوثائق البريطانية انه في عام 1927م وحده تم تهريب ما بين ثلاثمائة الى اربعمائة عبد بين اثيوبيا وحدها الى موانئ الجزيرة العربية.

وكانت آلية تهريب العبيد الاثيوبيين تجري كالتالي:

يُخطَف العبيد الاثيوبيون وخاصة البنات الصغار من انحاء أديس أبابا الغربية: من جماعات كافا وولغا وبني شنقول (وهؤلاء مقرّهم غرب اثيوبيا وهي منطقة تتبع شيخ الخوجلي الذي كان يفرض رسوم ضريبية على تجار العبيد فيها) – وكلهم من اصول عرقية زنجية يُسَمون باللغة الأمهرية بجماعة الشنقيلة – وهم ليسوا حاميين مثل جماعات الجلاس، فالجالاس والأمهريين هم من يخطف العبيد الزنوج ويتاجر بهم – ثم يعبر العبيد المخطوفون في مسارات سريّة الى شمال اديس أبابا حيث اسواق العبيد في باتيس وداوا (مناطق تابعة للعيسى) ومنها يساقون الى تاجورة من خلال التُجار الدانقلة.

في تاجورة يجري تنظيم العبيد في جبل الغواد – ويفرض عليهم سلطان راهيتا ضرائب تجبى عبر شيوخ قبيلة العيسى الصومالية.. ثم يباع العبيد الى التجار العرب في جيبوتي مقابل 160 دولار للرأس. ثم لا يبعثون من موانئ تاجورة الرئيسية مباشرة توجساً من الرقابة البحرية، فيرحلون بدلا من ذلك الى رأس دمار حيث يفرض سلطانها المحلي ضريبة اضافية عليهم. وحينما تهب الرياح الجنوبية على البحر الأحمر بين شهري نوفمبر ومارس، تنشط السنابيك وترفد سواحل جيبوتي موانئ الجزيرة العربية بأسراب العبيد والجواري صغيرات السن.

وكان سلاطين الدناقلة في ساحل جيبوتي يتقنون صناعة النعل والسِكافة بشكل ماهر، لكنهم تورطوا الى جانب ذلك في تجارة وتسويق الجواري البغيضة. وكانت الحكومة الفرنسية في جيبوتي في فترة من الفترات تقاسم السلطان الدنقلي ارباحه من تجارة العبيد.

وتحمل السنابيك في البحر الأحمر الكثير من الحصى الصغير (الصابورة) التي تستعمل كثقل الموازنة، وكانت تستخدم لتقييد ايدي العبيد.

وفي الحجاز تكون اقرب الموانئ لهم: القنفذة والليث وراس الأسود جنوب جدة، ويرسون بأعداد أكثر في الاخير، ومنها يجري تهريبهم الى اسواق جدة. وتصل اسعارهم في جدة الى ستمائة دولار. ويباع أعداد منهم للسوق المحلي، وجزء آخر يشتريه حجّاج اسطنبول والقاهرة وينقلونهم معهم الى ديارهم. أما من يبقى يُعاد توزيعه الى المخا.

وفي هذه الفترة كانت قبيلة الزرانيق البحرية جنوب الحُديدة من اكثر القبائل استهلاكاً للعبيد في الجزيرة العربية.

ولا تقف طرق التهريب على ما سبق. ومن طرق تهريب العبيد الذين يجري شراؤهم بشكل فردي: رشوة القضاة في تاجورة بخمس او عشر دولارات مقابل ان يصك لهم ورق زواج مع الفتيات فيتم تهريبهن بأوراق رسمية.  [77]

وفي الضفة البحرية المقابلة من الجزيرة العربية كان يُخطف صغار الهنود والبلوش لاستخدامهم في العمل في قوارب صيد اللؤلؤ بالبحرين والكويت. وفي 1928م كان عبدالله بن محمد دوار، في دبي، هو أكبر وكيل لبيع العبيد المجلوبين من كراتشي.

- سنابيك البحر الأحمر - المتاجرة في كل شئ:

 كانت السنابيك في البحر الاحمر تنقل بين موانئ راس المدر وعدن والحديدة والمخا وجدة وعصب وجيبوتي – كل من السكر والتبغ والكيروسين (الجاز) والقهوة والحبوب والتمور، الى جانب العبيد. وترفرف على صواريها اعلام: مملكة الحجاز او ايطاليا اوالحكومة العربية او دولة الإمام.

وفي ميناء جزيرة بريم في مدخل باب المندب كان وكلاء تجارة العبيد: شيخ سعيد وهو وكيل السنبوك “متساهل” لمالكه محمد هادي في تاجورة، ينقل الخشب والفحم. وعبيد علوي الذي اقلع لاحقاً عن تهريب العبيد وبات يعمل في صيد الاسماك بالقرب من جزر كمران. وفي جيبوتي الشيخ ابراهيم صالح ومعه عشرون رجلاً مسلّحاً.

وكان يسيطر على ساحل تاجورة: الشيخ محمد قاسم الدنقلي والشيخ عبده داود الدنقلي.

وفي عام 1928م تنقّل وكيل بريطاني سري بين مقاهي جيبوتي المرصوصة على الميناء واعطانا صورة عن الحياة الاجتماعية لنواخذة السنابيك فيها.. وذكر من كبار النواخذة في حينه:

ابوخليل، وهو مالك وناخوذة سنبوك “صاح الله” في جيبوتي وعليه علم ايطالي.. ومثله محمد شحيم، وهو دنقلي، كان ناخوذة لأحد السفن الفرنسية لكنه يملك الان سنبوكاً اسمه “زاحف” وعليه علم عربي – وهو ينقل عبيد احيانا.. وعلوي حكمي وسنبوكه اسمه “الهبوب” وعلمه عربي.. وأحمد سيموح كان وكيلاً تجارياً في الميناء، يعمل لصالح الشيخ العيسى الثاني والشيخ ابوبكر الثالث وهما رجلان مُسلحان يعملان في تجارة السلاح والعبيد، يحتكران التجارة الذاهبة لميناء الطائف اليمني التاريخي (في حدود الحديدة وهو غير مدينة الطائف الحجازية)، عند رجل محلي هناك اسمه احمد فتياني وهو شيخ الطائف.

وهناك سنبوك “المايل” للناخوذة عمر سعيد الوحيش ويعمل مع تجار تاجورة وزعماء العفر (الدناقلة).

- الثلاثينات الميلادية .. انقلاب في الوعي وتبدل قيمي:

 وتشير احصائات لجوء العبيد لدار الاعتماد البريطاني في جدة الى تناقصها الحاد بعد حصار جدة وصعود الفترة السعودية في الحجاز. ومن لجوء اربعين رجلاً وامرأة في عام 1926م الى دار القنصلية، لم يلجأ سوى سبع عشر رجلاً وامرأة في عام 1931م، بقي منهم خمسة في الحجاز بعد تحريرهم. وان لم تنتفي تجارة العبيد بعد، فإنها خفتت بشكل ملحوظ. [78]

وحملت الثلاثينات للحجاز – والتي سبقها عقدان دراميّان شهد فيهما الحجاز؛ انقلابين في دار الخلافة وثورة كبرى في مكة وحرباً عالمية وأخرى حدودية وفترتيّ  حصار وجوائح وبائية وتمردات قبائلية شتّى – حملت، عكس كل ذلك، استقراراً مطلقاً، انتعش فيه الميناء، وتماسك فيه موسم الحج، فانفتح الأهليون بشكل هائل على العالم وروح العصر.

يقول بوند، السفير البريطاني في جدة في رسالة للخارجية البريطانية في السادس من مارس 1930م: “لقد تقلّصت نسبة العبيد في جدة في السنوات الأخيرة بشكل مطرد، هذا يعود الى كون كثير من التجار المعروفين انفتحوا على روح العصر وباتوا يمارسون أشكال تجارة اكثر عصرية وملائمة قانونيا وقطعوا مع الاشكال التقليدية”. [79]

وضعف ارسال العبيد المهربين الى الحجاز عبر ميناء جدة وموانئها القريبة كما سبق.. مقابل ازدياد نشاط التهريب عن طريق البر من بلاد الشحر والمكلا في اليمن.. او من يجري اختطافه او بيعه أصالة في موسم الحج. [80]

وسجّل شيخ الدلالّين، القيّم على دكة الرقيق بأطراف سوق سويقة، في مكة ألف عملية بيع في عام 1930م، لكنه عاد وسجّل مائة عملية بيع فقط بعد ثلاث سنوات في عام 1933م. وفي المدينة المنورة اُغلقت الدكّة، وخرجت عن الخدمة، حيث لم تسجّل سوى عشر عمليات بيع في عام 1933م. [81]

وشهدت الثلاثينات، اقتحاماً مُفاجئاً للتقنيات الحديثة (التكنولوجيا) – ما ادى الى انقلاب في الوعي وتبدل قيّمي حاد خصوصاً في ذهنيّة وعادات البادية الحجازية.

ان احد الاسباب الجوهرية لتقلّص استهلاك العبيد بشكل كاسح في البادية الحجازية، هو إدخال النقل بالسيارات في موسم الحج والغاء نظام “الكوشان” – وهي رسوم الطريق التي كان يدفعها الجمّالة للشريف كنوع من الضريبة المحليّة (ويدفع الأهليون، مُمثلون في طبقات المطوفين ضريبة مماثلة).

 لقد ضرب ذلك التحوّل، الهيكل الاقتصادي للبادية الحجازية، خصوصاً لدى قبيلتيّ الحوازم والأحامدة، في صميمه وقوّض مراكز قوته وشبكة علاقاته القديمة.

وأدى انخفاض الطلب في النقل التقليدي على الجمال والشقادف الى تقليص الطلب بين شيوخ الجمّالة والمخرّجين للعبيد الذين كانوا يستعينون بهم سابقاً في اعباء وتجهيزات قوافل الحجيج وتسييرها.

- أزمة دبلوماسية حادّة بين حكومتي بريطانيا والسعودية:

وفي الرابع والعشرين من ديسمبر 1931م سلّم احد العبيد، ويُدعى بخيت، نفسه لدار السفارة البريطانية في جدة طالباً تحريره وارساله الى بلاده في بورتسودان. لكن هذا تسبب في اندلاع فتيل أزمة دبلوماسية بين البلدين. كان بخيت قد اُهدي، كما جرت العادة العشائرية حينها، من ابن مساعد (امير حائل) الى الملك. لكنه لم ينخرط حقيقةً في القصر الملكي، وظل في مقابل ذلك يخدم في دار الوزير عبدالله السليمان في مكة.

 واجاب الشيخ حافظ وهبة، من الطرف السعودي، في التاسع عشر من يناير 1932م ان بخيت هو احد عبيد القصر الملكي الذين لا تشملهم اتفاقية جدة. [82]

كان وهبة يشير الى الفقرة (أ) من المادة السابعة من اتفاقية عام 1927م. وكان في مفاوضات اتفاقية جدة مع السير جلبرت كلايتون ان اُستثني عبيد القصر الملكي كونهم في حقيقة الأمر اما جنود او خدم خاصين.

وكان بخيت قد فرّ مع عبد آخر يدعى هارون، من بيت عبدالله السليمان للسفارة البريطانية مطالبان  بتسفيرهما الى بورتسودان. كان هارون قد خطف في موسم حج العام الماضي وتم بيعه. اما بخيت فقد ادّعى انه خطف وهو طفل من جيبوتي وتم بيعه صغيرا في الحجاز عبر سوداني اسمه محمد وهو في السادسة. ثم خطف من جماعة من البدو فيما كان يلعب خارج سور جدة في الكندرة، واخذوه الى اليمن حيث بيع من جديد لأحمد بن غصين الذي عاد به الى مكة وبيع مجدداً الى سيّد جديد هو شاكر ابوجمال (من أشراف مكة) حيث مكث معه خمس سنوات ثم بعث به مع عائلته للمدينة فيما بقي هو في مكة وحينما سقطت المدينة في يد السعوديين أخذه ابن مساعد في حائل وبعد سنوات من ذلك بعث به الى بن سليمان حيث امضى 18 شهرا قبل ان يهرب من بيت اخيه حمد السليمان الى السفارة البريطانية.

وفي 26 ديسمبر طالبت النيابة العامة في الحجاز باعادة السفارة البريطانية في جدة لبخيت وتسليمه الى نائب قائمقام جدة السيد علي طه رضوان.

وأرسل فؤاد حمزة، من الخارجية السعودية، رسالة في 29 يناير، الى السفير اندرو رايان يخبره بأن المسألة باتت مسألة مبدأ، وان الحكومة السعودية لا ترضخ من منطلق سيادي لرغبة البريطانيين في اي شأن خارج عن اتفاقية جدة 1927م.

لكن في ذات اليوم كان اندرو رايان قد بعث ببخيت على متن السفينة بينزانس.

ومن بعدها، في الثالث من فبراير، اصدرت السلطات السعودية قرارا مشدداً بأنه لا يحق للسفارة البريطانية تسفير اي شخص على اي قارب سوى بموافقة مسبقة من أمير جدة الذي يصدر وحده تأشيرات الخروج، اما ان كان عبداً لاجئاً تم تحريره فيستلزم موافقة خطية من امير جدة قبل ترحيله.

كان من العويص شرح كنه العلاقة بين جلالة الملك ووزيره الأول الشيخ السليمان لأيٍ من الغربيين، كما كان يتعذر للغربيين فهم نفسيات عبيد القصور الملكيّة حينها – او بشكل ادق غالبيتهم.

كان بعض اؤلئك العبيد يحظون بامتيازات تفوق تلك الممنوحة لدى الأعيان والأهليين. وكان الملك يقرّب اليه افراداً منهم.

وكان “مواليد” القصور يحظون برعاية كبيرة، بل ان بعضهم يتكبّر على المواطنين ويمارس اضطهاداً ممنهجاً ضدهم مدعوماً بما يتوهمه من نفوذ خاص. حد ان نكتة محلية شاعت في العشرينات الميلادية في الدوائر القنصليّة بجدة وصلت الى نائب القنصل البريطاني تقول بأنه يجب نقل جميع التكارنة للجزيرة العربية لتتحسن احوالهم المعيشية – لكن القنصل، في تقاريره، استهجنها وأنكرها، وان لم ينكر أصلها!

وتمتع حِلوان، احد عبيد القصر الملكي بحظوة وثقة هائلة وكان قائداً عسكرياً لاحد ألوية جيش جلالة الملك التي شاركت في تأديب عصيان ابن رفادة عام 1931م.

ولوجود أفارقة ملحقون بالحراسة الأميرية الخاصة جذور عشائرية قديمة في الجزيرة العربية. لقد منَح قانون الولايات العثماني أمير مكة حق تشكيل حرسه النظامي الخاص فكوّنه في عام 1872م من مجموعتين: البياشة، وهم من اهل وادي بيشة بعسير، ومن التكارنة، واغلبهم من العبيد المعتقين القاطنين في مكة من اصول نيجيرية وكونغولية.. وقد انحصرت مهتهم اول الامر في تأمين سلامة القوافل بين جدة ومكة، وبين مكة والطائف، ثم شكلّوا نواة جيش الشريف النظامي.

ومحمد عبدالقادر محمد فلاتة، تم بيعه صغيراً على كذا بيت في مكة ثم امتلكه الأمير سعود ولي العهد الذي اعتقه في يونيو 1938م، لكنه آثر البقاء عنده، فتزوج وتسلّك في الحرس الخاص لقصر ولي العهد.  [83]

وفي عام 1944م اصيب القيّمين على فندق وولدورف استوريا في نييورك بصدمة كبيرة عندما أحضر الأمير فيصل معه مرافقه الافريقي مرزوق، اثناء زيارته الرسمية، وكانت صدمتهم اكبر عندما أصرّ الأمير على أن يأكل مرزوق معه، كما هي عادته، ذلك لأن هذا كان يقتضي السماح له بدخول قاعة المآدب الشهيرة “ويدجوود روم” التي لم يكن يسمح لزنجي أبداً ان يدخلها.  [84]

وبرز في الاربعينات الميلادية نفر قليل من اعيان جدة، كانوا رقيقاً في اصولهم.. حتى انه كان من النادر ان تجد اي عائلة تجارية دون ان تجد تميز احد افرداها بلون اسمر، يحمل اسمها ويعمل في ادارة بيتها التجاري.

وكان المعتنون بالكعبة واعمال المسجد النبوي عبيداً “أغوات” طائلي الثراء والمتانة الوقفية وواسعي الوجاهة الاجتماعية في الحرمين الشريفين.

وقدرَ السير رايان، قنصل بريطانيا في جدة، عدد عبيد القصر الملكي بحوالي ثلاث آلاف نفر؛ القليل منهم بالاقتناء، فيما غالبيتهم بالاهداء او مولدون.

كان تجار الرق، انطلاقاً من صلال العوائد العشائرية البالية، يهدون الملك العبيد بكثير من الحماسة طمعاً في التعويضات الملكية السخية.. ولكن قبضة الوزير عبدالله السليمان الصارمة، وسياسته المتقشفة والحريصة على المال العام وعلى عدم تكبيد الموازنة اية مصاريف اضافية في سنوات التقشف، رشّدت الكثير من حماستهم فيما بعد، وساهمت في ابطال تلك العادة.

- آخر تُجار ووكلاء العبيد في جدة: 

وكان من اشهر دلاّلي الجواري في جدة: باسترة أفندي، وأبوالسعود [85].

وفي رسالة من اسماعيل افندي حول العبيد في التاسع من مارس 1933م من مقتنيات الخارجية البريطانية، عدّد اسماء كبار وكلاء العبيد في جدة، مزودة بهويّاتهم الجهوية:

“كبار وكلاء العبيد في جدة: حسن العمودي (حضرمي) وأحمد بن سيف (من بدو الحجاز) وشمعون بن عمر (صومالي/ايطالي) واحمد الحنبولي (جدّاوي) وأبو زيدان (جّداوي) والليّاتي (جدّاوي)”. [86]

وبات العبيد يرسون مباشرة في ميناء جدة، عكس السابق حينما كانوا ينزلون في النزلة اليمانية حيث يقيم الوكيل ابن سيف.

وتقمّص اسماعيل افندي مع صديق جدّاوي دور الراغب في الشراء ليراقب اوضاعهم: “كانوا في اقبية احد البيوت، حيث الجو خانقاً والروائح لا تكاد تطاق والدكّة كان فيها رجال ونساء مختلطون”.

وآخر مقر لبيع العبيد في جدة كان في منطقة حوش الهواشم – داخل سور المدينة القديم.

واحد مكافحي تجارة العبيد في ساحل جيبوتي هو السيّد علي العطاس، وهو أخ السيّد حسين العطاس من تجار وأعيان جدة.

كان العطاس قد اخبر نائب القنصل البريطاني في جيبوتي بتحركات تجارة العبيد الأخيرة، وكان يعتبر ان من لا يُخطئه ضميره بحمل العبيد والمتاجرة بالبشر سيقع في كل محظور آخر.

وكان الشيخ محمد بابو احد شيوخ دنقلة ومحتكر تجارة العبيد في ساحل جيبوتي في عام 1934م، قد فرض على جميع السنابيك المغادرة مينائي تاجورة و أوبخ بحمولات العبيد الى ميدي او جيزان ان تجلب معها في ايابها حمولات سلاح. فكانت السنابيك تتظاهر بنقل الخشب والفحم لكنها تقايض حقيقةً العبيد بالسلاح. [87]

وفي احصاء لعام 1931م.. قُدر عدد العبيد في السعودية بأربعين ألفا، وُزعت جغرافيا كالتالي:

مكة: ثلاث الاف.

جدة: ألف.

رابغ: خمسمائة.

الوجه وينبع والطائف والمدينة وشمال الحجاز: خمسمائة.

القنفذة، ميناء البرك، جيزان وعسير: عشر آلاف.

بادية الحجاز: خمس آلاف.

الرياض وبادية نجد وخصوصا واحات الاحساء والبريمي: عشرون ألفاً. [88]

وانحصرت اجناس العبيد في هذه الفترة بين سودانيين او اثيوبيين حاميين او تكارنة.. ونساء يمنيات. وعند اهالي الحجاز كان يوجد نفر قليل من جواري وعبيد جاويين وهنود وسوريين وماليزيين.

في عام 1932م رفض قاضٍ   من محكمة مكة الشرعية منح صك اعتاق لعبد تم تحريره كون الحكومة قد اخطرته بعدم القيام بذلك لأي عبد عمره يزيد عن العشرين عاما.

وفي 22 فبراير 1934م.. اُرسل السير ماكسويل من قِبل لجنة الرقيق بعصبة الأمم واصدر تقريرا عن حالة العبيد بين افريقيا والجزيرة العربية.

ونشطت البوارج الحربية البريطانية في تفتيش السنابيك في المياة الدولية بالبحر الاحمر بحثاً عن العبيد. وقبضت على 56 عبداً في 1931م، و35 عبداً في 1932م، و35 عبداً في 1933م. [89]

وفي اكتوبر 1936م خطت السلطات السعودية أكبر خطوة  فيما يخص الحد من الاتجار بالرقيق في الجزيرة العربية.

فصدر في الثاني من اكتوبر 1936م، المرسوم المعروف بـ: تعليمات بشأن الاتجار بالرقيق، من ستة عشر مادة. وحظر المرسوم ادخال الارقاء الى السعودية عبر البحر او البر (مالم يبرز جالب الرقيق وثيقة حكومية رسمية تخوّله بذلك).. كما حظر استرقاق الأحرار. والمرسوم- وان لم يلغ ممارسة الرقيق، الا انه اعترف بها كظاهرة ونظمها وجعل للعمل فيها وكيلاً او سمساراً برخصة رسمية. اما من يخالف تلك التعليمات تنذره الحكومة بعقوبة حبس لمدة لا تزيد عن سنة.

1936م: تعليمات بشأن الاتجار بالرقيق. أقصوصة من صحيفة أم القرى.

لكن هذه القرارات وماجلبت من محاسن على نفسيات الرقيق الا انه ترتب عليها مساوئ جديدة – اذ ازداد اصرار الملاك على ابقاء عبيدهم للندرة الحاصلة في الأسواق فنتج عن ذلك تقلص مطرد لنشاط العتق.

واستمرت الممارسات بشكل مُستتر.

وكان جابر احمد من اهل كسلا في السودان في أسر العبودية في الحجاز حتى حرر في عام 1927م.. وحينما عاد للحج بعد عشر سنوات في 1937م رصده مالكه السابق الحسين بن علي الحارثي من أشراف المضيق، واثر مشادة وقعت بينهما أصر الأخير على استعادته فعصى لكنه ألحقه بحاشيته بالقوة. فارسلت القنصلية البريطانية من السفير بولارد للأمير فيصل نائب الملك تطالبه باطلاق سراحه في الثاني عشر من يونيو 1938م، فنال حريته ورحل ادراجه على احد سفن شركة جلالتي هنكي الى ميناء سواكن. [90]

وفي يونيو 1936م باع علي بريمة ياسين وزوجته ست الأهل في مكة، آمنة التي ادعيا انها ابنتهما، ثم رحلا برا لليمن ومنها للفاشر. تُركت آمنة عند الشيخ حسن زيني وهو رجل طاعن في السن، الذي سلمها بدوره لابن ناصر تاجر الرقيق النجدي في مكة الذي عرضها على كذا منزل فنزلت عند بيت السادة آل المرغني  الذي كان يخلو من الذكور، واشترتها سيدة ومكثت معها عاماً كاملاً ولكنها مرضت فاضطرت الى بيعها لتذهب للعلاج في مصر، فاشتراها محمد الشيبي بـ 35 جنيهاً ذهبياً استرلينياً، وقبل شراءها عرضها على سيدة قابلة اكدت انها لم تنجب من قبل، وظلت عنده ثلاث سنوات دون ان يُعاشرها. ثم عادت لسيدتها القديمة في بيت الميرغني لانها كانت تحسن معاملتها وهناك وجدها القنصل البريطاني واستدعاها وارسلها الى السودان. [91]

ومع عام 1943م خفت نشاط شراء الجواري، واصبح التسري يمارس بعيداً عن أعين الزوجات اللاتي بِتن مع الانفتاح على العالم يرفضن على أزواجهن ذلك النمط الشاذ من الممارسة الجنسيّة. [92]

وكان آخر ثلاثة وكلاء للعبيد في مكة في يدهم كل التجارة: وكان آخر المسيّطرين عليها بحسب وثائق الخارجية البريطانية: ميمش، والقرّعا، وبن ناصر، والأخيران نجديّان. [93] وصعد افراد من نجد في دلالة العبيد في مكة، كون بوصلة جلب الجواري الى مكة باتت تتجه شرقاً، حيث تجلب الجواري من التجار النجديين عبر واحة البريمي والساحل الغربي للخليج: بلوشيات وفارسيات بدلاً من الأجناس المعتادة الافارقة والاحباش والجاوا. [94]

ومن ابرز التجار النجديين في سواحل الخليج: عبدالله بن سالم بن غراب، ومبارك وعبدالعزيز الدليمي، وعلي بن موفي الودعاني، وسليمان بن موسى، وعبدالله بن خفره، وعبدالله بن غانم العوار وهذا الاخير كان اصبعه الاوسط في يده اليمنى مقطوعا وكان يبيع الجاريات في الدوحة. وحينما قُبض عليه في سبتمبر 1952م حلف أيمانا مغلظة انه ترك التجارة منذ خمسة عشر عاما وانه يعمل الان في الزراعة وان المشتبه به هو عبدالله بن غانم القطري وهو شخص آخر ولكن تبين لاحقا ان كلاهما يعمل في تلك التجارة.

ونحن لا يمكن ان نجزم ان جميعهم كان يتاجر بشكل حصري في العبيد، لكن اسماؤهم وردت في الوثائق البريطانية مرة واحدة على الأقل.

وطالب السفير السير تروت في ديسمبر 1947م، من يوسف ياسين من الخارجية السعودية، بملاحقة المتورطين في تجارة الرق في البحر الاحمر، وانزال اشد العقوبات عليهم، وكانوا: احمد ابوصالحه في ميناء البرك (عسير)، بن سيف في الرويس، وحسن العمودي في جدة. [95]

وفي 1948 قبضت السلطات السعودية على احمد علي ابوصالحة وهو يُهرّب العبيد سراً من مصوّع الى ميناء البرك في عسير. [96]

 ومن تجار العبيد في الرياض حينها بحسب الوثائق البريطانية: ابن غراب المري، وجابو بن حضفه وبن عبدربه، وهم يحضرون الجواري عبر حمد البوشامس من دبي او مسقط الى كبار المستهلكين في الاحساء والرياض. وكان كبير التجار في سوق الرياض اسمه عبدالله بن مروان. [97]

صورة للتاجر ابن غراب في الدوحة. كما ظهرت في وثائق الخارجية البريطانية: FO 371/104447

في الرياض كانت الجارية الجميلة تباع بسبعة عشر الف ريال، والمتوسطة الجمال تباع بسبع الى ثماني آلاف.

 ومع عام 1948م خفت اهتمام السعوديين باقتناء العبيد الذكور. [98]

وفي الخمسينات الميلادية تلاشت تجارة العبيد، وانقشعت مظاهر العبودية تقريبا عن جدة، فيما بقيت في الرياض ومكة والمدينة، وان حُصرت في الجاريات المجلوبات من حضرموت واليمن والبلوشيات المجلوبات من السواحل المسقطية والسواحل المتصالحة. فلم تعد تأتي الافريقيات، من موانئ جيبوتي والصومال، كما في السابق.

وفي السادس والعشرين من نوفمبر 1952م ارسل يوسف ياسين، من الخارجية السعودية، خطاباً لبيلهام يخبره ان الحكومة السعودية ترغب في اخطارها عن اي رعايا سعوديين يرحلون الى امارات الخليج بحثاً عن عبيدهم الفارين. وان الحكومة السعودية لا تريد التهاون في هذا. [99]

وفي نوفمبر 1953م ارسل السفير الفرنسي في جدة قائمة بمن يشتبه بهم بنقل العبيد الى ساحل جدة وذكر منهم:

أحمدو بوبوي وهو سنغالي مقيم في جدة، والشيخ عبدو بجني من النيجر يقيم في جدة، والشيخ عبدالله البحيري من كبار حارة اليمن في جدة وهو من شيوخ الدلالين. [100]

 واتبعها بقائمة لدلالين اقسم يقيناً بأنهم يبيعون الجواري مباشرة للقصور والمتنفذين والميسورين، وهم: عمر كِندي – سنغالي في مكة، حاج محمد عمر فتاي – سنغالي في جدة، تيرنو يوروبا – سنغالي في جدة، احمدو تديان ديو في جدة، حاج بلي – سنغالي في مكة، محمد طاهر – من الطوارق يقيم في السودان ويتاجر في جدة، ومحسن – وهو نيجيري موظف في شركة باكر الامريكية في جدة. [101]

وقُبض على محمد حسين وهو يتاجر في الكربلاء والنجف وكان يجمع خمسين فتاة صغيرة ليحضرهن للرياض وقد حكم عليه في العراق عام 1955م بالسجن عشر اعوام. [102]

وضرب الكساد سوق الرياض حيث كان يتعيّن على كل تاجر عبيد ربط سبع الى ثماني من العبيد خلفه والمشي بهم، فيما كانت دكة الرقيق في مكة تحتضر وتعيش آخر أيامها. [103]

 - ضغوط دوليّة ومحلية يتوّجها قرار الفيصل التاريخي:

 لم يكن عقد الخمسينات رحيماً على سمعة وصورة السعودية دولياً، كما كانت مهمة الدبلوماسية السعودية لترطيب الاجواء وتحسين صورة البلاد مُضاعفة. وفي عام 1953م قامت حملة تلفزيونية وصحافية كبرى في فرنسا على قانون الرقيق في السعودية. كما اشتدّت ضرواة دعوات الخارج -والداخل- على الحكومة لحسم ملف العبيد وطي صفحته للأبد.

واستوعبت الحكومة المعاتيق الحديثين في مكة او المستقرين فيها بعد موسم الحج من جاليات التكارنة وفرضت عليهم دفع رسوم  اقامة سنوية.. وقام الأمن العام منذ 25 ابريل 1952م بتنظيم المسألة بشكل أكثر مرونة.

رسوم اقامة التكارنة – منذ ابريل 1952م . اقصوصة من صحيفة ام القرى

 

وصعد مطلب الغاء نظام الرق منذ الخمسينات الميلادية عند الحركات القومية والوطنية الشعبية الداخلية. وفي ميثاق جبهة التحرير الوطني العربية الصادر عام 1961م، نلاحظ حضوراً مركزياً لمسألة الغاء نظام الرقيق وتحرير الارقاء كأحد مطالب برنامج الاصلاح – كان ذلك ذروة حراك وطني سابق امتد لأكثر من عشر سنوات اجتر ذات المطلب.

وفي السادس من نوفمبر 1962م اصدر الأمير فيصل بن عبدالعزيز، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، برنامجه الاصلاحي المعروف بـ (النقاط العشر).. الذي قضت نقطته العاشرة بالغاء الرق مطلقاً، وتحرير جميع الأرقاء وتعويض مُلاكهم.

بيان الغاء الرق في 6 نوفمبر 1962م

وصار الناس في ارتباك. فالقرار كان يكتنف طرق تطبيقه الكثير من الغموض – والنقاط العشر كانت مُغلفة بلغة عمومية غير حاسمة.

وكتب صالح محمد جمال في جريدة الندوة المكيّة في السادس والعشرين من نوفمبر 1962م مُنتقداً: “كثير من الارقاء ينتظرون ان يُبادر مسترقوهم بتحريرهم واعلان ذلك لهم تنفيذا لقرار الحكومة الا ان احدا لم يحرك ساكنا، ويبدو انهم ينتظرون ان تاتي اليهم الحكومة لتدفع لهم التعويض سلفا … ان تلك الفقرة الموجزة في البيان الوزاري عن الغاء الرق اصبحت في حاجة الى مذكرة ايضاحية مستعجلة يجري اعلانها للطريقة التي يجب ان يتم تنفيذ التحرير”. [104]

واستجاب مجلس الوزراء للتساؤلات التي انطوى عليها مقال جمال وغيره، وأصدر قراره رقم (4305) الصادر في التاسع من يناير من عام 1963م، مبيناً الطريقة التي سيتم بها التعويض، مفوضاً وزارة الداخلية الى اشعار المواطنين الذين كانوا يمتلكون رقيقاً بالتقدم بطلبات التعويض مصحوبة بالوثائق والصكوك الشرعية الى اللجان المختصة.

واعتمد مجلس الوزراء السعودي مبلغ خمسة ملايين ريال سعودي، كدفعة أولى لتعويضات الرقيق.

وشُكّلت لجان تعويض المّلاك الشهر التالي في 26 مدينة سعودية: من جدة ومكة والقنفذة الى الدمام والحساء، ومن الجوف والقريّات الى بيشة وجيزان، مروراً بالرياض والحوطة وبريدة وشقراء!

وكان الرقيق قبل البيان الايضاحي ينفرون اجتهاداً الى الديوان الملكي في الرياض يطلبون اوراق تحريرهم ومن ثم يعودون الى ملاّكهم يقدمونها لهم ويخيّرونهم بين اطلاق سراحهم لوجه الله وبين رغبتهم في طلب تعويض من الحكومة.

وبادر الشيخ علي طايع – من أثرياء محلة شِعب عامر في مكة، وهو جد الشاعر محمد حسن فقي لأمه، فاعتق وحده مائة رقبة ما بين جارية وعبد. وقام سعادة الشيخ مساعد السديري بعتق جميع عبيده البالغ عددهم 17 شخصاً بين ذكر وانثى، وسجّل ذلك في محكمة تبوك. وحرر سمو وزير الداخلية فهد بن عبدالعزيز جميع الارقاء التابعين له وقدم لكل منهم صكاً بتحريره، واعلن ذلك في برقية عامة لتشجيع غيره [105]. كما قام سعادة اللواء علي جميل، وحرمه في مكة، بتحرير كافة الارقاء لديهم.

انطوت الصفحة رغماً عن ممانعة أعداد من ملاّك العبيد في بعض القصور والمزارع والحقول والنجوع والبيوت.. ورغماً عن صرخات السُفهاء المضللين وقوارص المتحذلقين.

وارسل كيندي رسائل تهنئة الى الامير فيصل ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، يشكره ضمنا على الغاء الرق، ويعلن عن عصر جديد في العلاقات الامريكية والسعودية. فرد عليه الأمير فيصل في الحادي عشر من يناير 1963م قائلاً: “ان القضايا الأصلية لشعوب هذه المنطقة: رفع مستوى السكان واستغلال كافة طاقاتهم وزيادة دخلهم القومي وتزويدهم بمؤسسات ديموقراطية للحكم يستطيعون في ظلها التعبير عن ذاتهم وأمانيهم وآمالهم في حرّية بناءة”.

منذ بيان كامل باشا الذي تلاه قائمقامه بالنيابة في سوق مكة عام 1855م، وقوبل بممانعة رهيبة، دارت الأرحاء لأكثر من قرن من الزمان، حتى استجابت الذهنيّة المحلية.

هكذا تجلّت شمس الكرامة الانسانية فأنارت من دياجي الجزيرة العربية من جديد.. وكما قيل: ان للباطلِ جولة ثم يضّمحل.

- الهوامش:

قمت باخفاء الهوامش من التدوينة عمداً، على ان تظهر مع أصل الدراسة التي ستُنشر قريباً في اضمامة أبحاث مُتفرقة تتناول تواريخ مهمّشة في الحجاز الحديث.

Posted in مٌباشرة للتدوين, اصدارات | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , | 31 تعليقات

العائدون من الابتعاث، مؤسسات المجتمع المدني.. ووزير الداخليّة !

كتب: محمود عبدالغني صباغ

انطلق الابتعاث في العهد السعودي الى مصر في عام 1927.

ومع حلول عام 1946م، كانت مجاميع غير متواضعة من طلائع هذه البعثات قد عادت للبلاد وبدأت في الانخراط في سلك الحياة العملية، حاصلين على الشهادات العالية في الطب والهندسة والزراعة والعلوم التطبيقية والعلوم الإسلامية والآداب واللغات الأوروبية.

وفي عام 1951م تنادت طائفة من أؤلئك الشباب المُثقف خريجي الجامعات المصرية من السعوديين، بلغ عددهم خمس وعشرين شخصاً، الى اجتماع عام في حارة جياد لاتخاذ قرار اطلاق مؤسسة مدنيّة تصلهم بتطلعاتهم صوب غاية: تعليم “الشعب” !

ومن هنا اطلقوا اسما معبراً على مؤسستهم الجديدة: المؤسسة السعودية للثقافة “الشعبية”.

كانوا: أحمد شطا .. عبدالله الدباغ .. حامد دمنهوري .. حامد هرساني .. حسن نصيف .. جميل الحجيلان.. حسن شطا .. عبداللطيف جمجوم .. أحمد صلاح جمجوم .. أسعد جمجوم .. عبدالله بغدادي .. صالح جمال حريري .. سعيد آدم .. حسن بابصيل .. زين العابدين فطاني .. علي حسن غسّال .. عبدالله أبوالعينين .. محسن باروم.. وانضم لهم لاحقاً: حسني بخش.. محمد سعيد بصراوي.. عبدالله حبابي.. عبدالعزيز داغستاني.. وجميل ابوسليمان.

اتفقوا على ان تكون رئاسة الهيئة الادارية لأحمد شطا، فيما تم اسناد الأمانة العامة (السكرتارية) لمحسن باروم.

وفي يناير 1952 اجتمع الشبيبة مع وزير الداخلية آنذاك: عبدالله الفيصل.. الذي حضر اجتماعهم العام بفندق بنك مصر بأجياد مكة. وطلبوا منه في اجتماع واسع تصريح الدولة لجمعيّتهم المدنيّة الوليدة.

من صحيفة أم القرى: حفل اطلاق “المؤسسة السعودية للثقافة الشعبية” – احد جمعيّات المجتمع المدني الرائدة في مكة. استضاف الشباب المثقف وزير الداخلية واستأذنوه في اصدار تصريح.

لقد ارادوا اطلاق مؤسسة تعني بالتنمية البشرية عبر توسيع رقعة التعليم والثقافة بين طبقات الشعب والعاملين والفئات الأقل حظاً. فكانت المؤسسة السعودية للثقافة الشعبية في أصلها مدرسة شعبية تعني بتقديم تعليم مسائي موازٍ بغرض تمكين المنسوبين في العلوم الادارية والتجارية والمعارف العامة.

واعلنوا ان اختيارهم وقع على هذا الاسم نظراً لاستقلاليتهم التامة عن مناهج وزارة المعارف.

وتمحورت أهداف الجمعية حول: مكافحة الأمية، تعليم الكبار، اعطاء دروس تقوية اضافية خيرية لطلاب المدارس المعوزين لرفع مستواهم العلمي في اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والرياضيات والعلوم الإجتماعية.. قبل ان يتوسّعوا في برامجهم الطموحة ليساهموا في تأسيس مدارس خيرية، والى ريادة تأسيس مدرستيّ رياض اطفال في مكة وجدة، ثم اتبعوها بثالثة في الرياض، وفي تصميم برنامج دبلوم ادارة أعمال واقتصاد في مكة يمنح للكبار المتجاوزين للسن النظامي للتعليم.

وركزّت المؤسسة على تدريس مبادئ اللغة العربية والطباعة باللغتين العربية والانجليزية ومبادئ المحاسبة مع التركيز على منهج اللغة الانجليزية – حتى باتوا أول من اهتم بتعليم اللغة الانجليزية بشكل مؤسسي في مكة!

كان الأعضاء، ينطلقون من عقيدة الكفاح السائدة، فيشاركون بأوقاتهم ومعارفهم التي اكتسبوها في مصر، لتدريس الصفوف المسائية على أساس تطوعي بحت- فكان كل عضو يقوم بتدريس الطلاب بحسب تخصصه العلمي ووفق برنامج زمني صارم ومحدد.

واتفق الأعضاء على أن يتبرّع كل فرد منهم باقتطاع 2,5% من مرتبه الشهري لتمويل صندوق المؤسسة وتمكينها من مواجهة متطلبات التشغيل والتقنيات الادارية – علماً بأن المرتب الشهري الذي كان يتقاضاه خريج الجامعات آنذاك أربعمائة وعشرين ريالاً، وكان لا يكاد يغطي احتياجات المعيشة.

يقول السيّد محسن باروم، سكرتير المؤسسة في بدايتها، والذي كان يعمل مفتشّا في التعليم في الوقت ذاته: “لقد كلفت نفسي فوق طاقتها العقلية والجسمانيّة ولكنني كنت سعيداً الى أقصى غايات السعادة بأن أقوم بهذه الواجبات كلها مجتمعة بنفس راضية وأعصاب هادئة ومشاعر متقدمة لخدمة الوطن والمواطنين تعبيراً صادقاً عن حقيقة الانتماء الوطني لهذا الكيان..” (في موكب الزمن، ص١٠٢)

كانت الدروس تنعقد مساءً في مقرّ مدرسة تحضير البعثات بحارة القُشاشية بجوار باب علي، رحم الله أطلالها، وكان يتولى إدارتها آنذاك الأستاذ والمرّبي عبدالله عبدالمجيد بُغدادي – وكانت تقوم على مدار خمسة أيام من كل اسبوع.

الأستاذ جميل أبوسليمان – يعطي احد الدروس الخيرية المسائية في احد صيفيات الطائف بمقّر دار التوحيد.

واتخذت الأمانة العامة للمؤسسة مقراً في مبنى مدرسة تحضير البعثات.. ثم بعد انتقال المؤسسة الى جدة شغلت جزءاً من بيت اللامي بحارة الشام قبل ان تستقر في مقرها الدائم في حارة الجماجمة بالبغدادية.

لقد تخرّج من برامج المؤسسة أسماء لها قيمتها فيما بعد، منها: عبدالمجيد مهندس ومصطفى أبو زنادة وحامد مطاوع وعبدالله باصفار ويوسف شربتلي وعبدالعزيز أبو زنادة ومحمد إبراهيم جدع وعبدالرؤوف جمجوم الصغير.

 وبعد فترة طويلة من العمل الدؤوب وتناسل قصص النجاح اعلنت وزارة المعارف عن اعتنائها بالفكرة التي تقوم عليها المؤسسة. حتى ضمّت تجربتها تحت لوائها الرسمي، فأنشأت قسما مختصاً بتعليم الكبار ومكافحة الأمية تحت اسم “الثقافة الشعبية”، أسندت ادارته للأستاذ عبدالله بُغدادي.

1952: كان الدكتور الشاب عبداللطيف جمجوم، العائد لتوّه من الابتعاث، يعمل صباحاً في عيادته، ثم يدّرس مساءً عبر برامج المؤسسة السعودية للثقافة الشعبيّة ما تيّسر من العلوم الطبيعية والأحياء

وتوّج الشباب المؤسس مسيرتهم العملية: فاستحال ستة من أؤلئك الشباب وزراء دولة، ونفر منهم تسلّك في سلك السفارة، ونفر آخر شغل مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة، فيما قاد غالبيتهم مسيرة التربية والمعارف والتعليم العام في أزهى مراحلها الذهبيّة.

سقى الله أياماً لم يضنّ فيه الشباب المثقف بمعارفهم على أقرانهم وأبناء جلدتهم، ولم تضّن فيه السلطات بالتصاريح اللازمة التي تمّكن المجتمع المدني من النهوض والقيام بأدواره الوطنية العامة.

Posted in مٌباشرة للتدوين | 9 تعليقات