أصوات وأضواء مكة: قصة أولى التسجيلات الصوتية والمجموعات الفوتوغرافية من الحجاز.

يجري تداول مقطع في اليوتيوب يشير الى اقدم تسجيل للقرآن يترافق مع صور قديمة عن مكة المكرمة. وفيما ان الصور منسوبة الى المستشرق الهولندي سنوك هوروخرونيه، وهذا نصف صحيح، اذ ان النصف الآخر من الصور يعود للمصوّر المكيّ السيّد عبدالغفار البغدادي (وهي مجموعة اخذت بين اعوام 1884 و 1887)، فان تاريخ التسجيل ليس متزامناً مع الصور الفوتوغرافية، بل انه يعود يقيناً الى الفترة بين عامي 1906 و 1909. هذه تدوينة لتوثيق حكاية أولى التسجيلات الصوتية والمجموعات الفوتوغرافية من اقليم الحجاز. 

كتب: محمود عبدالغني صباغ

- اولى المجموعات الفوتوغرافية في الحجاز: 

- 1880م: مجموعة المهندس والضابط المصري محمد صادق بيه – أول صُور فوتوغرافية في تاريخ مكة: 

المهندس المصري محمد صادق بيه

هي الصُور التي أخذها محمد صادق بيه ضمن رحلته الرسمية للحج في عام 1880م، وضمّنها في مخطوط مشعل المحمل الذي كان مفقوداً ولم يكن متداول الا في وقت قريب. وصادق بيه كان من ضمن أفراد بعثة الجيش الرابعة التي اختارها احد قيادات جيش محمد علي باشا الكولونيل جان ساف الى معهد البوليتكنيك، حيث تخرج كمهندس حربي واتقن التصوير الفوتوغرافي.

ضمت مجموعة محمد صادق بيه الأولى صورا بانورامية للحرم المكي من أعلى جبل أبي قبيس، وصور متفرقة من داخل صحن الكعبة، وصور للمدينة المنورة من خارج السور من ناحية الباب الشامي التقطها من أعلى برج الطوبخانة، وأخرى لأجواء حارة المناخَة.

حج 1880م – اول صورة فوتوغرافية في تاريخ مكة. تصوير محمد صادق بيه

ولمحمد صادق بيه صور شهيرة ترصد لحظة وصول المحمل المصري للمسعى امام بيت باناجه مقابل باب علي.

وبيت باناجه (ذو الروشان المهيب) هو قصر بناه أصلاً الوالي المصري لمكة أحمد يكن باشا قبل عام 1820م ابّان حكم محمد علي باشا للحجاز، قبل ان يشتريه من ورثته التاجر الجدّاوي عبدالله يوسف باناجه عام 1883م. وكان بيت باناجة يُستخدم للتشريفات الملكيّة فنزل فيه الخديوي عباس والسلطان القعيطي، والملك عبدالعزيز عند دخوله مكة – وكان أهل مكة يستخدمونه كقاعة لاجتماعات واحتفالات المدينة ومراسم الصلح- كما استضاف في الثلاثينات الميلادية مقرّ الشركة العربية للاقتصاد والتوفير التي أسسها الشيخ محمد سرور الصبان، وكان مقراً ايضا لادارة تحرير صحيفة صوت الحجاز التي كان تصدر آنذاك عن الشركة العربية.

المحمل المصري في المسعى – وفي الخلفية قصر باناجه. تصوير: محمد صادق بيه 1880 .

صورة صادق بيه للمحمل – بمعالجة ليثوغراف (طباعة حجرية) من قِبل المستشرق سنوك هوروخرونيه.

صورة اخرى للحظة وصول المحمل المصري أمام باب علي.

ومن مجموعته في المدينة المنورة:

رسم القبة الشريفة – اول صورة للمدينة لمحمد صادق بيه من كتاب مشعل المحمل 1880.

اول صورة فوتوغرافية للمسجد النبوي – محمد صادق بيه 1880م.

كانت مجموعة محمد صادق بيه الأولى والمكوّنة من اثني عشر صورة قد حصلت على الميدالية الذهبية في الدورة الثالثة لجمعية الجغرافيين الدوليين في البندقية عام 1881.

ملصق للمزاد الذي اقيم في القاهرة لبيع اثني عشر صورة من مجموعة محمد صادق بيه الحجازية.

- 1884م: مجموعة السيّد عبدالغفار عبدالرحمن البغدادي المكّي – اول مصوّر محلي: 

صورة للطبيب السيد عبدالغفار بن عبدالرحمن البغدادي المكي – التقطها له سنوك هوروخرونية في عام 1885

كان السيّد عبدالغفار بن عبدالرحمن البغدادي المكّي، طبيباً مرموقاً في مكة يحفل بعدة مواهب منها إلمامه بعلم الكيمياء وصنع البنادق والذخيرة والمتفجرات الخفيفة.. ناهيك عن ريادته الباكرة في التصوير الفوتوغرافي منذ عام 1884م وهو تاريخ محاولته لتصوير بورتريه لحاكم الحجاز العثماني عثمان نوري باشا.

وللسيّد عبدالغفار، وهو من أهل حارة الشاميّة، عقب مستمر في مكة (يحملون اسم عائلة عبدالغفار) توارثوا عنه مهنة الطب، فأحد أحفاده هو الدكتور هشام بن حسن بن حسين بن عبدالغفار وكيل وزارة الصحة الأسبق والرجل الذي وضع البنية الحديثة للمستشفيات العامة في مكة.

الحرم المكّي بانورامية للسيد عبدالغفار البغدادي. مأخوذة عام 1889م. (من مقتنيات: لايدن)

اتصل السيّد عبدالغفار بالمستشرق الهولندي سنوك هوروخرونيه الذي زار الحجاز ومكث في مكة حدود عام في 1885م، وبقيا على تواصل حتى بعد عودة الأخير الى اندونيسيا عبر القنصل الهولندي في جدة الخواجة فان دير شايس.. وخلّفا سوياً مجموعة قيمة من الصور الفوتوغرافية التي تناولت كافة المظاهر الجغرافية والعمرانية والحضارية والاجتماعية في مكة المكرمة في زمانهما – وتعد مجموعتهما المشتركة بمثابة ثروة أركيولوجية هائلة، ومصدراً رئيسياً للبحث العلمي في تاريخ وأنثروبولوجيا مكة والحج والجزيرة العربية.

خطاب السيد عبدالغفار الى القتصل الهولندي في جدة فان دير شايس في 1887م يرد على بعض استفسارات سنوك عن احد قصائد الشاعر بديوي الوقداني، وفتوى اباحة التدخين لمفتي الشافعية في مكة احمد زيني دحلان – كما يستسفر بدوره عن بعض المسائل الفنيّة الخاصة بالتصوير الفوتوغرافي. (من مقتنيات لايدن)

ومجموعة السيّد عبدالغفار التقطت في مكة بين أعوام 1884م و 1889م.

وتنقسم تلك التي أُخذت لأفراد الى نوعين: صور انصب فيها اهتمام السيد عبدالغفار على تصوير حكام الحجاز وأشرافه وأعيانه وأثرياءه على طريقة البورتريه – لأسباب ربحية او توثيقية.. هنا نماذج:

الشريف عون الرفيق – شريف مكة. الصورة مشتركة بين عبدالغفار وسنوك.

حاكم الحجاز التركي: عثمان نوري باشا. الصورة مشتركة بين السيد عبدالغفار وسنوك.

موظف تركي رفيع. مطوّف مكي. وتاجر مكّي من أصول هندية. السيد عبدالغفار عام 1886.

الشريف يحيى – الثاني من اليمين يحيط به عبيده ومرافقيه – ويتباهى بالوشاء المذهب لبعيره.

الشريف عبدالله ابن ملك الحجاز (فيما بعد) الحسين بن علي، في طفولته مرتدياً الزي القازاكي العسكري. والشريف عبدالله هو احد قيادات الثورة العربية فيما بعد وأول ملوك الأردن. الصورة في مكة عام 1886.

ثم هناك صور الأفراد التي طلبها سنوك خصيصاً لشخصيات عادية من طبقات اجتماعية متنوّعة لأغراض الدرس الأنثروبولجي.

امرأة بالزي المكي بدون حجاب . تصوير السيّد عبدالغفار – مكة 1886م.

امرأة مكيّة في عرس مكّي كما في عام 1887م، من تصوير السيّد عبدالغفار. (من مقتنيات لايدن)

ومجموعة السيّد عبدالغفار وصلتنا  كاملة عبر ارشيف سنوك هوروخرونيه الذي اهداه الى معهد الدراسات الشرقية في لايدن بهولندا عند افتتاحه عام 1927م (وبقيت مفقودة ومهملة حتى وُجدت عام 1983م) .. الا صورة واحدة لكراكون مكة (مخفر الشرطة) أخذها السيّد عبدالغفار البغدادي عام 1886م هي من مقتنيات قصر يلدز بتركيا:

كراكون مكة – 1886

هكذا كان يوقْع السيّد عبدالغفار على صوره – فيما يعرف بأول توقيع ضوئي مكّي:

“فوطوغراف الطبيب السيّد عبدالغفار”

- 1885م: مجموعة المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هوروخرونيه – أول مصوّر أوروبي لمكة: 

سنوك هوروخرونيه – أول مصوّر أوروبي لمكة. أخذ له هذه الصورة السيّد عبدالغفار في مكة عام 1885م.

كان الكولونيل كريستيان سنوك هوروخرونيه (1857-1936م)، أستاذاً للعربية في باتافيا (جاكرتا حالياً)، ثم بروفيسورا في معهد الدراسات الشرقية في لايدن بهولنده منذ افتتاحه عام 1927م.

تعد مجموعته الفوتوغرافية العريضة وهائلة التنوع والدقة عن الحجاز ارثاً معرفياً، سواء تلك الصور التي أخذها بذاته ابّان مكوثه في جدة ومكة عامي 1884م و1885م – او تلك التي طلبها خصيصاً وموّلها لتكون من مقتنياته – والتقطتها له السيّد عبدالغفار البغدادي.

وبخلاف السيّد عبدالغفار.. اهتم سنوك بتصوير الجماعات المحلية الحِرفية والطوائف الشعبية العامة، اضافة الى الجماعات الاثنية والعرقية المتنوعة القادمة للحج.. نكتفي هنا بثلاث صور للتوضيح، خصوصاً ان هذه المجموعة ومنذ خروجها للعلن في 1984م باتت متداولة بين الباحثين والمختصيّن:

صورة لمجموعة من حجاج جاوى في حج 1885م ويظهر الحاج عبدالجليل بيلينغ الذي سيغدو فيما بعد من رموز المقاومة والجهاد ضد الاستعمار الهولندي لاقليم آتشيه الجاوي. تصوير: سنوك في جدة

شيخ المعادي ورجال البحر في جدة. تصوير سنوك عام 1884م.

رجل من أفارقة الحجاز خارج سور جدة. تصوير سنوك عام 1884

اضطر سنوك الى ترك مكة المكرمة بغتة بعد ان توجّس منه خيفة الشريف عون الرفيق.. لكنه استطاع انجاز مشروعه العلمي الطموح في توثيق أنماط الحياة الاجتماعية في مكة عبر قنطرة القنصلية الهولندية في جدة، بتعاون من تلميذه فيها الخواجة فان دير شايس ومن أعقبه من القناصل، وعبر مندوبين محليين: السيّد عبدالغفار البغدادي في الشق الفوتوغرافي، والسيّد جمال تاج الدين في الشق التسجيلي الصوتي كما سيأتي.

صورة لسنوك هوروخرونيه في قنصلية جدة عام 1885م.

- اولى التسجيلات الصوتيّة في الحجاز: 

مبنى القنصلية الهولندية جدة 20 فبراير 1909م: السيّد محمد (بعمامة العلماء والمنشدين) حاملاً آلة القنبوس (العود) امامه الفونوغراف، على يمينه السيّد جمال تاج الدين (متعهد التسجيلات)، وعلى شماله الماس محمد هاشم بالعمامة البلدي. من تصوير القنصل شيلتما والصورة من مقتنيات لايدن.

تختصر هذه الصورة قصة أولى التسجيلات التي سعى خلفها سنوك هوروخرونيه، واستمر تسجيلها في اسطوانات شمعية في طول الحجاز وعرضه طيلة ثلاث أعوام من 1906م الى عام 1909م.

كان سنوك هوروخرونيه مسئولاً رفيعاً في الدبلوماسية الهولندية عبر البحار في مواقع نفوذها في جزائر جاوى وجزر الهند الشرقية. كانت مهمته تنحصر في رصد واستشراف اتجاهات الفكر لدى السكان الجاويين المحليين، وكان ذلك باعث رحلته الأولى الى مكة عام 1885م. لكن نزعات المعرفة والاستطلاع ستنمو لديه.. فاستغل درايته وقدراته اللوجستية في رفد حقليّ  اللسانيات والموسيقى الاثنيّة وفلكلور الشعوب بمواد رائدة عن مكة. وفي سبيل تنفيذ مشروعه أرسل سنوك الفونوغراف الخاص به الى الحجاز عام 1906م.. عبر ترتيب يشرف عليه السيّد محمد سعيد تاج الدين أحد أقطاب نقل حجاج جنوب شرق آسيا بالسفن البخارية، مع القنصلية الهولندية في جدة وعبر مندوبه وشقيقه في الحجاز السيّد جمال الدين آل تاج الدين.

احد اعلانات شركة تاج الدين عام 1921م مكتوب بأحد اللغات الجاوية المحلية. (من مقتنيات لايدن)

سُجل على تلك الاسطوانات قدر هائل من كل ما يمكن أن يخطر على البال مما يخص الموروث الحجازي بين عامي 1906 و1909م: سور صغار من القرآن الكريم. أذان الحرم المكي. ابتهالات دينية وموشحات مديح نبوي وتزهيد. غناء محكي. دانات مكيّة مُغنّاة على آلة العود. ألوان من المجرور والحدري والفرعي. مجسات على الأصول والفروع. تسجيل لغناء جماعي في الحارات الشعبية كمقاطع من الصهباء المكيّة ويماني الكف. غناء نسائي. شعر بدوي. غناء لنساء بيشة. مقاطع من احتفالات الزواج. مقاطع ترصد الأهازيج المغناة في الاحتفالات العامة مثل افتتاح محطة معان الحجازية ضمن سكة حديد الحجاز عام 1907.

وفي وثيقة لمحمد سعيد تاج الدين لأخيه (انظر للصورة بالأسفل) ارسلت في منتصف عملية التسجيل عام 1907، نجده يحدد له الأقدار المطلوبة من التسجيلات وأجناسها، كما ينبهه الى عدم ارسال ما سبق وتم جمعه من دانات او مجسات.

خطاب محمد سعيد تاج الدين في جاكرتا الى أخيه في الحجاز يحدد له الأقدار المطلوبة من التسجيلات وأجناسها ويحذره من عدم تكرار ما تم تسجيله مسبقاً. (من مقتنيات لايدن)

ومن هذه الوثيقة نخلص الى ان أول الدانات المكيّة/اليمانية التي جرى تسجيلها في مكة عام 1906م كانت كالتالي: حوري على رضوان. اراك طروبا. في حط لك يا منى قلبي على الخد شامة. ما القميري ترنّم في الظلام. ما حركت سكناة الأعين النجل. تردّو علي طرفي النوم الذي سُلبا. ليذهب في ملامي كيف ما ذهبو. حذاري سيوف الهند. بات ساجي الطرف. أسعد الله مساك. نالت على يدها. سبت فؤادي بالعيون الملاح. سبت بذاك المحيا طلعت البدري. اذا عقد اللثام بداها لا لا. يا رب سألتك بسورتي حاء وميم. ما بين معترك الأحداق والمهج. قال الشجي الهايم اسمع يا فهيم. وابروحي من الغيد كالهلال. قال المعنّي بدت قمري. يا ساري الليل قم وانظر حروف العشّاق. يا الله يا عالم الضماير. جرحت قلبي بلحظ منك فتّاك. رهيني الهوى يشكي من يودّه. يا هل الهوى اليوم خلّي أطال.

فيما المصري الذي كان يُغنى في الحجاز: أدو الميّاس. دلالك يا جميل أفراح. افرح وصالك. وأول مجرور تم تسجيله:  سلو فاتر الأجفان صافي الثنايا.

أما أول المجسّات المكيّة التي سجّلت في مكة فكانت: يا قلب انت وعدتني في حبهم. ابقي لي مقلة لعلّي يوما. بدا فأراني الظبي والغصن والبدرا. وحقك اني قانعٌ بالذي تهوى. سلو فاتر الأجفان عن كبدي الحرا. حجبوك عن مقل الأنام. ان عيني من غاب شخصك عنها. جذبته للعناق فانثنى خجلا. عني خذو وبي اقتدو. لقد رام خلّي من ارادت وصاله. سمعت سويجع الأثلاث غنّي. وملكته روحي وان عنّي عفا. ان الغرام هو الحياة فمت به. بدا فأشبه غصن البان في الميل.

وثيقة من ارشيف سنوك ويبدو فيها ملاحظاته بالهولندية على كلمات دانتيّ: حوري على رضوان، وأراك طروباً. (من مقتنيات لايدن)

كانت التسجيل على الاسطوانة الواحدة لا يزيد عن ثلاث دقائق. وبعض التسجيلات تُجزء على أكثر من اسطوانة. ومن أهم الأصوات التي سجّلت الأذان المكّي المقرئ والمدّاح اليماني المعروف جابر احمد رزق، من اهل صنعاء أصلاً، ثم رحل الى الحديدة قبل ان ينتهي به المطاف في الحجاز.

وكان الى جانب اللهجة الحجازية الحضرية الأكثر حضوراً – لهجات أخرى لافراد يتحدثون الحضرمية والزنجبارية  والعربية بمخارج صوتية جاوية. غير ان أهم ما يمكن استخلاصه من الاسطوانات: وحدة الفضاء الصوتي والموسيقي بين الحجاز وتهامة واليمن – وتداخل الموروث وتشابكه- ومرونة تنقل الأفراد والمؤديين شمالاً وجنوباً دون قيود جوهرية.

اليماني جابر رزق قرأ القرآن على الطريقة الحجازية بصوت تهامي

لقد شحنت تلك الإسطوانات بعد الفراغ من تسجيلها من مكة عبر قنصلية هولنده في جدة الى جاكرتا حيث مقر اقامة سنوك على دفعات زمنية طويلة من 1907 الى 1920م . وأودعها سنوك ارشيفه الشخصي – قبل ان يهديها الى معهد الدراسات الشرقية في لايدن سنة افتتاحه عام 1927م – حيث اشتغل سنوك بالتدريس الى وفاته.

ظلت تلك الاسطوانات حبيسة أضابير مُغلقة حتى بعثت من مرقدها عام 1983- اذ تم استخراج 150 اسطوانة شمعية من الركام – لكنها لم ترى النور سوى بعد مرحلة شاقة من الفرز والتحليل والتفكيك والمعالجة الفنية في عام 1994 بتعاون اشترك فيه مركز الدراسات الشرقة في لايدن، ومتحف هارفارد للثقافات الساميّة، واكاديمية ارشيف الفونوغراف في فيينا.

اسطوانات الحجاز. بقيت في اضابير معهد لايدن لسنوات. ولا يزال غالبيتها مطمورا لم تمتد اليه يد الاعتناء. الصورة خاصة بمكتبة لايدن

كان أديسون قد اخترع جهاز الفونوغراف في ديسمبر 1877م وبعد ذلك بعام شرع فيه ترويجه تجارياً. وفي 1881م ادخل عليه تقنية الاسطوانات الشمعية لتسجيل الصوت.

واول التسجيلات العربية رصد في سبتمبر عام 1893م- وهو تسجيل لموسيقى عربية وجاوية على مسرح تركي – من تسجيل  البروفيسور بينامين جيلمان من جامعة هارفارد.

وكان عبده الحامولي اول مطرب يسجّل اغانيه على الفونوغراف قبل وفاته عام 1901.. فيما بدأت صحف مصر بالاعلان عن المسجلات الاسطوانية لافضل المغنيين المصريين والشرقيين منذ عام 1904. كما وجدت تسجيلات لمطرب ظفاري من عُمان من مقتنيات معهد فيينا للموسيقى- يعود تسجيلها لعام 1902م.

كان سنوك في رحلته لمكة في 1885م قد وثّق الصلة بعالمين من علماؤه: السيّد عبدالله بن محمد بن صالح زواوي، مفتي الشافعية، والسيّد عثمان بن عقيل. واستطاع لاحقاً من خلال معرفته بهما ان يستخرج منهما أولى الفتاوي المحلية في حكم الفونوغراف.

وفي عام 1889م اصدر السيّد عثمان بن عبدالله بن عقيل رسالة طلوع بدر العلم المرتفع يرحب فيها بالآلة الجديدة، ويفتى باباحتها طالما روعيت في تسجيلاتها الآداب الاسلامية. كما لم يمانع تسجيل صوت المرأة طالما انها ابتعدت عن اثارة الغرائز.

السيد عثمان بن عبدالله بن عقيل – عيّن لفترة مفتيا لجاكرتا لكنه قُتل في الطائف عام 1924 ٠ هنا نراه حاملاً لنوط الشرف من الهولنديين عام 1899

وفي 8 سبتمبر 1908م اصدر السيّد عبدالله بن محمد بن صالح الزواوي، مفتي الشافعية في مكة فتوى بإباحة تسجيلات القرآن والابتهالات الدينية على الفونوغراف في جواب على سؤال سنوك هوروخرونيه.

اجابة بخط يد السيد عبدالله الزواوي على اسئلة سنوك هوروخرونيه في حكم الفونوغراف. مكة 1908. (من مقتنيات لايدن)

السيّد عبدالله زواوي، مفتي الشافعية في مكة، الصورة من تصوير سنوك هروخرونيه في مكة عام 1885م

Posted in مٌباشرة للتدوين | تعليقات

بديوي الوقداني العتيبي.. شاعر الحجاز.

حصن بديوي الوقداني في وادي نخب، حدود الطائف. ويبدو انصياعه الصارخ لأطر الطراز العمراني المتميّز في بادية الحجاز. (تصوير: خالد قربان).

“كم نُقاسي والقَسَا مُرَّ المذاق .. رُبما نِلقى عن المَنزلْ بديل” – بديوي الوقداني (1828 – 1878)

ينتمي بديوي الى قبيلة وقدان من عتيبة، سكّان ضاحية نخب بالطائف. هو كبير شعراء بادية الحجاز في العصر الحديث.. وترجمان عصره، اذ يعد شعره الذي وصل الينا شفهياً، مصدراً أساسياً من مصادر التراث الإنساني في الحجاز، ومادة غنيّة للدرس الانثروبولوجي، ومرآة صقيلة للحياة الاجتماعية فيه، وفي باديته على وجه الخصوص، بالقرن التاسع عشر.

وأغلب ما وصل الينا من شعر الوقداني هو نتيجة جهود الراوية عبدالله بن عابد الهبيهبي الوقداني، أو ذلك الذي دوّنه محمد سعيد بن حسن كمال في موسوعته الباكرة الأزهار النادية من أشعار البادية (1963)، او النزر اليسير الذي أورده المؤرخ الحضراوي في تواريخه.

كانت أشعار بديوي الوقداني تشكّل المادة المغناة على ألسنة الناس في ساحات وأسواق مكة والطائف، فهو “خرج .. حاملاً لواء الشعر [في عصره]، إذا غرّد أسكت البلابل، وإذا غنّى أطرب المحافل” كما يقول محمد سعيد كمال. اشتهرت قصيدته: (أيامنا والليالي. كم نعاتبها؟.. شبنا وشابت وعِفنا بعض الأحوالي)، دون غيرها، حتى باتت نشيداً ودانة شعبية، ترتفع على ألسنة المطربين، ويتغنّى بها أبناء الحوائر والبوادي في أسمارهم ومنتدياتهم، ولا تسقطها إلا شروقات شمس مكة!

نظّم الوقداني الشعر الحُميني (الشعر الحجازي البدوي)، واشتهر به، ثم قرأ قليلاً من النحو والأدب، فنظّم (القريض) وأجاد فيه، ما دعا محمد سعيد كمال لاطلاق عليه لقب “فارس الميدانيْن”. والشعر الحميني كان منسجما مع الحالة الراهنة لبادية الحجاز التي كانت تخلو من المدارس.. يقوله الناس على السليقة، وينظمونه على السجيّة، وينشدونه في المجالس.. فكان رأس مال ذلك الشعر، هو السماع، والثقافة الشفهية، فمن يقصد تلك المجالس يتدرب فيها على نظم الشعر ومعاناة الأوزان.

وكانت عامية البدو في الحجاز أقرب الى الفصيح من سائر اللهجات لقلة مخالطتهم الأعاجم، لكن تعطل ألسنتهم عن الإعراب وقواعد النحو جعلتهم يتصرفون في الكلام على غير نظام.

وكان البدو يعتبرون في أعرافهم الموروثة، ان الجلوس والخروج مع الأجانب وخصوصا القناصل الاجانب عار، حد ان من يفعل يُتهم بأنه “تقنّصل” …. ودخل الوقداني ذات مرة على مجلس الشريف عبدالله بن عون فوجد عنده عدة قناصل أجانب قادمين من جدة، فأنكر ذلك وهمّ بالخروج، غير ان الشريف، اقتنصه دون تنسيق، وأمره بمخاواتهم لمشاهدة بعض الضواحي، فانصاع الوقداني متثاقلاً.. لكنه في غداته، لمحه رجل من جماعته وسأله محتداً: هل تقنصلت؟ فقال الوقداني:

قالوا تقنصلت ما تخاف الملامة .. ما تستحي ونت قطير ابن عباس؟ (أي مجاور لعبدالله بن عباس بقبره بالطائف)

قلت العفو ما  اغوى دروب الهداية .. الدرب واحد والقدم يتبع الراس

كان بديوي ابن عصره، فعُرف بكونه مدّاح وجهاء عصره؛ الشريف عبدالله بن محمد بن عون وأخيه حسين بن محمد بن عون. يقول مادحاً الشريف الحسين بن محمد بن عون:

يا عون يا سيدي كَسَيت أنت فرّاج .. ونا تراني عِند سُلُوك اللُّجينِ

.. وفي قصيدة أخرى يمدح فيها الشريف عبدالله:

هبّت هبوب الحظ والنصر قايم .. وشمسك بدت وشمس أعاديك غابت

ويقول مادحاً الشريف عبدالله، مستدعياً عراقة الانتماء للبيئة المحلية:

قُل له من الطايف وهذي عَلامي .. يابن محمد يا حمى كل تالي 

واجتمع الوقداني مرة بالشريف عبدالله بن عون، الذي كان يحكي في مجلسه رؤيته لوالده الشريف محمد في المنام.. فنظّم الوقداني شعراً على لسان والده، استفتحه بعبارات شهيرة من لهجة عتيبة:

ألا يالله يا جزل العطايا يا عالي الشان

فطلَب الشريف من الوقداني أن يعمل على هذا المنوال، فقال:

ليا سيّرت قومي زلزلت صنعا ونجران.. وهجّت بدوها، والحضرْ شدّت من قراياها

وبيشه والقُرى والغامدي وبلاد زهران.. ولا يبقى ديار بالعساكر ما وطيناها 

وقد مدح بديوي الأشراف من ذوي زيد، وهجا خصومهم من ذوي عون على حسب ميوله .. يقول:

يا مادح الأنذال مدحك خسارة .. وراك ما تمدح هل الفضايل والجُود

وتحضر ثنائية البادية والحاضرة بشكل مركزي في أشعار الوقداني. فهو يقيم مناظرة طريفة بين رمزين من البيئة الحجازية؛ بين الشاهي بوصفه رمزاً حضرياً، والسليق بوصفه رمزاً بدوياً، في أيهما أرفع مكانة، وأعظم شأناً! يقول الوقداني:

البارح الشاهي كتب للسليق أمر .. يقول بالله لا نشوفك هنيه

انت من البدوان ون تقرب الحضر .. الحضر في حُكمي وعندي رعيّة 

أخاف تخلفهم يميلون بالغدر .. ولين لا عسكر ولا مملكيّة 

ثم يرد السليق، وهو الأرز المخفوق بالحليب والمزجّى باللحم، بوصفه رمزاً طائفياً بدوياً:

قال: انت يالشاهي كما فيّة العصر .. يجي لها القاضي قليل الرعيّة

اسخف من النعناع وأسود من القطر .. نشف الدماغ وفيك كل الأذيّة

انا الذي مذكور في البر والبحر .. في مدة الاسلام والجاهلية 

السمن خدّامي ومن تحتي التمر .. والبُرّ صاحب في العلوم القسية 

واللي يصاحبني دعا ليلة القدر .. ونا مع الحُجّاج يوم الضحيّة

جدة ومكة والمدينة وهل مصر.. والشام وصطمبول وسكندريّة

والهند والبصرة وصنعا وهل حضر .. خدّامتي في الخير والمعسريّة

والوقداني الذي ينتخي ببداوته.. نجده في قصيدة أخرى نظمّها كنصيحة لابنه عبدالعزيز، يوصيه بالانتباه من “عادات البدو”، في نقد شديد للذات البدويّة:

عبدالعزيز الليث يا سبع غابة .. يا شيت ويش اللي مع البدو نشّبك

ما خْبَلْكْ يا باغي من البدو ثابه .. البدو ون شافت معك شي تنهبك

ويسير بديوي في احد أسواق مكة، فيرصد مصادفة أحد بائعي القماش من الهنود، يتغنّى بأحد قصائده، بنطق غير سليم تشوبه العجمة. فيستشيط منه غضباً، ويقرّعه على رأسه بمشعابه، ثم يذهب الى حد بعثرة بضاعته.. وحين تم استدعاء الطرفين من قبل شريف مكة، سأله الشريف متعجباً: لم بعثرت بضاعته؟ فردّ: لقد بعثر بضاعتي (شعري)، فبعثرت بضاعته!

لكن الوقداني سيستحيل متسامحاً رقيقاً في موقف آخر، اذ يقول شعراً غزلياً في هندية حسناء من أهل مكة:

يا مقصب الهند جابتك المراكب من بلاد الهنود .. جدّيد ومشوجرا 

وكتب الوقداني شعراً فيه حكمة وغزل رقيق:

أوّل استبداي باسمك يا حنون .. يا كريماً ما تِخالفه الظنّون

أمرك المحفوظ في كافٍ ونون.. ونت لي في كل مغواي دليل

هيّج اشواقي حمام في الغُصون.. بات ساجع في بديعات الفنون

وكان الوقداني، صاحب كرامة عالية يقدس الحريّة، فيه مخايل رجالات البادية الأنقياء.. يقول بعد ان ضاق به المقام في وطنه:

دع ابلاد الذُل وارحل يا لبيب.. واغترب فالكل بالدنيا غريب

ويقول:

اقطع البيدا على عُوج النّضا.. لو يكون تمشي على جمر الغضا

ثم:

الدبش والمال لا بُدُه يرُوح.. والثنا والمجد جيلٍ بعد جيل

ونلاحظ هنا تداخل اللهجتين البدوية والحضرية المكّية فيما يخص الاستعارات الدارجة لمفردة (الدبش).

لكن أشهر قصائد الوقداني على الاطلاق هي: أيامنا والليالي.. وهي مغناة ومن صميم التراث الحجازي كما ذكرنا:

أيامنا والليالي، كم نعاتبها؟ *** شبنا وشابت وعفنا بعض الأحوالي 

تاعد مواعيد، والجاهل مكذبها *** واللي عرَف حدها من همها سالي 

إن أقبلت يوم ما تصفى مشاربها *** تقفي وتقبل وما دامت على حالي 

في كل يوم تورينا عجايبها *** واليوم الأول تراه احسن من التالي 

أيام في غُلبها وايام نِغلبها *** وايام فيها سوا والدهر ميالي

جربت الأيام ،مثلي من يجربها *** تجريب عاقل وذاق المُر والحالي

نضحك مع الناس والدنيا نلاعبها *** نمشي مع الفيّ طوع حيث مالي 

كم من علومٍ وكم آداب نكسبها *** والشعر مازون مثقالٍ بمثقالي 

ثم يقول:

لا خير في ديرةٍ يشقى العزيز ابها *** يَمشي مع الناس في همٍ وإذلالي

دارٍ بها الخوف دومٍ ما يغايبها *** والجوع فيها ومعها بعض الأحوالي

وفي هذه القصيدة، يستعلن الوقداني هويّته العتيبية الصميمة.. فيقول منتخياً:

دللت بالروح لين ارخصت جانبها *** ونا عتيبي عريب الجدّ والخالي

قومٍ تِدوس الافاعي مع عقاربها *** ولها عزايم تهد الشامخ العالي

وفي قصيدة أخرى يقول الوقداني عن عشيرته عتيبة:

رحنا عصى الحُكام من يوم جدّنا.. وحنا عتيبة للملوك اسلاح

وكانت البادية الحجازية تنقسم الى أهل غرس وفلاحة، وأهل وبر وخيام.

وفي مساجلة بين الوقداني والشاعر عبدالله الصليمي اللحياني، والأخير من أهل وادي فاطمة، نلمس شيئاً من هذا التمايز. وكان الصليمي قد أعجز جميع الشعراء وأسكتهم في حضرة الشريف عبدالله بن عون، فقال الصليمي للوقداني: “بالله يا اهل الغرس والرمان .. بالله من غرس البساتينا” .. فأجابه الوقداني: “ما عندنا الا الخوخ والرمان .. رُوسُه كما دبس الوذانينا”.. الى أن يقول:  ”انت من لحيان وانا من عتيبة أهل سرد الخيل فيام الزحام”.

 وقد تأثر شبان الأدب الحديث في مكة بأشعار البادية الحجازية، وعلى رأسها شعر بديوي الوقداني.. اذ كانت أحد مصادر التراث التي تشرّبوها بحكم النشأة والبيئة… خصوصاً أؤلئك الذين نشأوا في محلّات (حوائر) مختلطة بين أهالي الحاضرة والبادية.

ومن هؤلاء الشاعر حسين عرب، الذي يعد من التقليديين المجددين، الذين نشأوا في محلة شعب عامر، بين مجالسها ومنتديات أسمارها الشهيرة، وهي المحلّة التي كانت يسكنها جماعات من قبائل الحجاز مثل عتيبة وسليم وغامد وزهران وثقيف والاشراف العبادلة والحرث، الى جانب العوائل المكيّة الحضرية. يقول حسين عرب في آخر حواراته مع أحمد العرفج في مجلة اليمامة (العدد 1326): “كنت استمع الى ألحان الفرعي والمجرور والمجالسي والخبيتي.. فعشقت الشعر المُغنّى وهو شعر نبطي وكنت أعجب وأطرب له، وكنت أفهمه لأني تعودت على فهم لغة أهل هذا الحي بحكم الاتصال والجيرة والاختلاط مع ابنائهم وأهاليهم. وكنت أحفظ هذا الشعر الذي ينسب بعضه للشاعر الشريف بركات، وبعضه للشاعر بديوي الوقداني”.

يقال ان طه حسين، حين اطلع على أشعار بديوي الوقداني، انبهر من بِنائها وتلقائية ألفاظها، حتى نُسب له قوله: “لو أن هذا الشاعر البدوي الأصيل كتب أشعاره بالفصحى لنسي الناس المتنبي”.

والحقيقة ان الوقداني قد حاول تعلم النحو، فنظم قريضاً عربياً أراد به مدح الوزير محمد رشدي باشا الشرواني .. فقال:

أبرقٌ لاح أم قمر منير .. ومسك فاح أم نَدّ عبير

كما ملك الحجاز وارض نجد .. محمد باشا رشدي الشهير

بيد ان للوقداني قصيدة فصيحة جميلة أوردها الحضراوي في احد تواريخه:

سواجع الشوق باتت في أغانيها .. تتلو فنون الهوى والوجد يمليها

Posted in مٌباشرة للتدوين | تعليقات

خلا عليَّ بقاع الأرض إذ ظعنوا من بطن مكة واسترعاني الحزن

ثمة حملة شديدة ومتصاعدة تستهدف الكرامة الوطنية لأهالي الحجاز، وصلت الى حد شتم أنقى الرموز الوطنية من الحجازيين المعاصرين: الأستاذ عابد خزندار، بكلمات سوقية لا يليق ذكرها! في التالي حوار مُتخيّل للتذكير بالبديهي، ولتفتيت الأوهام السائدة. 

• ممكن ان تشرح لنا ماهو الوصف القانوني لأهالي الحجاز؟

أولاً.. بعد صدور قانون الجنسية العثمانية في 19 يناير سنة 1869، اندرج جميع رعايا الحجاز ضمن التابعية العثمانية. اذ نصت المادة التاسعة من القانون على أنه “يعتبر كل شخص مقيم بالديار العثمانية عثمانياً ويعامل كذلك إلى أن تثبت جنسيته الأجنبية بصفة رسمية”.

وبعد اعادة طرح الدستور العثماني في عام 1908، جاء في مادته الثامنة: “يُسمى كل رعايا السلطنة بدون امتياز بعثمانيين مهما كان دينهم”. وقد جرت انتخابات عامة في اقليم الحجاز لاختيار ممثلين عنه للبرلمان النيابي الاتحادي (مجلس المبعوثان)، انتهت بانتخاب: عبدالله سِرَاج (عن مكة والطائف)، والسيّد عبدالقادر هاشم (عن المدينة)، وقاسم زينل علي رضا (عن جدة).

• وماذا حدث بعد انطلاق الثورة العربية في مكة ضد الاتحاديين المُتغلبين (الترك) في 1916؟

أُعلنت الحكومة العربية الجديدة، وصدر مرسومان شريفيان؛ الأول بتأليف عبدالله سراج لأول حكومة حجازية مستقلة، في 7 ذي الحجة الحرام سنة 1334 (4 أكتوبر 1916)، وآخر بتشكيل مجلس للشيوخ في الحجاز برئاسة محمد صالح شيبي. كما أصدر قلم التابعية في وكالة الخارجية تابعيات عربية هاشمية جديدة بدلاً عن التابعيات العثمانية.

أقصوصة من جريدة القبلة المكيّة. العدد 20 بتاريخ 26 ذو الحجة 1334 الموافق اكتوبر 1916

• وماذا حصل لأهالي الحجاز بعد دخول الملك عبدالعزيز للحجاز؟

صدر أولاً  نظام التابعية الحجازية. في 22 ربيع الأول سنة 1345هـ، الموافق 1 اكتوبر 1926. الذي نصّ في مواده الأربع الأولى على:

الأولى: يُعتبر حجازيا كل من كانت تابعيته عثمانية قبل الحرب العامة من اهل الحجاز الأصليين او المقيمين.

الثانية: يعتبر حجازيا كل من ولد من أبويين حجازيين أو أب حجازي.

الثالثة: يعتبر حجازيا كل من يولد في الأراضي الحجازية.

الرابعة: يجوز لكل مسلم بالغ سن الرشد أقام في البلاد الحجازية مدة ثلاث سنوات متواليات ان يتحصل على الجنسية الحجازية اذا قدم طلبا بذلك الى الحكومة الحجازية بالذات او بالواسطة.

نظام التابعية الحجازية. 1926

• لعل فيما سقته لتوك ما يحسم المسألة قبل ان تبدأ.. لكن استئنف لكي نفهم!

.. ثم صدر قانون التابعية النجدية، الذي دُمج في النظام السابق بعد قرار مجلس الشورى رقم 500 الصادر في 24 رمضان. 1349هـ، الموافق 12 فبراير 1931.. وجاء فيه: يُسمى بنظام التابعية الحجازية النجدية ويشمل رعايا الحجاز ونجد وملحقاتها.

نظام التابعية الحجازية النجدية 1931

• وماذا حدث للتابعيات الحجازية والنجدية بعد الاعلان الرسمي عن توحيد الممكة وتغيير اسمها من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها الى المملكة العربية السعودية في 1932؟

ظلت الجنسيات الحجازية والنجدية تمنح كما هي، حتى صدر نظام الجنسية العربية السعودية الذي أصدرته الإرادة الملكية السنية في 13 شوال 1357هـ، الموافق: ديسمبر 1938: ليحل محل نظاميّ: التابعية الحجازية والتابعية الحجازية النجدية. وجاء فيه:

“يعتبر سعوديا كل من كانت تابعيته عثمانية قبل الحرب العظمى من سكان المملكة العربية السعودية الأصليين أو المقيمين أو كان مقيما فيها بتاريخ 22 ربيع الأول 1345هـ ولم يكن لديه وثائق تثبت تابعيته لرعوية أجنبية.

• ولم يجري تعديل هذا النظام بتاتا؟ 

بلى. حين عُدّل نظام الجنسية العربية السعودية بقرار مجلس الوزراء في  25/1/ 1374هـ، الموافق 22 سبتمير 1954، وتعديلاته الصادرة في تاريخ 22/ 2/ 1374هـ، الموافق: 19 اكتوبر 1954.. جاء فيه ما يؤكد ما سبق:

السعوديون هم :

أ. من كانت تابعيته عثمانية عام 1332هـ الموافق 1914م من سكان أراضي المملكة العربية السعودية الأصليين.

ب. الرعايا العثمانيون المولودون في أراضي المملكة العربية السعودية أو المقيمون فيها عام 1332هـ الموافق 1914م الذين حافظوا على إقامتهم في تلك الأراضي إلى 22 / 3/ 1345هـ، ولم يكتسبوا جنسية أجنبية قبل هذا التاريخ.

ج. من كان غير الرعايا العثمانيين مقيماً في أراضي المملكة العربية السعودية عام 1332هـ 1914م وحافظ على إقامته فيها إلى 22 / 3/ 1345 هـ، ولم يكتسب جنسية أجنبية قبل هذا التاريخ.

• مهلاً.. مهلاً.. ولكن من هم السكان الأصليين للحجاز المشار اليهم في الفقرة (أ) ؟

هم نسيج المدن والريف والبادية الحجازية لقرون. يمكن استخلاص خارطتهم من التقاويم (السالنامات) والأوراق الادارية السنوية الخاصة، والمراسلات الرسمية الداخلية والخارجية لولاية الحجاز في العهد العثماني، والوثائق السياسية والدبلوماسية والاستخباراتية، ومؤلفات طبقات الأعلام، ومُشجرات الأنساب، ومسلسلات الاجازات والأسانيد، والحجج والسندات وصكوك الاستحكام ومعاملات التجارة وتملك العقار وأرشيف المحاكم وكتابة العدل، ومؤلفات التاريخ الرسمي والموازي للمؤلفين الوطنيين والمستشرقين والرحالة، والوثائق المحفوظة في دوائر الارشيف العثماني والبريطاني.. ناهيك عن الروايات الشفاهية لسكان المدن والقرى والبوادي والهجر.

 • وماذا عمن يقول ان الحجازيون مرتزقة يطمعون في الجنسية السعودية؟

بحسب الوثائق البريطانية، فان الناتج المحلي للحجاز عشية دخول الملك عبدالعزيز الى مكة كان قد تجاوز الخمس ملايين جنيه انجليزي، أما حجم ما يصدّره تجار الحجاز سنوياً من الذهب يزيد عن المليون جنيه نتيجة عوائد موسم الحج. (فيما كان دخل اقليم نجد في ذات الفترة يساوي 12,000 جنية انجليزي شهريا فقط).

كان الاقتصاد الحجازي يقوم على الخدمات وعوائد السياحة الدينية.

وبدأ النموذج الاقتصادي في الحجاز في التبلور والاندراج في شكل معرفي حديث بين عامي 1934 و1936.. نتيجة جهود أقطاب المالية والتشريع والصناعة في مكة أمثال: محمد سرور الصبان ومحمد شطا ومحمود شلهوب وعبدالله باحمدين ومحمد علي ملطاني.. فتأسست في تلك الفترة أغلب شركات المساهمة العامة التي كانت تقيم أود الاقتصاد السعودي الحديث، قبل تدفق الزيت بكميات تجارية. مثل شركة: الاقتصاد والتوفير التي أسست كمحفظة استثمارية تستثمر في مشاريع تنموية وانتاجية وصناعية، والشركة العربية للسيارات، وهي شركة خدمات  للنقل العام، والشركة العربية للصادرات الوطنية، وجمعية القرش للمشاريع الاقتصادية، وهي مؤسسة نفع عام.

• حسناً.. حسناً.. كل هذا يخص النسيج الموجود قبل الحكم السعودي. ماذا عمن تجنّس بعد تواريخ اعلان السعودية؟

الحجاز استعراق. كان استاذنا محمد حسين زيدان يقول ان عظمة الحجاز انه البوتقة التي تصهر كل طارئ عليها، كل لاجئ إليها كل من شرب زمزمها ورضع لبانها.

حتى “المجنسين” بعد العهد السعودي لا تطولهم نظرة تفرقة. بعضهم كان يحمل جنسيات انجليزية وفرنسية وهولندية ومصرية، وتركها لأجل الجنسية السعودية، إما لمصالِح، او لمجاورة، او لمصاهرة. انظر هذا اعلان في جريدة أم القرى الرسمية لمتجنسين استفادوا من نظام الجنسية السعودية لعام 1938:

نموذج للاعلانات الدورية عن المجنسين بالجنسية العربية السعودية بالصحيفة الرسمية

 • هل تقصد ان هؤلاء ليسوا مرتزقة -أيضاً- ولم يجيئوا لأجل الزيت؟

 للعلم.. كثير من هؤلاء “المجنسين” كانوا أثرياء، ينفقون على فقراء الحجاز ومؤسساته.. انظر مثلاً بيانات تبرعات الحجاج وأثرياء الأقطار الاسلامية الأخرى:

تبرعات أثرياء الحجاج الهنود لايصال المياه لمكة المكرمة. صحيفة أم القرى  14 فبراير 1936

تبرعات أثرياء الحجاج الهنود لايصال المياه لمكة المكرمة. صحيفة أم القرى 14 فبراير 1936

• يا سلام؟! .. خان وبيكم وشاه يتبرعون لنا؟ كيف هذا؟!

ليكن في علمك. كان الصرّ المصري يأتي سنوياً من مصر ليوزع في مقرّ التكيّة المصرية بمكة على الفقراء والمعوزين. ومثله الصرّ التونسي. تماما مثلما اخذ أثرياء الهند على عاتقهم عبء تمويل التعليم والبرامج الانمائية في مكة. لقد كان أثرياء الجاوة والهنود والمصريين والمغاربة الدعامة الرئيسية لتدفق الأموال على مؤسسات الحجاز.

نمذج لتبرعات أثرياء المصريين لمؤسسات مكة الخيرية. صحيفة أم القرى 14 مارس 1936

ثم نحن يجب ان نتواضع قليلاً. هنا مثلاً أثرياء السودان ينفقون على فقراءنا. انظر:

أقصوصة من صحيفة حضارة السودان بيان تبرعات السودان للحرمين في 1935

• طيّب هذه أمم تحضرت قبلنا. ماذا عن البخاريين والأزبك والصينيين هؤلاء أكيد تجنّسوا بالجنسيّة السعودية لأجل أموالنا؟

بعض هؤلاء عريق، ومكّون أساسي في نسيج المجتمعات الحجازية لقرون وعقود سبقت العهد السعودي، ناهيك عن اكتشاف الزيت اساسا. خذ مثلا هذا مواطن مكي من بيت طاشكندي يعلن في صحيفة ام القرى عن ضياع ختمه المسجّل بتاريخ 1920:

أما لمن هاجر بعد الحكم السعودي. فهؤلاء استحالوا أطباء وطلبة علم وتجار منذ الوهلة الأولى، كما اندمجوا في النسيج الحضري.

سأرفق هنا مقاربة خاطفة: في الأسبوع الذي اُعلن فيه عن بدء تصدير الزيت السعودي بكميات تجارية، كان ثمة اعلانات لعناصر بخارية تعمل في الطب والتجارة:

اعلان البدء في تصدير الزيت بصحيفة أم القرى. 9 سبتمبر 1938

سبتمبر 1938

سبتمبر 1938

سبتمبر 1938

• ألم تكن ثمة حساسية في ابراز الألقاب والانتماءات واسماء الشهرة الأجنبية؟

الى حد كبير: لا.

خذ هذه الأمثلة قريبة العهد: افراد من بادية الحجازية اندمجوا في الحاضرة دون ان يأبهوا كثيراً لأسماء الشهرة القبلية التي تخصهم.

وثمة اخرين من الفسيفساء الحضري، كانوا حتماً لا يرضخون لمنطق الحساسيات الطارئ.

هذا مواطن مكّي من آل بوقري، يترك لقب العائلة التجارية الأبرز في مكة في حينه، مقابل حيازة لقب خان.

وهذا مواطن مكّي يستعيد لقب (فلاتة) بكل اعتزاز.. بعكس المنطق الجائر السائد.

• سبق وان ذكرت في احد مقالاتك بالوطن: ان أهالي الحجاز هم شركاء الوحدة السياسية ؟ هل هذا كلام انشائي؟

اطلاقاً لا.

كان في الحجاز حكومة دستورية تكونت بعد تنازل الحسين عن العرش والمناداة بابنه علي ملكاً على الحجاز عام 1924، شكلها الحزب الوطني الحجازي. صمدت أول مرة ضد السلطان عبدالعزيز، ثم كانت هي من تخاطَب وتفاوَض من الطرف الحجازي لترتيبات الحكم بالحجاز.

وبعد سقوط جدة، كآخر معاقل الحجاز الصامدة، شُكلت حكومة اهلية مؤقتة في جدة، رأسها الحاج عبدالله علي رضا مع بقاء جميع كبار الموظفين الأهليين، فوقّع اتفاقية تسليم جدة للسلطان عبدالعزيز (انظر الصورة بالأسفل). وأُعد سرادقا ضخما للاحتفال به في الكندرة خارج البلدة. كان عبدالله علي رضا رئيس الحكومة المؤقتة، يقدم للسلطان عبدالعزيز، قناصل الدول ومندوبي الشركات الاجنبية وضباط الجيش الحجازي والعلماء والاعيان من اهل جدة واهل مكة الذين نزحوا الى جدة بعد سقوط مكة.

وقال السلطان عبدالعزيز في خطابه في 8 جمادي الثاني سنة 1344هـ، ان “مستقبل البلد فلا بد لتقريره من مؤتمر يشترك المسلمون جميعا فيه مع اهل الحجاز لينظروا في مستقبل الحجاز ومصالحها”. لكن اعيان الحجاز الذين كانوا قد سأموا الوصاية الخارجية، وكانوا قاب قوسين من الاستقلال قد اتفقوا على مبايعة عبدالعزيز، مع احتفاظ الحجار بفيدراليته النسبيّة. فتشكّل وفد من أعيان مكة وجدة، اجتمعوا الى قصره في مكة في صبيحة الثلثاء 20 جمادي الثانية (6 يناير 1926)، وأخبروه برغبتهم في أن يبايعوه ملكا، وأن يكون الحجاز للحجازيين وحدهم لا يشترك في ادارته مؤتمر اسلامي خارجي، وأن تكون مكة عاصمة للحكومة، وانهم هم من يقومون بادارة شؤونهم، فوافقهم عبدالعزيز على ذلك.

وكان صك المبايعة قد حُرر في تاريخ 22 جمادي الثاني سنة 1344 (الموافق 8 يناير سنة 1926). حيث تجمع الناس حول باب الصفا. وتم تلاوة نص البيعة، واطلقت المدافع من قلعة جياد ايذانا باتمام البيعة. وألقى خطبة الأهليين: الشيخ عبدالملك مرداد. وتحدث في باقي الكلمات حسن قابل احد شباب جدة الناهض وقال بأعلى صوته “لابد للبلاد من ملك مستقل يكون قادرا على صيانة الحجاز من الداخل والخارج” .. وهتف الشيخ عبدالرحمن بشناق، رئيس بلدية مكة، قائلاً: “يا عبدالعزيز ان الله ما أعطاك هذا المُلك إلا لأنك تسعى في مرضاته”.

وبعد صلاة العشاء من ذلك اليوم، تم تشكيل هيئة تأسيسية للوطن الجديد: لوضع اسم رئيس حكومة الحجاز، وترتيب العلاقة بين نجد والحجاز، وتعيين شكل الحكومة ووضع اساسات تشكيلاتها الداخلية، وتعيين شكل النقود والعلم. فقرر الجميع بأن يكون اسم رئيس الحكومة هو (ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتهما)، على ان يجتمعوا فيما بعد لتقرير مايرونه في المسائل الثلاث الباقية. وكانت الهيئة التأسيسية تتكون من ستة وخمسون شخصا، انتخبوا فيما بينهم لجنة مكونة من ثلاثة عشر شخصا لدراسة المواضيع التي تؤسس قيام الوطن الجديد، هم: السيد صالح شطا، محمد حسين نصيف، حسين بن عبدالله باسلامة، محمود شلهوب، محمد المرزوقي أبوحسين، محمد سعيد أبو الخير، الشريف شرف عدنان، السيد علي كتبي، محمد ماجد الكردي، الحاج عبدالله علي رضا، الحاج عبدالله الدهلوي، سليمان قابل، الشريف حسين عدنان. برئاسة الشيخ عبدالقادر الشيبي، رئيس المجلس الأهلي بمكة.

وكانت طائفة من الشخصيات الكبرى في الحجاز قد سخطت على استلام عبدالعزيز للحكومة الحجازية. فاختارت المنفى: الى مصر او مصوّع او بورتسودان او حضرموت، منها الشيخ عبدالله سراج رئيس الحكومة، والشيخ فؤاد الخطيب وزير الخارجية، ورئيس الحزب الحجازي الوطني الشيخ محمد الطويل، والسيدين صالح وطاهر الدباغ، وعبدالحميد الخطيب، ومحمد صادق، والطيّب الساسي، وعبدالرؤوف صبان، والسيّد أحمد علوي السقاف وغيرهم.  لكنها عادت بالتدريج.. واسهمت في بناء الوطن السعودي الجديد: في وزارة المعارف والمالية والجمارك والخارجية والمفتشية العامة ومجلس الشورى.

كان الشيخ محمد الطويل، زعيماً حجازياً وطنياً. حين تقطعت السبل لتمويل الحكومة الحجازية وقت حصار السعوديين لجدة، انفق المال من جيبه، فبذل كل مالديه وادخره من مال لسد حاجات الناس، حتى باع حلي اهله وباع اطيانه واطيان عمته في مصر. هذا جلالة الملك سعود يزوره في منزله في أواخر أيامه، لانه كان يدرك أقدار الرجال.

• ثمة من يريد طمس مسمى الحجاز، ونحن غافلون ملء جفوننا عن شواردها؟

ان “الديار الحجازية” مسمى عريق، والحجاز؛ ثقافة وطنية مركزية وحيّة، لا يمكن ان تطمسها كل الدعاوي التي تتجاهل على التاريخ وتجور على الوجدان. خليق بنا اليوم اعادة بعث الثقافة الحجازية، وصيانتها، ضداً على دعاوي التعصب، وتضافراً مع قضية الاختلاف والتنوع الوطني. يجب ان ندفع نحو قيمة جديدة يكون فيها التنوع والعدالة واحترام الاختلاف هي أساس وحدتنا التي ستغدو حينها أكثر صلابة وتماسكاً.

كان الملك عبدالعزيز كان يفتخر باعتلائه عرش "الحجاز". صحيفة أم القرى الرسمية. يناير 1936

الملك عبدالعزيز كان يفتخر باعتلائه عرش “الحجاز”. صحيفة أم القرى الرسمية. يناير 1936

مصطلح الديار الحجازية استخدمته الصحيفة الرسمية ام القرى للاشارة للحجاز بوصفه أرضا للمقدسات.

مصطلح الديار الحجازية استخدمته الصحيفة الرسمية ام القرى للاشارة للحجاز بوصفه أرضا للمقدسات.

Posted in مٌباشرة للتدوين | تعليقات

معضلة: مشهد مهزول في فيلم جليل؟

هند رستم، وفريد شوقي. مشهد من فيلم (باب الحديد) ليوسف شاهين (1958)

مُعضلة يُواجهها الروائيين والسينمائيين في ضرورة تضمن نصوص بعض أعمالهم -الجادّة- لمقاطع او مشاهد ذات حمولات مرذولة او تفاصيل مهزولة ومستقبحة. ما الموقف من ذلك؟ .. فلنستدعي ما يقوله الأستاذ عباس محمود العقّاد في هذا السياق، خصوصاً وهو صاحب اولى النظريات المتماسكة في علم الجمال وفلسفة الفن، في الفضاء العربي الحديث. ناهيك عن كونه احد طلائع النهضة العربية ذوي المعرفة الموسوعية للتراث العربي والاسلامي والاحاطة بالمعارف والاتجاهات الفلسفية الغربية. هو باختصار أحد واهبي الأمة العربية الحديثة دماً في عروقها، ونوراً في ضمائرها ونفوسها.

العقّاد استنكر منذ وقت باكر ما يُسمى بالعمل الأدبي أو الفن التعبيري “النظيف”. حين تسائل: كيف ننفي الهزل من الأدب او السينما؟ ليجيب على تساؤله: “ان كان في الأدب -والفيلم- كل ما في الحياة فكيف ننفي الهزل منها وهو عارض من عوارض الحياة التي لا تفارقها؟”.. فنحن، بحسب العقّاد، لا ننظر للحياة نظرة هازلة لاشتمالها على الهزل. وهذا ينسحب على الأدب والفيلم، اللذان يشتملان على المهازل والجلائل في آن.

يعتبر العقّاد، فيما يلخّص المسألة: ”ان الاشتغال بالهزل غير الاشتغال بتمثيله، فإن في تمثيل الهزل حظاً وافراً من الجدّ كما ان في تصوير القبح حظاً وافراً من الجمال”.

Posted in مايكرو تدوين, سينما وفن | تعليقات

جدة خارج السور: التاريخ الاجتماعي للفن والجمال والثقافة الحديثة

كتب: محمود عبدالغني صباغ

نُقصر الحديث هنا عن تواريخ ما بعد ازالة سور جدة (1948م) وانطلاق المدينة نحو آفاقها الجديدة الرحبة الفسيحة.. على أن ندوّن لاحقاً (الجزء الأول) وهو تواريخ ما قبل ازالة السور.

1948 وما بعدها: صعود البوتيكات والمعارض الحديثة. 

بوتيك ابوزنادة – الاول في عالم الأناقة العصرية. اعلان في عام 1954

متاجر شركة الحاج عبدالله علي رضا

معارض شركة الحاج عبدالله علي رضا


متجر فولكس واجن لمحمد علي موصلي. (المصدر: مجلة المصور)

محمد علي موصلي للموبيليا (المصدر: مجلة المصور)

..

شهدت نهاية الأربعينات الميلادية صعود متاجر المنتجات الحديثة التي كانت بمثابة انقلاب في ثقافة المدينة وأنماطها الحياتية. فظهرت أنماط تسويقية وفنية جماهيرية حديثة لأول مرة كثقافة الفاترينات، واعلانات الصحف الجذابة، وغزو للمنتجات المستوردة الفاخرة. كان صالح بن حِمد وفتحي سعيد أبوالجدايل، أول من افتتحا معرضاً حديثاً للاسطوانات الموسيقية في عمارة الأشراف على شارع الملك عبدالعزيز بإسم ميلودي، كان مُلحقاً بآخر صرعات وتقنيات التسويق كتجربة الاسطوانات قبل شرائها. كما أسس نوري أبوزنادة، أول بوتيك للملابس والمنتجات النسائية الرجالية الفاخرة والمستوردة من سويسرا وفرنسا وامريكا، وكان يوّرد الساعات الأوروبية للقصور الملكيّة، ويذكر سليمان توفيق، وهو طالب، انه قبل رحلته الى مصر زار متجر نوري ابوزنادة فاشترى “شركسكين نباتي، وكرافتة سولكة، وقمصان سويسرية، وجزمة بـ 350 ريالاً جلد تمساح شي يهد الحيل”.

وافتتح الشيخ محمد علي موصلي، وهو تاجر ومقاول بناء محلي يتحدر من أبرز عوائل الطوافة في مكة، اول محل للموبيليا الحديثة، كما انفسح عقد متاجر السيارات الأمريكية والأوروبية على طول المدينة بشكل مطرد: فافتتح محمد محمود زاهد واخوانه معرضا حديثا لسيارات جنرال موتورز في حارة الشام، وافتتح محمد علي موصلي نفسه أكثر المتاجر أناقة لسيارات الفولكس واجن الألمانية.. وكان هناك معرض الحاج عبدالله علي رضا لسيارات فورد، ومعرض كرايسلر التابع للشركة التجارية العربية لمالكها ابراهيم شاكر، ومعرض ووِرش صيانة سيارات فِيات لتاجر السيارات ونقل الأوتوبيسات محمد ابوبكر باشا باخشب.

1950: مكتبة دبوس – أولى المكتبات التجارية العصرية في جدة! 

محلات دبوس

أسسها دبوس وشركاه، وهو مستثمر أجنبي من لبنان، على خطى المكتبات الحديثة في لبنان واوروبا، لتبدأ لاول مرة فى تاريخ البلاد بالاستيراد المنظم للكتب الافرنجية والصحف والمجلات العربية والاجنبية . كان ظهور مكتبة دبوس بهذا المزيج بمثابة دهشة ومثار استغراب بل واحياناً استنكار الكثير، ممن لم يتصوروا قيام أي شخص باستئجار متجر فى شارع رئيسي ومركزي (شارع الملك عبدالعزيز) بمبلغ باهظ، ومن ثم  القيام بصرف مبالغ طائلة فى التأثيث والديكور لمجرد بيع الجرائد والمجلات والكتب والقليل من الادوات المكتبية!

ارغمت المنافسة المحليّة دبوس على تقليص نشاطه، ومن ثم بيع متجره ووكالات المجلات الأجنبية لـ محمد على خزندار في عام 1960، وهي المؤسسة التي لعبت أدواراً تنويرية كبرى ولا تزال قائمة الى اليوم كمكتبة ووكيل للمجلات والصحف الأجنبية.

كانت محلات دبوس تشهد تجمع الأهالي بعد صلاة الجمعة لمشاهدة مشهد “ثقافي” شرقي حالم: حيث كانت أحكام القصاص تُنفذ أمام المكتبة فيما يُعرف بين الأهالي بـ ساحة “مكتبة دبوس”!

1952: مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر.. أضخم التجارب الصحفية أولها!

مبنى مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر في كيلو خمسة.. أسسها السيّد حسن شربتلي في 1952

هذه أولى تجارب الصحافة المؤسسية الكبرى، وأكثرها طموحاً في سبقها لعصرها. أسسها السيّد حسن عباس شربتلي، في كيلو خمسة بطريق مكة في فبراير 1952.. وكان الكاتب البارز أحمد عبيد مديرها وواضع سياساتها التحريرية.أحضرت مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر 46 مطبعة لينو تيب حديثة من كلا من البرت فرانكنتال بايطاليا وهايدلبرج بألمانيا.. وتهيأت لاصدار مجموعة من الصحف والمجلات المتخصصة والناطقة بالانجليزية. وقّعت المؤسسة كأول مجموعة صحفية محلية اتفاقيات نشر مع كبرى الوكالات العالمية؛ رويترز، اسوشيتد برس، يونايتد برس، الانباء الفرنسية والانباء العربية، التي كانت تصلها أخبارها بأحدث تقنيات العصر عبر ماكينات الكتابة الالكترونية “التكر”.. وتعاقدت المؤسسة مع الدكتور ابراهيم عبده، أستاذ الصحافة البارز بجامعة القاهرة، ليعمل مستشارا بجدة، واستكتبت فعلياً مجموعة ضخمة من كبار الكتاب العرب أمثال عباس العقاد وطه حسين وعبدالوهاب حمودة. بدأت صحيفة المدينة في طباعة صفحاتها بالمؤسسة، وكانت المجموعة قد اطلقت باكورة مجلاتها الخاصة، وحملت اسم: مجلة الرياض، ورأس تحريرها أحمد عبيد نفسه.. لكن أمراً ملكياً صدر في 15-6-1957م بمنح امتياز صحيفة أسبوعية تحمل ذات الاسم لحمد الجاسر بالعاصمة، أدي الى حجب المجلة، وأجهض الكثير من مشاريع المؤسسة التي كانت تتهيأ لاعلان نفسها كاول مجموعة اعلامية محلية بالمفهوم الحديث!

وضمت المؤسسة اسماء لامعة في فترات عدة.. فكان مدير المؤسسة محمود رضا، ومدير المطابع الشاعر المكّي الكبير الشيخ احمد بن ابراهيم غزّاوي. وكان سلامة حمودة من العاملين في جمع المواد على اللونوتايب، وهو من فنيي مدرسة أخبار اليوم.

1954 - دار الأصفهاني للطباعة. 

محمد حسين أصفهاني (يسار)، يراجع بروفة احد اعداد مجلة المنهل مع عبدالقدوس الأنضاري في دار الأصفهاني للطباعة.

محمد حسين أصفهاني (يسار)، يراجع بروفة احد اعداد مجلة المنهل مع عبدالقدوس الأنصاري (يمين) في دار الأصفهاني للطباعة.

في عام 1954، أسس محمد حسين أصفهاني مطابع دار الأصفهاني مع شركائه: محمد سليمان التركي، عبدالله الخريجي، ومحمد سرور الصبان.. قبل ان يشتري منهم أنصبتهم لينفرد بتجارة الطباعة والدعاية والاعلان في المملكة. كانت دار الأصفهاني الثانية في ترتيب الريادة بعد مطابع مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر، لكن مطابع الأصفهاني كانت الأشهر بمرافقتها للنهضة الأدبية والصحفية والتعليمية في المملكة.

الأصفهاني الذي يتحدر من بيت جداوي عريق عمل في مهنة اضاءة وصيانة (الأتاريك) في طرقات جدة القديمة، كان قد بادر الى افتتاح بسطة لبيع الكتب والصحف والمجلات امام مسجد عكاش القديم، ثم تدرج في توزيع الصحف الأجنبية، حتى أصبح وكيلاً لمجلة المختار/ريدرس دايجيست في جدة، مع شركائه أحمد ملائكة وعبدالرزاق بليلة وصالح جمال في مكة.

أدخل الأصفهاني في مطابعه آلات خطوط اللينو تيب بعد مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر بعامين، لكنه كان اول من ادخل مطابع الأوفست مُحدثاً نقلة فنية وبصرية للنشر المحلي. وفي عشية اضراب عمال المطابع المصريين في رمضان 1961م انقذ الأصفهاني الصحف اليومية والأسبوعية التي تصدر عن دار الأصفهاني من الاحتجاب. كان يجوب ليلاً مقار الصحف ليستعجل ماكيتاتها كما يذكر عبدالله جفري مُحرر صحيفة البلاد حينها في مذكراته. ومن اول من تمرن من المحليين على الآلات الحديثة في دار الأصفهاني شابان من اهل الباحة، هما أحمد حامد الغامدي (رئيس النادي الأدبي في الباحة فيما بعد)، وسعيد أحمد مصلح الغامدي (مدير جريدة الندوة المكيّة ومطابع رابطة العالم الاسلامي في مكة فيما بعد).

لعبت دار الأصفهاني دوراً جوهرياً في تطوير الصحافة والطباعة والنشر، وادخال أساليب فنيّة عصرية اليها. كما أسهمت الدار في صعود فنون الخط العربي المطبوعة، عبر احد ابرز خطّاطيها أحمد غنيم المكرمي الذي حمل اختصاراً اسم غنيم، ورافقت تصاميمه أغلفة المناهج التعليمية التي كانت تصدر عن الدار.

في عام 1992 استحوذت المجموعة السعودية للأبحاث والنشر على المطابع، ليخرج اسم دار الأصفهاني العريق من حينها عن المجال التداولي.

1955.. نادي السمرة.. ارهاصة أندية المجتمع العصرية. 

النادي في مزرعة معتوق حسنين. يبدو يونس سلامة يقابه محمد محتسب. عباس خميس يقابله عبدالكريم بكر. عبداللطيف جمجوم يقابه محمد ابراهيم مسعود ومعتوق حسنين والسيد حسن كتبي يقابلهما ابراهيم بكر زهران ومحمد نور جمجوم. (من أرشيف سامي خميّس)

من أمسيات النادي: يونس سلامة. عباس خميّس. محمد راسم. واحد القناصل الأوروبيين. (من ارشيف سامي خميّس)

حمل اول نادي اجتماعي تأسس أهلياً اسم النادي او السمرة، دلالة على العفوية الطاغية. وتأسس النادي عبر مجموعة من الشباب المعيّن حديثاً في وزارة الخارجية التي كان مقرها جدة، اضافة الى مجموعة من المعينين في ادارات الدولة وبعض التجار. كانوا يجتمعون بعد صلاة العشاء الى منتصف الليل، ويقضون المساءات في نقاشات فكرية وسياسية وادبية وفنيّة، وفي لعب الطاولة، ومن ثم توزيع البليلة او المطبّق او المقليّة وهي أكلات محليّة خفيفة.

ترافق مع ازالة السور، نزوح الأهالي بأعداد كبرى الى أحياء جديدة كالعمارية والكندرة والبغدادية والشرفيّة والهنداوية، التي أُترعت بالفيلات العصرية والحدائق، فصعدت معها أنماط اجتماعية حديثة.

والنادي امتداد لملمح (المقعد) الشهير في منازل بيوت جدة العتيقة داخل السور.

بدأ أعضاء النادي في التجمع على سقالة توتشل (سقالة الانجليز) التي كانت منتزهاً أهلياً عفوياً، ثم ما لبثوا ان انتخبوا مجلساً، واستقروا بين بضعة بيوت تنتمي الى أعضاء النادي. فاُنتخب يونس سلامة رئيساً، وعباس خميّس وعبدالكريم بكر نائبان. وكان من اعضاء النادي: سامي كتبي، محمد نورجمجوم، معتوق حسنين، عبدالجليل عبدالجواد، اسماعيل ابوداود، عبدالقادر عثمان، فاضل قباني، عبدالعزيز التركي، يحيى ابوالفرج، محمد راسم، الوزير احمد صلاح جمجوم كلما عاد من الرياض، السفير فؤاد ناظر، السفير محمد محتسب، عبداللطيف جمجوم، محمد ابراهيم مسعود، علوي كيال، محي كيال، سليمان توفيق، وابراهيم بكر زهران.. ينضم اليهم بعض السفراء المعتمدين والملاحق الذين يصطحبون زوجاتهم.

كان اعضاء النادي يصطحبون عوائلهم الى رحلات خارجية الى جزر الواسطة ووادي فاطمة وأبحر حينما كانت “خلا خالي”.. واستمر النادي من منتصف الخمسينات الميلادية الى نهاية الستينات.

وكان نادياً نسائياً مثيلاً قد انبثق في ذات الفترة، بذات الترتيب سُمّي بـ جميعة تركيب المقلة، اي تركيب الفروة، كان يتعلق بالزيارات الاجتماعية وتداول آخر أخبار النميمة الاجتماعية.

1955: دار الحنان.. ريادة الحركة النسويّة. 

سيسيل رشدي في احد الصفوف الأولية في دار الحنان. عام 1966

أسستها الملكة عفت عام 1955 كدار لرعاية الأيتام اولاً، ثم بعد عام من ذلك تلقّفت دعوات تعليم البنات الصاعدة أهلياً، فتبنّت في ذات المظلة  افتتاح مدرسة ابتدائية، تقاسمت بها ريادة تعليم البنات مع المدرسة النصيفية للسيدة صدّيقة شرف الدين، حرم الشيخ عمر محمد نصيف -مدير تعليم جدة السابق. والحقيقة ان كلا من دار الحنان والنصيفية انطلقتا في اجواء صاخبة، سبقت القرار الرسمي لتعليم البنات بخمس سنوات. النصيفية التي انطلقت أبكر بوقت وجيز، وتأسست في ملحق بيت الأفندي النصيف وسط سوق العلوي، اتخذت طابعاً تقليدياً، لا يختلف كثيرا عن تجربة مدرسة الفلاح للبنات التي أطلقها الشيخ محمد صالح جمجوم في 1930 وكان مقرها بجانب فرن جابر ومقلي العم يعقوب في حارة المظلوم.. لكن لحظة دار الحنان كانت الأكثر حداثة.

نشأت عفت الثنيان في اسطنبول- وجاءت لمكة مع اهلها في 1931 لأداء العمرة فتزوجها نائب الملك في الحجاز، (الملك) فيصل.. ولمبادراتها وأعمالها استحالت أيقونة للتحديث والعمل المدني في الحجاز والمملكة.

عُيّنت السيدة مفيدة الدباغ وهي رائدة نسويّة من أهل يافا، مديرة للمدرسة الوليدة، ولكن في عام 1963 ستتولاها السيدة سيسيل رشدي، وهي رائد نسوية من مصر خريجة الجامعة الامريكية، كانت بمثابة تربوية وامرأة حديدية صنعت سمعة الدار، ومكثت في أروقتها ما يزيد عن أربع عقود.

في 1964 بدأت المدرسة نشاطها الفني واقامة معارض للطالبات على نطاق أهلي واسع.. وفي 1965 انتقلت الى مبناها الجديد في طريق الميناء، الذي تبرع به رجل الأعمال والوجيه المحلي ابراهيم شاكر.

في 1966 تخرجت اول دفعة ثانوية أدبية ضمت سميرة محمود عباس قطان، التي ستستحيل اول دكتورة علم اجتماع في السعودية، يليها بعام تخرّج اول دفعة ثانوية من القسم العلمي كان من ضمنها ابنتيّ الأديب حمزة شحاتة: سهام وليلى. وفي ذات العام -اي 1966- أُدخلت حصة الرياضة للبنات كأول مدرسة تسعى الى ذلك في البلاد.

1956: كازينو المنتزه.. وأولى منتجعات جدة!

واجهة كازينو المنتزه من البحر. (أرشيف سامي خميّس)

نزهات بالسنابيك. (أرشيف سامي خميّس)

جسر البط في المنتزه. (أرشيف: سامي خميّس)

القادم من البحر كان يتبيّن له مقهى بمظلات أنيقة وطابع أوروبي حديث، تتصدر واجهته لوحة كتب عليها بالخط العربي العريض: المنتزه يرحب بكم وبالانجليزية: Almontazah Welcomes You. انه كازينو المنتزه، المقهي والنادي الترفيهي الذي تأسس بجانب مبنى البحرية وفندق قصر البحر الأحمر القديم، على ذات الأرض التي يقوم عليها اليوم البنك الاهلي التجاري، ليستحيل اول منتجع عصري يحفل بأنماط حداثية لم تكن تتوفر الا في القاهرة او الاسكندرية.

كان المقهى ملحق بمطعم فاخر للمأكولات الشاميّة وحدائق منسقة ونوافير وبحيرات للبط والوز والقرود، وفيه مرسى للسنابيك التي يمكن للرواد استئجارها للتنزه. كما وفر الكازينو ألعاب رياضية نخبوية لأول مرة في جدة كرياضة التجديف والبلياردو والبينج بونج. وكان دخوله حصراً على الطبقات المتعلمة والمخملية والأجانب المقيمين.. حيث يشترط للدخول رسوم تذاكر ومعايير محددة في الرداء والهندام (Dress Code).

كان من أشهر روّاد المنتزه من المحليين حُسني بخش وسراج ناظر وعرب اسماعيل و ياسين صالح صلاح وعدنان سمّان وسامي خميّس ويحيى بهاء الدين قرملي.

واُفتتح في جدة في ذات الفترة كازينو آخر اسمه كازينو باخشوين كان له تراس يحمل النسمات البحرية الباردة القادمة من بحر الأربعين ويشتهر بثرياته البارزة، ويقدم الجيلاتو الايطالي. ثم افتتح العطاس في حارة البحر احدث الكازينوهات الذي شكل يوم افتتاحه حدثاً فريداً.. كان  عبارة عن “روف توب” أعلى عمارة العطاس، بالدور السادس.. وكان الصعود اليه يتم بمصعد خاص للزبائن من زواية شارع الملك عبدالعزيز.. كان روف تب العطاس أشد المطاعم ترتيباً وشياكة وأُبهة، وأكثرها تمرداً على السائد والتقليدي!

1957 وما بعدها:  ليالي الصحافة.. في جدة.

عبدالمجيد شبكشي في صحيفة البلاد

 في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات الميلادية كانت الصحافة النابضة في جدة تعيش أوجها وذروتها. كانت الليالي الثقافية التي تقام على هامشها تحمل روحاً متوهجة تعكس تنوع الحياة الحديثة في جدة وقتها. كانت تلك الليالي تقوم اما في دار مطبعة الاصفهاني، بعمائر باخشب المحاذية لمبنى وزارة الخارجية، حيث يجتمع محمد حسين زيدان بعزيز ضياء وحسن عبدالحي قزاز وعبدالقدوس الأنصاري وياسين طه والأستاذ الوفدي المصري محمد مصطفى حمام، والشاعر طاهر زمخشري مؤسس مجلة الروضة للأطفال، ومحمد سعيد باعشن، وعبدالغني آشي – كلهم رواد الأدب والصحافة في الحجاز في رعيله الثاني والثالث المتوهّج.

او في مقر صحيفة البلاد في عمارة باخشب أيضاً، حيث أمين عبدالله قرقوري ومحمد عمر توفيق وحسن قزاز.. يختلفون الى مجلس رئيس التحرير محمد حسين زيدان الى جانب عزيز ضياء ومحمد الصباحي وضياء الدين رجب وياسين طه وعبد الله عريف قادماً من مكة.. كان الزيدان يدير مجلسه اليومي بكل أناقة ولياقة وكاريزما متوهجة. واستمر من بعده على نهجه -وان بلياقة أقل- عبدالمجيد شبكشي، حيث كانت البلاد مؤسسة صحيفة عملاقة، لعبت دوراً وطنياً رائداً كلسان حال الأدب الحديث وكمعقل للقيم الوطنية الحديثة، واستنبتت من أروقتها أغلب شُبان الصحافة الصاعدين حينها: عبدالله خياط وعبدالله جفري وعثمان مليباري وعبدالله الداري وسباعي عثمان ومحمد صادق دياب وحامد عباس وحسن الظاهري والكثيري والكاتب الشعبي والرسّام الصحفي يحيى باجنيد، والخطاط باحاج.

وتشغل عمارة باخشب موقعاً مركزياً متوهجاً في ذاكرة المدينة والأهالي، حيث كانت أولى العمائر التجارية العصرية، وأكثرها حيوية.. كانت تضم نخبة ممتازة مثل مكاتب أرامكو، والخطوط السعودية حيث احمد صلاح جمجوم مدير الخطوط، والقيادات الذهبيّة: شهاب عبدالجواد، كامل سندي، حمزة دباغ ورضا حكيم، والمدير الثقافي محمد علي اشموني، والمسؤول المالي سالم باديب ومساعده حسين هزازي – كانوا يتحلقون في جماعات حول الراديو في الخميس من أول شهر للاستماع لحفل أم كلثوم حيّا على الهواء. وكان في عمارة باخشب مكتب أحمد زكي يماني للمحاماة، يديره المحامي المصري المرموق أحمد فتحي حسين، وهو ايضا المستشار القانوني في مراحل التأسيس للخطوط السعودية.. وفيها مقر شركة المصافي العربية، ومؤسسة التنمية الزراعية التي أسسها عبدالله الدباغ، وزير الزراعة الأسبق، ومكاتب صالح صابر احد رواد شركة الاسمنت العربية، ومكاتب عبدالمقصود خوجة.

وعرف مكتب مجلة الرائد في عماير البنك الاهلي بباب مكة (كيلو 2)، تجمعاً ثقافياً آخراً ضم عبدالفتاح ابو مديّن وحمدان صدقة ومحمد سعيد باعشن وعبدالله مناع والشاعر الجدّاوي الزجلي محمد درويش “الشنب”.. يلتقون في مكتب سكرتير التحرير عبدالعزيز فرشوطي، وهو “أخف الحاضرين دماً وأوسعهم أفقاً” كما يؤكد عبدالله منّاع. كان يحضر جلسات الرائد الأديب الكبير محمود عارف، الذي كان يتقصد طرح الأسئلة المحرجة بصياغة بريئة لكن مقصودة.. وكانت صواني الشاي والقهوة تتواصل الى العاشرة مساء يعدها ويحملها ساعي مجلة الرائد ومعقبّها الشهير والظريف “جمعان”.

وكانت ندوة الرائد الليلية تضم الى جانب الاسماء الصحافية، نجوم الفن في المدينة؛ فوزي محسون، صالح جلال، وطلال مدّاح.. كما ضمت شبان الصحيفة الذين سيصعد نجمهم الصحافي فيما بعد: هاشم عبده هاشم، علوي طه الصافي، علي خالد الغامدي، مالك درار، محمد دمياطي، والزائران من جازان والرياض علي العمير وراشد الحمدان.

1957: صحيفة الأضواء.. بدايات تشكّل الوعي الوطني الجديد. 

أسسها في جدة الثلاثي الصحفي: عبدالفتاح أبومدين، ومحمد أمين يحيى، ومحمد سعيد باعشن- وهو ابن اخت الأديب الكبير محمد حسن عواد.. وقد وُلدت من رحم مجلة الرائد، لكن فكرتها انقدحت في منزل الوجيه الكبير محمد الطويل، رئيس الحزب الحجازي الوطني في عشرينيات القرن، فيما جاء التمويل من بيت زينل علي رضا بألفي ريال، أمر بها معالي الشيخ محمد عبدالله علي رضا.

انطلق العدد الاول في الاول في ذي القعدة عام 1367 هـ (يونيو 1957).. وفي قهوة بشيبش بجانب مقبرة الأسد وشارع قابل اعلى مكتب عبدالبديع اليافي، علّق ابو مدين ومحمد سعيد باعشن اعلانات، وهي أمتار من أقمشة كتب عليها:  ”الأضواء: الصحيفة الأولى في جدة”، كتبها الخطّاط صنع الله..

ومنذ صدورها كانت الأضواء الأشرس في جدة ضد الامتيازات الأجنبية في حقول الزيت السعودية وناطقة بلسان حال العمال السعوديين من جدة غرباً حتى واحات القطيف شرقاً.. وهي على التهابها، وُلدت وماتت في عامين. اذ رفض الرقيب تمديد ترخيصها بعد اخضاع الملكيات الخاصة في الصحف لنظام المؤسسات.

وضم فريق التحرير شباب وطني انخرط لاحقاً في الحركة الوطنية أمثال عبدالعزيز عطية أبوخيال، وحمدان صدقة. واتخذت الصحيفة مقراً في شقة من عمائر البنك الأهلي التجاري في باب شريف، وكان مقابل الايجار اعلانات تنشرها الصحيفة عن البنك. وأسس أبومدين مكاتبها بالتقسيط من محلات الشيخ اسماعيل نوّاب، الذي كان يبيع المفروشات القديمة بسوق الحراج، في طرف السوق الكبير، بجانب باعة الذهب.

1958: محمد راسم.. أول كاريكتورست محلي!

انفردت مجلة التجارة بفن الكاريكتور

يُعتبر محمد أفندي أحمد راسم (1909-1973)، أقدم اسم ظهر في الساحة كفنان تشكيلي، اذ سافر الى تركيا في عام 1933م ودخل معهد الفنون الجميلة لأربع سنوات كان خلالها يقوم ببعض الرسوم في القسم الجينوكولوجي في جامعة استانبول تحت إشراف الأستاذ ويلهلم ليبمان. عاد راسم من استانبول في 1938 ليقدّم أول عرض فني في تاريخ جدة، لكننا -أسفاً- نعرف عن ذلك الحدث القليل. وراسم، وهو أصلاً من أهل الطائف، احد رواد الصحافة والتنوير، كان يكتب في صحيفة صوت الحجاز في مكة، وكان الى جانب أحمد السباعي ومحمد حسن عواد أول من دعا الى تعليم المرأة، اذ كتب مقالاً في صوت الحجاز، يوليو 1933م تحت عنوان: المرأة قوة يظهر فعلها في ولدها.

ترأس محمد راسم تحرير مجلة التجارة عند تأسيسها عام 1958.. وكان اول محلي أجاد فن الكاريكتور في البلاد بداية مع مجلة قريش المكيّة لصاحبها شيخ الصحافة السعودية الحديثة احمد السباعي. كان عضواً حيوياً في مجتمع جدة المدني.. بدأ موظفاً في البنك الهولندي في جدة عام 1928 ثم عُيّن اول امين لغرفة جدة للتجارة عام 1946 واستمر فيها حتى عام 1953

1960: مدارس الثغر النموذجية.. على خطى فكتوريا وأرقى مدارس الشرق!

حصة الجغرافيا يقدمها الأستاذ عبدالله أشعري. (الصورة متداولة على نطاق واسع)

حصة الجغرافيا يقدمها الأستاذ عبدالله أشعري. (الصورة متداولة على نطاق واسع)

تأسست مدرسة الثغر في الطائف اول مرة، لكنها انتقلت الى جدة في عام 1960، بمبادرة من جلالة الملك فيصل، بغرض تقديم تعليم عام نوعي يضاهي ذلك المتاح في دول الجوار. وتوّلى المدير المهيب محمد عبدالصمد فدا ادارة مدرسة الثغر، فجعل منها جامعة مصغرة، وانموذج اكاديمي وتربوي واداري، لا مجرد معمل لحشو أدمغة الطلاب بمناهج جامدة على النمط التقليدي القديم.

بدأت الثغر سابقة التوزيع الى مسارين: علمي وأدبي، وبدأ منها نظام الرائد.. وتزوّدت المدرسة بأرقى أشكال البنية الفوقية: من مختبرات حديثة، وقاعة محاضرات، ومكتبة احتوت على خمسة آلاف عنوان، ونظام تكييف مركزي، ومطبخ صحّي على الطراز الحديث، ومساكن داخلية للطلاب وللمشرفين، وملاعب. وكان كادرها التعليمي من أكفأ الأساتذة والمربيين الوطنيين أو العرب.

كان الفدا شغوفاً بالريادة والتفرد في مجال تخصصه التربوي.. وكان على صرامته الادارية، وعدم قبوله الشفاعة او التفاوت في المعاملة حتى مع ابناء الأمراء.. الا انه كان تربويا طليعياً: أدخل تدريس الموسيقى ضمن المناهج الدراسية، واستقدم من مصر أحمد رمزي لتدريس العزف على البيانو.. وأدخل الفنون الحديثة والرسم وجلب لها الأستاذ فدعان عمر. واطلق النشاط غير الصفّي والجماعات الطلاّبية. كان سباقاً لربط المدرسة وتوثيق صلتها بخدمة المجتمع: فاطلق الاسابيع الثقافية، معارض الفن التشكيلي، والليالي الموسيقية، التي كانت كلها تظاهرات مفتوحة للمجتمع المدني.

كانت بيئة الثغر تضاهي تلك الموجودة بالستينات في مدارس جبل لبنان او المدارس الاعدادية في كلية فكتوريا بالإسكندرية او ثانوية الجامعة الامريكية ببيروت. واستطاع الفدا ان يحوّلها من مجرد واجهة او ديكور للزوار والوفود الصحفية الأجنبية إلى مصنع حقيقي للرجال، ومصدر إشعاع وتنوير لا مجرد واجهة زائفة، كما يؤكد مُجايلون.

1961: مسرح الاذاعة.. أولى خطوات مأسسة الفن الطربي والدراما الاذاعية. 

فرقة الاذاعة الموسيقية في جدة.. حيث الادوار الكبرى لطارق عبدالحكيم وعلي باعشن

بدأت اذاعة جدة في اكتوبر 1949، ولم يكن مداها يزيد عن 10 كيلوواط. لكن المحطة الأبرز في تاريخ الاذاعة ترافقت مع صعود برنامج مسرح الإذاعة في 1961 الذي كان ملء الدنيا، وشاغل الناس، يُغني فيه طلال مداح وفوزي محسون ومحمد عبدالله وطارق عبدالحكيم وبقية نجوم الطرب المحليين.

كانت اذاعة جدة تسمى في ذلك الوقت مديرية الإذاعة، يرئسها عبدالله بالخير ويديرها عباس غزاوي.. وحينما كان الأخير لايزال مراقباً عاماً للاذاعة في 1960، كان له الدور الأبرز في اكتشاف المواهب الشابة مثلما فعل مع طلال مداح، الذي كان غزاوي اول من اكتشفه وجلبه لتسجيل أغاني لصالح الاذاعة.

تناوب على اخراج برنامج مسرح الاذاعة: محسن شيخ وعادل جلال، وكان المسرح متعدد الفقرات الغنائية التي تتضمن مشاهد وتمثيليات أخرجت للبلاد والحركة الفنيّة أهم طبقات  الممثلين الموهبين الذين صار لهم مكان في النفوس حينا من الزمن ومنهم: حسن دردير ولطفي زيني وعبدالرحمن حكيم ومصطفى فهيد والشريف العرضاوي ومحمد علي يغمور وعبدالرحمن يغمور وأمين قطان وخالد زارع.

كان علي باعشن رئيس فرقة الاذاعة الموسيقية في برنامج مسرح الاذاعة. وهو يتحدر من عائلة باعشن الجدّاوية الثرية في حارة الشام، والذي لفرط مكانته الاجتماعية اختار اسماً فنياً تمويهياً: رياض حسن علي!

وبعد حرب اليمن، انتزعت الاذاعة مساحات واسعة درامياً وسياسياً. وتضافرت الجهود التحريرية مع طاهر زمخشري، وسيف الدين عاشور، فيما كان للأديب الكبير عزيز ضياء برنامجه الاذاعي الخاص عن جدة.. وهو اول من اطلق من خلاله عليها لقب: عروس البحر الاحمر.

لقد شارك كبار أدباء الحجاز بشكل رئيسي في كتابة برامج الاذاعة الدرامية. فكتب حسين باشا سِراج، وهو رائد المسرح السعودي، مسلسل امجاد الجزيرة الذي استمر ثلاث سنوات، وقدّم للمسرح الاذاعي أبرز أعماله الخالدة في ذاكرة تعصى على النسيان: الشوق اليك، جميل بثينة، غرام ولاّدة، والظالم نفسه. وكتب احمد قنديل ومحمد حسن عواد وعبدالله منّاع اسكتشات وفوازير واغاني برع في اداءها محمد احمد الصبيحي، وغيره.

1962: الثقافة في الناقل الجوّي!

شكلت ادارة الثقافة والتدريب في الخطوط السعودية منذ تأسيسها معقلاً من معاقل التنوير والتنمية البشرية. وبدأت الخطوط برامج التنمية البشرية الرائدة وذائعة الصيت حينها بابتعاث قياداتها الى جامعة ستانفورد المرموقة لدراسة الادارة وكان من ضمنها حمزة دبّاغ، الذي سيؤسس حين عودته أحد أرفع برامج التدريب وتنمية القوى البشرية على المستوى الوطني.. خلق خلالها مناخا مهنيا كان الدعامة الأكبر في عهد الخطوط الذهبي، قبل التدهور المريع الذي ضرب مفاصل المؤسسة الجوية.

وانطلق النشاط الثقافي في الخطوط الجويّة العربية السعودية باطلاق مجلة الجناح الاخضر عام 1962.. التي كانت حدثاً وطنياً هاماً -يتزامن مع مجلة القافلة التابعة لأرامكو- ومرجعاً علمياً وأدبياً وفنياً. وتم تدشين موسم الخطوط الثقافي منذ عام 1968 ببرامج ومحاضرات دورية كان يلقيها كبار رجال الدبلوماسية والأدب العربي والثقافة الاسلامية: مثل عمر أبو ريشة ومحمد متولي الشعراوي والعلاّمة عبدالهادي ابو طالب.

وأنشأ حمزة دباغ نادي الخطوط الصحي والاجتماعي في ذات الفترة، الذي شيّد يوم افتتاحه على أحدث طراز. ثم اُفتتحت المكتبة المركزية بمبنى الخطوط، واشتملت على أطايب كتب العلوم والأدب المحلي والعربي والعالمي.. وآخر الدوريات والأدلة الخاصة بالطيران والسفر، قبل أن تُغلق المكتبة -دون تبرير واضح- أبوابها!

كان من طرائف مجلة الجناح الأخضر متابعتها لآخر تطورات أزياء مضيفات الطيران انسجاماً مع حقبة الستينات والسبعينات الانفتاحية.

1962: دوائر الطرب الحجازي في ذروته. 

الفنان الكبير: فوزي محسون. (المصدر: جريدة الرياض)

في شقته المطلّة على شارع الميناء يجتمع طلال مدّاح، مع رفيقيه لطفي زيني وحسن دردير – ذلك المثلث الفني الذي قدم للساحة الفنية أغزر التجارب وأشدها تنوعاً وثراءاً وأكثرها تماهياً مع روح الفن ورسالته.. من شقته المتواضعة تلك، يؤكد محمد صادق دياب، نُحتت أعمال طلالية خالدة مثل: “وردك يا زارع الورد” و”بشويش عاتبني”.. وطفق الثلاثي الفني يملأون سماءات المدينة بهجة وغناءً وتمثيلاً ومونولوجاً. وفي مقعد مزوي بسوق العلوي العتيق، يتربع الموسيقي عمر كدرس بملامحه الأبنوسية الصارخة متأبطاً عوده، ليعزف لتلميذه اليافع محمد عبده لحناً خالدا يصيغ به ثقافة الفتى الموسيقية: “يا سارية خبريني”. وفي تخوم حارة الكندرة: كان ثلاثي الطرب الحجازي الأكثر عمقاً وعلياءً: فوزي محسون، والشاعريّن القرينين صالح جلال، ابن حارة البحر، وثريا قابل، ابنة حارة الشام.. يتعاونون سوياً لاخراج أعمال محسونيّة تشم في شعرها الغنائي رائحة الأزقة والبرحات كـ”متعدي وعابر سبيل” او “سبحانو وقدرو عليك” او “من بعد مزح ولعب”.. يملأ محسون بها فضاء المدينة ألحاناً تزغرد في مسمع الأيام بحنجرةٍ صافية الرنين..

تلك هي دوائر الطرب الحجازي في ذروته ونشوته وعنفوان صبابة عشقه، كما احتضنتها حارات جدة وجنباتها ومنتديات أسمارها، واشتعل بها فتيل ليلها عقود وسنوات، ايقاعاً ومجاريراً وليالي ملاح تعلو فيه الدانة ولا تطيح.

1962: لطفي زيني – المُنتج الأول!

لطفي زيني وطلال مداح مع الموسيقار محمد عبدالوهاب

من موظف بسيط في إدارة البريد بمدينة جدة الى أكبر المنتجين العرب في الغناء والدراما وتعهد الحفلات الفنيّة. ذلك هو لطفي زيني، ابن شيخ طائفة دلالي العقار في جدة الذي يتحدر من عائلة مكيّة، الذي جيّر صداقته مع طلال مداح وحسن دردير في انتاج اعمال فنيّة خالدة: انتجها عبر شركات انتاجه المتعاقبة: رياض فون للاسطوانات الغنائية (1962)، واستديوهات زيني فيلم بألمانيا الغربية (1965م)، ثم بعد ان نقلها الى تونس.

1962: سينما الأحواش.. في جدة. 

جهاز السينما الذي كان يستورده فؤاد جمجوم حصرياً في جدة. (المصدر: الشرق الأوسط: 7 مارس 2003 العدد 8865)

 كانت السينما متوفرة في جدة وهي لا تزال متلحفة بسورها: في الدور الثاني من السفارة الهندية التي كان مقرها ببيت باجنيد بحارة البحر، او في عروض خاصة ببيوت الميسورين.

لكن السينما بوصفها ملمح جماهيري انطلقت في جدة عن طريق رائد السينما التجارية فؤاد جمجوم في عام 1962.. الذي وفّر قاعة للعرض في حارة الجماجمة بحي البغدادية أمام مقبرة أُمّنا حواء.. وافتتح بجانبها متجراً لتأجير أجهزة السينما التي عمد إلى توريدها إلى باقي الأحواش المشتغلة بعروض السينما والى الأفراد. وبفضل فؤاد جمجوم ازدهرت أحواش السينما في جدة من بعد 1962 فكان هناك الى جانب سينما الجمجوم، سينما محمد أبوصفية في حي الهنداوية، وسينما سراج سحاحيري في حي الشاطئ وسينما عبدالله صالح الغامدي في كيلو 2، وسينما سفيان فطاني في العمارية.. ناهيك عن سينما نادي سلاح المظلات، ونادي السفارة المصرية، والنادي العسكري الأمريكي في طريق المدينة الطالع.. التي كانت غالبيتها تعرض أفلاماً بعد مغرب كل يوم وتشهد انتعاشاً أكثر وضوحاً في إجازة نهاية الأسبوع، وتتراوح أسعار الدخول بين ثلاث وعشر ريالات لمشاهدة آخر الأفلام المصريّة والأمريكية.

كان حوش سينما الجمجوم بالبغدادية غير مسقوف، تصطف فيه الكراسي الخشب، وكانت الجلسات فيه عائلية بلا تفرقة. كان بمقاييس زمانه الأكثر أُبهة والأغلى ثمناً للدخول، بخلاف الفروع الآخرى لسينما الجمجوم التي افتتحها فؤاد جمجوم مع اخيه عبدالعزيز في حارتي البخاريّة وباب شريف.

ولم يخلو الأمر من المنغصّات.. فكانت حالات الوشايّة التي يتعرضون لها غالباً ما تنفض حينما يثبتون ان الافلام التي يعرضونها لا تحتوي على أجزاء اباحيّة. وكان فؤاد جمجوم في بدايات التجربة يتعرض للسجن والمُسائلة، لكن سرعان ما يخلى سبيله لمكانته الاجتماعية.

ومن طرائف ذاكرة المدينة.. ما حدث للشخصية الشعبية المعروفة في حارة اليمن: محمود بارودي الذي كان يتمتع بقدر هائل من الظرف والنكتة وطول اللسان.. ويعمل في اي شئ يصل الى يده.. حين فكّر في عرض سينما لأهل حارته، وهي حارة العمال والمسحوقين، فرتّب مكانا في أحد الاحواش المهجورة مقابل ريال للنفر، وفي اول عرض قُبض عليه من الشرطة.. وحين استقبله مدير شرطة جدة فريد صبان، وكان يعرف البارودي جيدا، سأله ألا تعرف ان السينما ممنوعة؟ .. فردّ البارودي عليه: “نعم اعرف ذلك ولكن هذا المنع لا يشمل الأغنياء والأعيان والقناصل الذين يعرضون السينما داخل منازلهم وأحواشهم”.. فأفرج عنه الصبان.

لجأ فؤاد جمجوم الى الانتاج السينمائي في مصر بعد نكسة 1967م.. وخرج بحصيلة هائلة من الأفلام التجارية وأفلام ما بعد النكسة اما كمنتج او موزّع.

وقد حاول ادخال المسرح التجاري الى جدة في عام 1980م، حينما تعاقد مع كبار النجوم العرب مثل فريد شوقي وحسين فهمي وحسن مصطفى، ومن المحليين فؤاد بخش ولطفي زيني، ومضى في البروفات وتحضير المسرح والديكور استعدادا لأول عرض مسرحي عربي ـ سعودي جماهيري.. قبل ان يوقفه الرقيب.

1962: فندق جدة بالاس. 

وُجدت الفنادق الحديثة في جدة منذ مطلع الخمسينات وكان ابرزها فندق بساتين جدة الذي اسسه وزير المالية عبدالله السليمان مع فندق قصر الكندرة. لكن فندق جدة بالاس او (قصر جدة) كان الاكثر أناقة واقتباسا لآخر صرعات عوالم الضيافة والفندقة. تأسس في ميدان البيعة، الى جانب وزارة الخارجية وحديقة الشعراء. وبنته شركة النسر العربية للمقاولات التي يملكها محمد علي موصلي. وكان الفندق يحتوي على صالة عرض كبرى استضافت اغلب مناسبات الفترة الاجتماعية والفنيّة وحتى السياسية حيث كان مسرحاً  حيّاً لخطابات الملك فيصل الرنانة.. ناهيك عن احتضانه للعروض السينمائية.

1962: النشاط الثقافي في أندية الرياضة. 

عبدالله منّاع يلقي محاضرته "المستقبل" في نادي الاتحاد عام 1964 (المصدر: أرشيف عبدالله منّاع)

عبدالله منّاع يلقي محاضرته “المستقبل” في نادي الاتحاد عام 1964 (المصدر: أرشيف عبدالله منّاع)

انطلق النشاط الثقافي في نادي الاتحاد بمقره القديم بالبغدادية عام 1962 بمحاضرة للدكتور والمصرفي المعروف -ابن جدة- يوسف نعمة الله، عن تغيّر سعر الدولار وانعكاساته على اقتصاديات المملكة.. ثم توالت المحاضرات فألقى أحمد جمال محاضرة بعنوان: مسؤولياتنا عن الشباب، وعبدالله مناع محاضرة بعنوان: المستقبل. وكان النادي يستضيف محاضرات النادي الأدبي، وحلقات من البرنامج الاذاعي الشهير: سهرة من بلادي.

واستلم عبدالله منّاع، العمل الثقافي في النادي ضمن مجلس ادارة المثقفين الذي شكله الأب الروحي للاتحاد يوسف الطويل برئاسة لعبدالسلام باناجه (1966).. وشهد اشراف المنّاع استضافة النادي لأهم محاضرتين.. المحاضرة الأولى، للشاعر الغنائي طاهر زمخشري التي حملت عنوان: العين بحر.. وشهدت لغطاً كبيراً حينها. ومحاضرة أخرى للأديب المكّي الكبير أحمد السباعي.

وانطلقت المحاضرات بالنادي الأهلي في عام 1963 بمحاضرة للأديب الرائد: محمد حسن عوّاد.. ثم توالت المحاضرات الفكرية، وكان مهندسها رئيس الأهلي آنذاك الشيخ عمر عبدربه وصديقه الشيخ عبدالرحمن سرور الصبان – وكلاهما مقرب من أدباء المدينة.

من جمهور محاضرات نادي الاتحاد في مقره بالبغدادية. ويبدو في الصف الأول المثقف الكبير محمد حسن عوّاد. (أرشيف عبدالله منّاع)

من جمهور محاضرات نادي الاتحاد في مقره بالبغدادية. ويبدو في الصف الأول المثقف الكبير محمد حسن عوّاد. (أرشيف عبدالله منّاع)

1963: أسماء زعزوع.. أول صوت نسائي محلي. 

في عام 1963 كان صوت أسماء زعزوع.. أو ماما أسماء، وهي زوجة الأديب عزيز ضياء، يتهدج عبر أثير اذاعة جدة، معلنا عن اول صوت نسائي يصافح وجدان السعوديين. تدربت أسماء في اذاعة عموم الهند في نيودلهي لمدة شهر في أواخر الاربعينات الميلادية حينما رافقت زوجها عزيز الذي كان اول سعودي يعمل في اذاعة بالهند.. بدأت أسماء كمذيعة ربط، وتشغيل الاسطوانات داخل الاستيديو، فشجع فريق واستنكر آخر.

وبعد اسماء حضرت نجدية الحجيلان -حرم عباس غزاوي وشقيقة وزير الاعلام جميل الحجيلان- التي كانت تقدم برنامجا للمرأة، والآنسة فاتنة شاكر التي كانت تقدم برنامج البيت السعيد  - كن اولى الرائدات.

1963: نادي البحر الأحمر. 

لما كانت الاندية في جدة: الاتحاد والاهلي والهلال البحري تركز على الكرة والرياضات الخفيفة.. أسس محمد الفيصل نادي البحر الأحمر بعيد عودته من امريكا كنادي رياضي نوعي وثقافي: نظّم مسابقات سنويّة في السباحة في خليج أبحر، وكان النواة التي تأسس من خلالها اتحاد السباحة، كما نظّم معارض فنيّة، وأقام دورات في تأهيل الصحافيين الرياضيين.

كان من أعضائه وأصدقائه الدائمين: عبدالعزيز مؤمنة رئيس تحرير مجلة الأسبوع التجاري اول مطبوعة متخصصة، وابراهيم زاهد وعصام قطان.. لم يستمر النادي طويلاً، مع انفضاض اهتمامات مؤسسيه وانصرافهم عنه.

1963: عبدالقدوس الأنصاري.. راصد تاريخ المدينة. 

عبدالقدوس الأنصاري هو احد روّاد الأدب والصحافة في الحجاز ضمن رعيله الأول والتأسيسي.. كان أول من نشر رواية حديثة في تاريخ البلاد: التوأمان (1930م) وهو مؤسس مجلة المنهل الأدبية. رصد الأنصاري، وهو من أهل المدينة المنورة أصلاً، جوانب هامة من تاريخ مدينة جدة في كتاب موسوعة تاريخ مدينة جدة، الذي نشر جزءه الأول في 1963، ويُعتبر اليوم احد مصادر التاريخ والطبيعة والجغرافيا لمدينة جدة.

1963: الجمعية النسائية الخيرية بجدة.. النهضة النسائية المدنيّة. 

بدأت الجمعية النسائية الخيرية بجدة في دار صغيرة بالكندرة، بالأجرة، كانت اعمالهن تنحصر في المستوصف الخيري الذي تبرع به وبتجهيزاته الدكتور الشاب عبدالقادر الترك .. وكانت الجمعية تعالج فيه خيرياً كل من يلجأ اليه من النساء والاطفال.. وكان يتناوب على ساعات المستوصف بشكل تطوعي الدكتورة ليزا رشيد، وعبدالقادر الترك، والدكتورة جوردانا.

تأسست الجمعية، التي تحمل الترخيص رقم (1) في المملكة، في فبراير 1963 برئاسة شرفية من الملكة عفت الثنيان، ومبادرة من حرم الشيخ يوسف الطويل، وهي من بيت شنكار، وعضوية 92 عضوة تدفعن اشتراك سنوي مقداره 25 ريالاً.. وفي أواخر عام 1964 وعد الشيخ عبدالله السليمان بالتبرع لبناء مقر جديد للجمعية، لكن الموت ادركه ولم ينفذ ابناؤه رغبة والدهم من بعده.

وفي مطلع عام 1964 توسعت انشطة الجمعية الى تنظيم صفوف لمحو الأميّة، وتعليم الأشغال اليدوية، وانشاء لجنة ثقافية ملحقة بمكتبة ضخمة.

ودعا مجلس ادارة الجمعية النسائية بجدة الجمعية العمومية لانتخاب مجلس ادارة جديد.. فلبّت الدعوة 67 عضوة وأنابت بعض العضوات عنهن بعض الحاضرات.. وتم انتخاب ست عضوات لمجلس الادارة الجديد بحسب اللائحة.. ففازت:

جهان الدجاني الأموي (63 صوتا)، نفيسة المغربي (57 صوتا)، سعاد الجفالي (53 صوتا)، ليلى حسين علي رضا (47 صوتا)، طيبة العطّاس (35 صوتا)، ليلى الموصلي (34 صوتاً).

ثم فتح الباب الترشيح لعضوات جديدات ففازت: سعاد محتسب، هالة المالكي، عديلة مصطفى جواد، محاسن الخطيب، رأفت باحارث، وبارعة أبوالحسن.

استلم الجانب الثقافي بالجمعية: السيدة مصباح الترك، والسيدة ليلى علي رضا، فيما ترك الجانب الديني للسيدة: صدّيقة نصيف. وشارت في التدريس في فصول محو الأميّة السيدتان: أمينة جمجوم، وهيام أبوالسعود، والآنسة خيرية ابوالسعود. فيما كانت حرم الشيخ محمد علي مغربي مهتمة بالشئون الاجتماعية.

وانشأت الجمعية اول فرقة مرشدات في المملكة.. بدأت بثماني وعشرين طالبة في الثانية عشر من اعمارهن من مختلف المدارس يداومن في المركز مرة كل اسبوع من العاشرة حتى الثانية عشر، تشرف على تدريبهن السيّدة مادلين ايرني حرم القائم بأعمال السفارة السويسرية بجدة.

1965: انطلاق الجامعة الوطنية.. بجهود أهلية. 

أعضاء اللجنة التأسيسية لجامعة جدة الأهلية في لقائهم مع جلالة الملك فيصل.

أعضاء اللجنة التأسيسية لجامعة جدة الأهلية في لقائهم مع جلالة الملك فيصل.

“لقد روادت فكرة قيام جامعة أهلية أذهان الكثير من رجالات البلد”.. هكذا جاءت افتتاحية أحمد صالح شطا، وزير التجارة السابق، في صحيفة البلاد، ملخصاً قصة تأسيس جامعة جدة الأهلية، التي دعا اليها أول مرة محمد علي حافظ عبر جريدته المدينة -مثلما فعل قبل ذلك في تأسيس الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة.

تعالت الأصوات بين الأهالي، والتئمت الارادات العالية، فتكونت لجنة تحضيرية من الكتّاب الصحفيين والتكنوقراط ورجال الأعمال من الأهالي، ضمت: أحمد صالح شطا، احمد صلاح جمجوم، عبدالله الدباغ، محمد ابوبكر باخشب، وهيب بن زقر، محمد علي حافظ، ومحمد عبدالصمد فدا.. وكانوا يقضون اجتماعاتهم في مدارس الثغر.

وافتتح تاجر النقليات محمد أبو بكر باخشب باشا التبرعات في يوليو 1964 بمبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمان، وهو مليون ريال..  تلا ذلك بثلاث أشهر احتفال كبير أقيم بمدارس الثغر لبدء حملة التبرعات للجامعة حيث فاقت قيمة التبرعات من الأهالي أربع مليون ونصف المليون.. يذكر عبدالله مناع، وهو كاتب صحفي وطبيب أسنان، انهم في مديرية الصحة تبرعوا برواتب شهر من تلقاء ذاتهم لتأسيس الجامعة الوطنية، ويذكر حسن بشاوري، الطالب في ثانوية الشاطئ حينها تطوعه لرفع الموارد المالية لتحقيق حلم التأسيس.. منح الوزير عبدالله السليمان الجامعة فيما بعد اربع فلل كان قد بناها لابنته كانت الأرض التي انتقلت اليها الجامعة.

وتكونت لجنة تأسيسية بالانتخاب ضمت عشرين شخصية أهلية ممتازة. وعُيّن نائب رئيس الهيئة التأسيسة، أحمد عبيد، كأول مدير لجامعة جدة الأهلية، التي بدأت من شقة متواضعة في شارع الملك عبدالعزيز تحت صيدلية تمر المعروفة في مدخل شارع قابل، بمائة وأربعين طالب، قبل ان تتوسع ويتحوّل اسمها بعد تبني الدولة لها الى جامعة الملك عبدالعزيز.

كان عبيد يقوم بأعباء الادارة والحشد المالي كأحد أضلاع التأسيس، كما يشرف على الإبتعاث، وعلى تعيين أعضاء هيئة التدريس يُساعده من المحليين الدكتور حسن أبو ركبة، الدكتور محمد عمر زبير، والدكتور أحمد محمد علي أول وكيل للجامعة. مكث عبيد في منصبه الى أن عاد أول مبتعث من الجامعة بالدكتوراة في تخصص التاريخ وهو الدكتور محمد الزيان. وكان من أوائل من طبّق نظام الساعات (الأمريكي) على مستوى الجامعات العربية بعد أن كانت تسير بنظام السنة الدراسية. كان له دور ريادي في حسم تعليم المرأة الجامعي.. اذ قام بمبادرته الذاتية بالحاقهن، متصدياً لممانعة رهيبة من التيار الديني ورئاسة تعليم البنات في حينها.

1965: أول معرض للفن الحديث في جدة.

وُلد عبدالحليم رضوي في حارة أجياد في مكة عام 1939 وعاش فيها طفولة قاسية بعد وفاة والده قبل ان يكتشف موهبته الفنية الباكرة. ولغياب المعاهد الفنية او الحد الأدنى من ملامح الحركة الفنية، غامر الرضوي من تلقاء ذاته ورحل الى روما لدراسة الفن.. قاسى في غربته ظروفاً قاسية، فكان يعمل كدهّان، لتوفير قوته اليومي.. ثم ضُم الى البعثة الحكومية، حتى حصل على ليسانس فنون الديكور الفني من اكاديمية الفنون الجميلة عام 1964م.

وفي مارس 1965 سيفتتح رضوي، أول معرض فني حديث في تاريخ جدة والبلاد نظّمه نادي البحر الأحمر.. حضره عشرات منهم الشيخ المهيب سليمان ابوداود، ومدير الثغر: محمد عبدالصمد فدا ومجموعة من الصحفيين والمهتمين بالفن.

اتسمت أعمال الرضوي بالطابع التجريدي، وتمحورت أساليبه الفنية حول فكرة الدوائر والاسلوب الزخرفي، وفي توظيف عناصر التراث والبيئة المحلية من عمارة ورقصات وأهلّة ونوارس بحر وعبارات تراثية.

والرضوي هو رائد الفن الحديث بكل المقاييس. انتاجه يفوق الـ 3300 عمل من الرسم والكولاج والنحت والمجسمات الجمالية والجداريات. وتقتني متاحف عالمية اعماله مثل: متحف الفن الحديث في ابيزا.. وفي ريودي جانيرو.. وفي زيورخ.. وفي سان ماركو في روما.

1966: مسرح التلفزيون.. الفن في جدة يولد راشداً. 

فوزي محسون في احد ليالي مسرح التلفزيون

في ربيع عام 1966 ستشهد جدة احد ابذخ لحظاتها الفنية والاحتفالية مع برنامج: مسرح التلفزيون.

كان مسرح التلفزيون يقدم ليالي طربية.. واسكتشات تشتمل على النكتة وتقليد الاصوات والمونولوج.. ناهيك عن السهرات الدرامية.. التي وُلدت كلها راشدة، بعد مرحلة طويلة من الانضاج تحت مظلة الاذاعة.

أخرج مسرح التلفزيون عمالقة الحركة الفنية. غنائياً: طارق عبدالحكيم وعبدالله محمد وفوزي محسون وطلال مداح والحضرمي المستقر في جدة ابوبكر بلفقيه.. وكوميديا: حسن دردير ولطفي زيني والموصلي وعبد الله الصائغ.

وكان من مؤسسي مسرح التلفزيون واوائل العاملين فيه: المخرج نهاد ادريس، وبشير مارديني وطارق ريري وعبدالعزيز أبو النجا وعبدالله باجسير..

تحفة (لطفي زيني) ومشقاص (حسن دردير)

واستهل مسلسل محلات مشقاص للخدمات العامة، من بطولة حسن دردير وتأليف لطفي زيني وجلال أبوزيد واخراج بشير مارديني باكورة الدراما التلفزيونية. وفي عيد 1969 قدم لطفي زيني وحسن دردير اول مسلسل كوميدي محلي: تحفة ومشقاص من اخراج محمد قزّاز. تلاه مسلسل في فندق المفاجئات عام 1971 من بطولة حسن دردير ولطفي زيني ومن إخراج طارق ريري. ومسلسل عمارة العجائب عام 1973 بطولة لطفي زيني وحسن دردير وعبد العزيز الحماد و فريال عبد الكريم وإخراج طارق ريري.

1967: محمد سعيد فارسي.. مهندس جدة الحديثة. 

محمد سعيد فارسي مع الفنان العالمي سيزار يناقشان مجسم (العين) القائم الان في متحف جدة المفتوح للفن الحديث (المصدر: هاني فارسي)

محمد سعيد فارسي،رئيس بلدية جدة الحالم والعاشق للفن والجمال، الذي ما أن عاد من بعثته من الإسكندرية، حتى جيّر نزعته الفنية والجمالية، لنقل التجربة المتمدنة التي عايشها في عروس البحر المتوسط الى مدينته الساحلية جدة.

رأس فارسي بلدية جدة من عام 1972م حتى 1985.. لكنه بدأ الاشراف فعلياً على جدة منذ عام 1967 حينما كان مدير التخطيط.. وفي ذلك العام بدأ فارسي اولى مشاريع تجميل جدة بتنسيق حديقة الشعراء، وتوزيع احواض زهور امام وزارة الخارجية بالبغدادية الى محطة كتبي. كما بدأ أعمال المجسمات مع الفنان المحلي عبدالحليم رضوي في كيلو 2 بلوحة جدارية ملونة بالزيت الأزرق ومشتقاته… تلاه عملان مع الرضوي ذاته: الأول يعبر عن السمو ممثلا في جناح طائر، والثاني يُعبر عن البحر… ثم توالت المجسمات حتى وصلت الى 400 قطعة. وكان النصيب الأوفر فيها: للاسباني جوليو لافونتي (53 عمل)، والألماني هولمان (15 عمل)، والفرنسي فكتور فازاريللي (10 عمل)، والمصري صلاح عبدالكريم (17 عمل) والسعودي عبدالحليم رضوي (20 عمل)..  وأعمال للانجليزي مور والفرنسي سيزار.. ثم ذهب فارسي الى اقتناء اعمال عمالقة الفن الحديث من المزادات العالمية: خوان ميرو.. وليبشيز.. وهارب.

وباستثناء الدراجة الضخمة البشعة (50 قدم).. اتسمت المجسمات بوحدة جمالية ومضمون يقارب العلم والتقنية والطبيعة خصوصا البحر.. والتراث الاسلامي. يقول محمد سعيد فارسي في افتتاحية كتاب قصة الفن في جدة (1989) : “كان اختيارنا البدائي الأول مزيجا من الألوان والتراكيب على لوحة جدارية تستوحي البحر في زُرقة الماء والسماء وألوان الأشرعة والأصداف والرمال”.

وكان تمويل الاعمال الجمالية خالصاً على القطاع الخاص. فيما كان الفارسي يشرف عليها شخصيا او ينوبه نائبه في البلدية المهندس بركات باجنيد والمهندس عبدالوهاب كابلي رئيس بلدية جدة الوسطى مع اللجنة العليا للتنسيق برئاسة الدكتور عبدالمجيد داغستاني والشركات المسؤولة عن تنفيذ المخطط والشركة الاستشارية. يذكر عبدالمجيد كيال، مدير فرع وزارة التجارة في جدة حينها، ان الفارسي اجتمع مع كبار تجار جدة برئاسة اسماعيل ابوداوود.. لحثهم على الاشتراك في مشروع التنسيق والتجميل.

 اطلق الفارسي اول حملة بالمعايير الدعائية الحديثة في تاريخ المدن العربية تحت شعار: “تجميل” التي كان من اهدافها توفير مسطحات خضراء، اعادة تأهيل التراث المعماري، زرع النوافير، وتقديم المجسمات الجمالية.. كانت الحملة، التي اتشحت بلون التركواز تدور حول ثيمة: ايقاظ المشاعر المدنية عند الأهالي.. فطليت حاويات القمامة باللون التركوازي، كما وزعت مطويات بذات اللون حملت شعار: “فلنتعاون على جعل جدة انظف”.

كان الفارسي يفرض على عقود المقاولين دفـع 2% من قيمة المناقصة، لأجل مشاريع تحسين المدينة.

وتعاقدت البلدية مع الشركة العربية للتنظيف في عقد مدته خمس سنوات، مقابل 380 مليون دولار.. يقضي باحضار جيش من عمال النظافة الذين يرتدون الأوفارول التركوازي: 4000 عامل لالتقاط القمائم.. (وكانت النفايات في جدة عام 1984 تصل الى 3 الاف طن). حد ان صحيفة الهيرالد تربيبون كتبت عن انموذج جدة الجمالي والبلدي باعجاب وثناء شديد.

صُرف على جدة في فترة الفارسي ملياران و400 مليون دولار.. منها 630 مليون دولار للتجميل.. 54 مليون منها ذهبت فقط للاند-سكايبنغ والتشجير. ومن شجرة واحدة زُرعت في العشرينات الميلادية امام بيت نصيف، أتم الفارسي زرع 6 مليون شجرة.

واختار الفارسي نباتات صحراوية لا تستهلك مياه وافرة متآلفة مع البيئة وتحمل مسحة جمالية وألوان زاهية: مثل ورود الدفلة الحمراء التي تنمو في صحراء كاليفورنيا، وورود بنت القنصل المكسيكية، ونبات الخطمي الصيني، والياسمين، والورد الجهنمي (ذي الوريقات الخفيفة البنفسجية)، وورود البلوميرا الكاريبية ذات اللون الأبيض.. التي باتت كلها جزء من هوية المدينة البصرية.

شيّد الفارسي:  300 حديقة.. 50 ملعب عشبي.. 60 نافورة مائية.. و3000 مراكن ورود. ومنح لجدة كورنيشها المفتوح بعد ان كانت الاحواش والهناغر الخاصة تحجبه عن أعين الجمهور.. وشق احد اكبر الكباري صعوبة وهو كبري الميناء، وشق احد اصعب الشوارع (شارع ولي العهد) لأنه يمر بعشرات من العمائر وعشرات من الفلل والبيوت في قلب المدينة وفي الجزء الخاص بمنطقة الشرفية.

لقد أحدث الفارسي انقلابا كوبرنيكياً في تأثير الفنان والمثقف.. وبخلاف الأديب او الشاعر كانت اعماله تنطق في شق الطرق، وتوفير المساحات الخضراء، وفي المجسمات الجمالية التي تمنح المدينة بهجتها واعتزازها.. حد ان رئيس تحرير البلاد محمد حسين زيدان، الذي كان من ضمن رواد الأدب اعترف بذلك التبدل القيمي قائلاً:  “ان محمد سعيد فارسي جنى علينا جناية كبيرة نحن معشر أدباء الطليعة.. لقد انتهى عصر الأدباء.. وجاء الفارسي فارس حلبة يعطي المهندس هذه القيم، فإذا المهندس الوزير وإذا هو الخبير، وإذا المهندس الوالي. فإن لم يكن له فضل التعمير في الأرض فإن له فضل التعمير على هؤلاء المهندسين الذين أصبحوا الطليعة الآن.”

كان الفارسي، وهو ابن شيخ الجواهرجية في مكة والمتحدر من اثرى عائلات حارة المسفلة، كان يتنقل بجهاز هاتف ملحق في سيارته لايفارقه، وكأنه نقل مكتبه الخاص الى حيث يرحل.  يقول عنه رفيقه عبدالله مناع: “نقل العام إلى الخاص، وعمل في جدة كأنه يعمل في مشروع خاص به وبأسرته فقط.. ولذلك أعطاها من جهده ومن عرقه ومن بذله ومن فكره ومن روحه الشيء الكثير والكثير.. “.

- الفارسي والرضوي: 

مجسم جرة الفول للرضوي

بدأت باكورة اعمال التجميل في جدة بتعاون بين محمد سعيد فارسي مدير التخطيط، وعبدالحليم رضوي الفنان المحلي العائد لتوه من روما. ونفذ عبدالحليم رضوي 20 عملاً اتسمت بالأفكار المحلية التي صُنعت بثروة جدة المعدنية مثل بقايا الرخام التي كانت تُجلب من مصنع عباس نور.. وفي مجسم “جرّة الفول” يعترف رضوي انه اهداه تقديراً لمعلمي الفول في جدة القديمة: العم عبدالقادر الأمير، والقرموشي.

- الفارسي والفنانين: 

النحّات عاطف الريّس في جدة

أحاط الفارسي نفسه بمجموعة من الفنانين العالميين الذين كانوا يجدون في جدة ملتقى فني ومركز لأعمالهم. مثل خوليو لافونتي، وهو مصمم مجسمات الكنداسة الثلاثة، الذي كان صديقا دائما لجدة. وكان يمكث في جدة بصفة دائمة الفنان اللبناني ذي الثقافة الباريسية عاطف الريس، صاحب فلسفة استنطاق التماثيل، خلافا لتمثال بلزاك في باريس حيث الجمود. قدّم الريس اعمال غزيرة لجدة اشهرها: ميدان السيف.

- الفارسي.. ميديتشي الألفية:

تمثال حقول الشمس على كورنيش جدة، للفنانة الفنلندية ايلا هولتنين

جلب الفارسي الفنانة الفنلندية إيلا هولتنين عام 1979 بدعوة رسمية.. فقدمت لجدة عملين لها: شعلة الحياة..وحقول الشمس.. وكلاهما مذهّبان لمقاومة شمس جدة وجوها الرطب. قالت عنه هلتونين: “الفارسي هو لورينزو ميدتشي العصر الحديث” كناية عن آل مديتشي نبلاء فلورنسة الذين رعوا فنون عصر النهضة.

- هذا دليل لمسات الفارسي على جدة كما تركها.. الصور من أرشيف أرامكو:

1968: صفية بن زقر ومنيرة موصلي.. ريادة الفن النسوي!

صفية بن زقر، ابنة حارة الشام، في عام 1968

في ابريل 1968 نظّمت منيرة موصلي وصفية بن زقر معرضا تشكيليا مشتركاً في مدرسة دار التربية الحديثة بجدة حقق نجاحاً جماهيرياً هائلا، وحضره مسؤولين وممثلو سفارات. عرضت فيه بن زقر 22 عملا فنيا (بيع منها 15) وموصلي 35 عملا (بيع منها 6)..  كانت بن زقر، وهي ابنة حارة الشام بجدة، قد تخرجت من القاهرة، فيما كانت موصلي، وهي ابنة حارة أجياد بمكة، لا تزال تدرس الفنون الجميلة بالقاهرة.. لكنهما لمستا ضرورة نقل الفن الى جدة ليتذوقه جمهورها الصاعد. افتتح المعرض أمير مكة مشعل بن عبدالعزيز، وقدّم لهما في الكتيّب الذي وُزّع على هامش المعرض، عبدالله بوقس مدير التعليم بجدة.

اشتهرت صفية بن زقر بأعمالها الانطباعية التي رصدت فيها أجواء جدة القديمة والحجاز، بمسحة تقشفية تعزوها بن زقر نفسها لتأثرها بالمدارس البدائية كما عند فان جوخ. ومن أشهر لوحاتها على الاطلاق: لوحة الزبون، وهي امرأة ترتدي الزي الحجازي التقليدي المعروف بالزَبون، ولطالما عرفت بأنها “موناليزيا الحجاز”. افتتحت بن زقر دارتها للفنون في جدة: دارة صفية بن زقر في عام 2000، بعد تسع سنوات من التخطيط والبناء.

منيرة موصلي، قبل أول عروضها المنفردة في جدة عام 1972

اما منيرة موصلي، فتخرجّت من كلية الفنون الجميلة القاهرة عام 1972.. وحصلت على دبلوم تصميم من كاليفورنيا بعد ذلك بست سنوات. عملت أولاً مُدرسة ورئيسة لقسم الفنون في مدارس دار الحنان، ثم تفرغت للفن. ويقتني متحف الفن الحديث بمدريد احد اعمالها منذ عام 1989.. ولها كولاج شهير باسم: أحزان البدو.. وجداريات.. وزيتية بإسم أرضي وناسي مقاربة للوحة الزبون لبن زقر.

..

..

1968: مركز الفنون الجميلة.. اولى مبادرات الفن المؤسسية.

احدى لوحات البروفيسور رضوي

أسسه عبدالحليم رضوي كأول مؤسسة أهلية تعني بالفن. وكان يديره منذ تأسيسه الى اغلاقه عام 1974.

والحقيقة ان مركز الفنون الجميلة كان اول محاولة جادة لتطوير الفن التشكيلي، التي حملت معها ثمار واضحة. وخلال عمره القصير جذب المركز الفنانين والهواة مشكلاً حاضنة لأعمالهم، فكان من خرّيجي هذا المركز رموز الجيل الثاني للحركة التشكيلية في جدة، وكلهم تلاميذ او متأثرين بالرضوي: ضياء عزيز ضياء.. احمد فلمبان.. حسن مليح.. عبدالكريم ابوخضير.. وطه صبان.

انتزع الرضوي بقوة شخصيته الاعتراف الرسمي من وزارة المعارف ابان عهد وزيرها حسن ال الشيخ وحظي برعاية وكيل المعارف عبدالوهاب عبدالواسع ومدير التعليم في مكة عبدالله بوقس، ومدير الثغر عبدالرحمن التونسي.

احتضن المركز المعرض السعودي الايطالي المشترك في عام 1972. اغلقه الرضوي لسفره لمدريد لتحضير درجة البروفيسوراه في الفن.

1974: أول جمعية رسمية لفنون الموسيقى والمسرح في البلاد. 

لسنوات طويلة شكّلت جهود رئيس لجنة الموسيقى بجمعية الثقافة والفنون بجدة الموسيقي: سراج عمر ما يشبه المعهد الموسيقي الذي سدّ حاجات المدينة الى ذلك

تأسست الجميعة العربية السعودية للثقافة والفنون بمدينة جدة في سبتمبر 1974 كأول مؤسسة مجتمع مدني رسمية تعني بأنماط الفن والموسيقى والمسرح.

كان أول مجلس ادارة هو أكثره توهجاً وتنوعاً. فعيّن مديرا للجمعية إبراهيم خفاجي (شاعر أغنية)، وبعضوية حسين النجار (اذاعي) وسراج عمر (موسيقي) ومحمد رجب (مسرحي) وحامد عمر (موسيقي) وطارق ريري (مخرج) والشريف محمد العرضاوي (ممثل دراما) وحسين مليح (تشكيلي) وعبد الله الماجد (أديب) وصالح جلال (شاعر أغنية).

كان الجمعية تقيم معرضا تشكيلياً سنوياً منذ 1978.. فيما برز سراج عمر الذي أشرف على لجنة الموسيقى والغناء لسنوات طويلة وشكّلت جهوده ما يشبه المعهد الموسيقي. وفي مجال المسرح أنطلقت المسرحيات في جدة بمسرحية “أنت فين” من تأليف محمد رجب وإخراج عثمان أحمد حمد.

1974: مجلة اقرأ.. بدايات صعود الصحفي النجم. 

عبدالله منّاع في أقصى اليسار، على يساره بالترتيب: رضا لاري، تركي السديري، محمد سعيد طيّب، محمد احمد محمود – جيل كامل من الصحافة.

بدأ عبدالله مناع مراسلا لصحيفة الرائد من الاسكندرية ابّان ابتعاثه لدراسة طب الأسنان في عروس البحر الأبيض في الخمسينات الميلادية، وحينما عاد عمل فيها متعاونا، ثم انتقل الى المدينة.. لكنه سيجد انه قد اختير عشوائياً في تشكيل مؤسسة صحيفة البلاد بعيد نزع الملكيات الفردية للصحافة وتحويلها الى مؤسسات بقوة القانون.. ومنها سيشق طريقه نحو النجومية الصحافية، حتى تعيينه رئيساً لتحرير مجلة اقرأ التابعة لمؤسسة البلاد.

شكّل المنّاع جهاز اقرأ وأصدر عددها الأول في 9 ديسمبر 1974.. واستمر فيها حتى مايو 1987.. كوّن خلالها فريقه الذي كان خليطا من الوطنيين والمصريين والسودانيين واليمنيين.. نجح خلالها في تقديم أنماط من صحافة التحقيق والقصة الصحفية، كما فتح صفحات المجلة لتنحاز لتيار الحداثة الأدبي خلال صراعاتها الشهيرة في الثمانينات.

كتب المنّاع القصة القصيرة والرواية والتمثيلية والأغنية والسيرة الذاتية، إلى جانب مئات المقالات والمحاضرات.. وكان بزهوه الذاتي الشديد، وأناقته، وثقافته القومية، ومعارفه الفرانكفونية، ولكنته الجدّاوية الممزوجة بالنكهة الاسكندرانية، ولقب الدكتوراة الذي يحمله، وغليونه الذي لا يتنازل عنه صورة من صوّر نجومية الصحفي في زمن توهّجه.

1975: أدبي جدة.. مبادرة العملاقان محمد حسن عواد وعزيز ضياء. 

ثاني انتخابات لنادي جدة الأدبي بعيد وفاة الاستاذ العواّد عام 1980

تأسس في مايو عام 1975 بمبادرة من العملاقين محمد حسن عواد وعزيز ضياء رغبة منهما في لم شتات المثقفين بعد سنوات طِوال من التشتت. وفي اول انتخابات لمجلس ادارة النادي عقدت في منتزه كيلو 10 في طريق مكة، وبلغ عدد الذين حضروها أكثر من 100 أديب ومثقف وصحفي ولم يتغيب عنهم من الأدباء الكبار سوى عبدالقدوس الأنصاري، حصل العواد على أعلى أصوات (17 صوتا) مناصفة مع عزيز ضياء، فاختير الأول رئيساً للنادي، والثاني نائباً له.

بدأ النادي بفيلا مستأجرة في حي الشرفية.. ثم تنقل الى عدة مقار كان منها شقة في طريق المدينة النازل في عمارة عبدالحميد شويل. ونشط عبدالفتاح أبومدين ومحمد سعيد طيب وعبدالمقصود خوجة وعلي فدعق وروّاد ثلوثية الطيّب لانشاء مقر جديد يليق بمكانة جدة. اثمرت جهودهم تبرع الدولة بأرض النادي المقام عليها حالياً بحي الشاطئ.. وتبرع الأهالي والبنوك بتكاليف البناء نحو اربعة ملايين وستمائة وخمسين ألف ريال وأكمل العجز شهبندر تجار جدة الشيخ اسماعيل ابوداود، فيما تبرع المهندس محمد سعيد فارسي بتكاليف التصميم الهندسي، فجلب صديقه المعماري الايطالي العالمي خوليو لافونتي بديلاً عن المهندس المحلي كامل قمصاني. فيما قام المقاول حيدر أسعد، صاحب مؤسسة داركم بانجاز البناء.

وتنقلت محاضرات النادي من مسرح إدارة التعليم، إلى مدارس الثغر، إلى جامعة الملك عبدالعزيز، إلى نادي الاتحاد، إلى فندق ماريوت، وإلى مؤسسة المدينة المنورة للصحافة والطباعة والنشر، وإلى فندق العطاس.. قبل ان تحط في مسرح مقر النادي بحي الشاطئ.

1975: قناديل الذاكرة الشعبية. 

تتر برنامج قناديل الرمضاني من التلفزيون السعودي

رغم انه من الرعيل الثاني للأدب الحديث في السعودية، الا ان أحمد صالح قنديل، اشتهر بشعره الشعبي البلدي “الحلمنتيشي”، وفي رصده لذاكرة المدينة الشعبية ورموزها الظريفة. عُرض له مسلسل قناديل رمضان، من إنتاج تلفزيون جدة، منذ 1975 ولسنوات عديدة، وهو برنامج تمثيلي شعبي من تأليفه ومن بطولة: عبد الستار الصبيحي وحمدان شلبي وحمتّو ساعاتي ووجنات رهبيني ومحمد بخش وفؤاد بخش وخديجة أبو بكر وكلهم ممثلين محليين.

بيد ان مؤلفات قنديل هي من حفظ للمدينة أشد تفاصيل ذاكرتها في: ابوعرام والبشكة حيث حكايات شلضم وبسباسة وخواجة ينّي وعم سديق وبيبي زينب وحبمبا والخرنتا والدجيرة وسبع الليل.. او في جدة عروس البحر والجبل الذي صار سهلا وحكايات ودهاليز.

1977: تهامة.. هيّبة الكتاب العربي السعودي. 

الرجولة عماد الخلق الفاضل لحمزة شحاتة.. احد المنشورات النفيسة من سلسلة الكتاب العربي السعودي لشركة تهامة.

منذ أن تأسست شركة تهامة في جدة، وهي شركة مساهمة، استحالت الى كبرى شركات الدعاية والاعلان، اراد محمد سعيد طيّب،  مديرها العام، تمرير مشروعه الثقافي الوطني من خلالها… وقد كان!

طيّب، ابن رحمّانية مكة، والتلميذ المباشر لرموز الثقافة الحديثة في مكة؛ محمد عبدالصمد فدا، عبدالله عبدالجبار، محمد عمر توفيق، وحسن أشعري.. اصدر عن تهامة سلسلة الكتاب العربي السعودي ليصل القارئ المحلي بمصادر الثقافة الحديثة في الحجاز والمملكة، مانحاً للوجدان المحلي احد أهم الخطوات جوهرية في مجال النشر والتأليف.

نشرت سلسلة الكتاب العربي السعودي اعمال رائدة لحمزة شحاتة، وعزيز ضياء، وأمين مدني، وحسين سراج، وأحمد السباعي، وعبدالله بن خميس، وطاهر زمخشري، ومحمد سعيد عمودي، وأحمد عبدالغفور عطّار وغازي القصيبي.. الى آخر الاسماء التي حملت مشاعل التنوير في فترات التأسيس.

1977: ثلوثية الطيّب.. نادي الصحافة والنشر والدعاية والاعلان – وامتداد الحركة الوطنيّة!

منذ منزله الأول في الشرفيّة الى موقعه الحالي بشارع الصحافة، استثمر محمد سعيد طيّب، أو أبو الشيماء، كما يحلو لمحبيه ان ينادوه.. استثمر كاريزما شخصيته الاجتماعية، وموقعه القيادي في كبرى شركات الدعاية والاعلان التي كانت تتربط بكل الصحف اليومية، لتأسيس مجلس أسبوعي، عُرف بإسم الثلوثية، كان الأبرز والأكثر وهجاً في فضاء المدينة.. ولربما الأكثر انغراساً في وجدانها.

كان روّاد الثلوثية هم نجوم المجتمع والصحافة والدعاية والاعلان، وروّاد حركة الأدب والادارة في البلاد، كما كانت تزوره نخب سياسية واعلامية عربية معروفة مثل محمد أحمد الشامي وزير خارجية اليمن، وعبدالعزيز حجازي رئيس وزراء مصر. يجتمعون في أجواء عفوية وصفها عزيز ضياء ذات مرة: “ان أمسيات (الثلوثية) والمواضيع التي تطرح فيها، تعالج بكثير من العفوية، إلى جانب الفكاهة والطرفة والنكتة”.

وفي السنوات الأخيرة لعبت الثلوثية دوراً اضافياً يشكل الامتداد الموضوعي للحركة الوطنية.

1978: امبراطورية الاعلام العربي.. مقرّها جدة!

هشام ومحمد حافظ في مكتب ادارة الشركة السعودية للأبحاث والنشر بجدة

السيّد هشام حافظ يتصفح العدد الاول من عرب نيوز


في عام 1972 ومن مبنى خشبي متواضع في حارة العمارية حيث مقر صحيفة المدينة، انقدحت فكرة امبراطورية النشر العربي: الشركة السعودية للابحاث والنشر للأخويّن هشام ومحمد علي حافظ.. وانطلقت باكورة منتجاتهما عبر: عرب نيوز في 20 ابريل 1975. ثم اعقبتها صحيفة الشرق الأوسط في يوليو 1978.. التي أراد لها هشام حافظ ان تقتبس طرائق وأسلوب صحيفة “التريبيون” الدولية، وكان الأخويّن بها الغارسان لبذرة الصحافة المهاجرة بتقنية عالية غير مسبوقة في الصحافة العربية.

اشترك معهما في تأسيس عرب نيوز الصحفي المخضرم -العدني الأصل- فاروق لقمان، الذي عُيّن كأول مدير عام للجريدة التي بدأت في كراج سيارات أسفل عمارة بن لادن وضمت كل اقسام التحرير والاعلام والتوزيع والسكرتارية والترجمة.

واشترى هشام حافظ مقر الشرق الأوسط في شارع فليت – شارع الصحافة في لندن، مقابل ثلاثين ألف جنيه استرليني فقط، لعبت الصدفة دوراً كبيراً في ذلك عندما عرضت عليهما شركة بريطانية على وشك الافلاس بيع مقرها وارشيفها الصحفي مقابل ذلك المبلغ الزهيد.

حوّل الأخوين حافظ.. الشركة الى مجموعة اعلامية كبرى، تتبعها مكاتب تحرير ومطابع وقنوات انتاج – كلها مرتبطة بمقر الادارة العامة في جدة. ومنذ العدد الـ (20): أعلن الناشر هشام حافظ بدء تجارب بث صفحات جريدة الشرق الأوسط عبر عشرات آلاف الكيلومترات بواسطة القمر الصناعي المتمركز على المحيط الهندي من غرفة أخبار لندن إلى مكاتب جدة، لتصبح أول مطبوعة عربية تستخدم أجهزة نقل صفحاتها عبر الأقمار الصناعية.

1978: أول لجنة للآثار بجدة. 

في 11 سبتمبر 1978 صدرت الموافقة السامية على تشكيل اول لجنة للآثار في جدة اثر جهود رئيس البلدية محمد سعيد فارسي.  وتولى أمير مكة حينها الامير فواز رئاسة اللجنة بعضوية من محمد سعيد فارسي والدكتور عباس طاشكندي، والدكتور المعماري عبدالمجيد داغستاني وكيل رئيس بلدية جدة.  وكان باكورة اعمالها مباشرة افتتاح جزء من قصر خزام كمتحف أثري.

1978: جدة دوم.. صعود صالات العرض الجماهيري في جدة. 

Jeddah Dome كأطلال تذروها الرياح!

Jeddah Dome كأطلال تذروها الرياح!

اول صالة للعروض الفنيّة والتسويقية في جدة.. استثمرها موفق الحارثي تزامناً مع الانفتاح التجاري والاجتماعي الذي كانت تعيشه جدة مع انتصاب عود الطفرة.. تقع جدة دوم، أو قُبة جدة، في تقاطع شارع فلسطين مع شارع الستين (الشرفية)، وانفردت بتصميمها المعماري ذي الطابع الغرائبي الذي كان جديداً على المدينة. كانت جمعية الثقافة والفنون تقيم عروضها التشكيلية بها ويفتتحها مديرها البروفيسور رضوي.. قبل ان تخرج عن الخدمة.

عرفت جدة بعدها عدة صالات للعروض الفنيّة في فورة لم تستمر طويلا. فظهرت صالة تاج للفنون الجميلة (1979-توقفت) .. وصالة ردك (1979-توقفت).. ثم روشان للفنون الجميلة (1980-لاتزال) لمالكها طلال كامل كردي.

1979 سبنسر تارت.. أول فنان متجوّل. 

مائية لسبنسر تارت

جلبه المهندس محمد سعيد فارسي عام 1979، مهندساً معمارياً. لكن المستر سبنسر تارت سيوظّف موهبته في الألوان المائية ليوثق هوية المدينة البصرية في لوحات مائية شهيرة من توقيعه. كان السكان يرصدونه متجولاً في دروب جدة وأزقتها العتيقة، حتى خلّف مع رحيله تركة فنيّة عريضة، وثّق فيها بيئة البلد، والميناء القديم، وملامح المعمار الحجازي، وباتت لوحاته التي سوّقها بشكل تجاري واسع ترصّع جدران مؤسسات المدينة العامة والخاصة ومنازل العاشقين لتراث المدينة.

1980: جمعية أهلية للبر في جدة. 

تشكّلت لجنة صندوق البر في جدة أول مرة برئاسة وزير التجارة محمد عبدالله علي رضا وعضوية عبدالعزيز العبدالله السليمان، الشاعر محمد حسن فقي، عبدالمجيد شبكشي، عبدالرؤوف أبو زنادة، ومحمد أحمد جارالله. وقررت في أولى اجتماعاتها شراء عمارة أو اثنتين وتحويلهما إلى رباط خيري لإيواء المحتاجين إلى السكن وقد فوضت اللجنة كل من عبدالعزيز السليمان وعبدالرؤوف أبو زنادة ومحمد جار.

ثم توسعت اللجنة في ذات العام لتضم في عضويتها: أحمد الجفالي، عبدالقادر الفضل، محمد سعيد متبولي، عبدالرزاق الملا، عمر بادحدح، محمد حسين أصفهاني وعبداللطيف باناجة.

1982:  اثنيّنية عبدالمقصود خوجة.. امتداد مؤتمرات الحجاز الأهليّة. 

عزيز ضياء ومحمد حسين زيدان وحسين سراج وعيدالله مناع في اثنينية الخوجة. (المصدر: سلسلة الاثنينية)

عزيز ضياء ومحمد حسين زيدان وحسين سراج وعبدالله مناع في اثنينية الخوجة. (المصدر: سلسلة الاثنينية)

انطلقت اثنينية عبدالمقصود خوجة في نوفمبر 1982، لتتصل بتلك الجلسات الصباحية التي كان يلتقي فيها نخبة من كتاب وشعراء وأدباء الرعيل الأول في الحجاز في مكتب والده الصحفي محمد سعيد عبد المقصود رئيس تحرير صحيفة أم القرى المكيّة. بما يؤكد أن جدة امتصت ذلك العمق الحضاري، والتيار المعرفي، الذي تدفق عليها من المدينتيّن المعرفيتيّن مكة والمدينة: فكان يغشى اثنينية الخوجة: روّاد الأدب والشعر والصحافة والفن من أبناء مكة والمدينة: عبد القدوس الأنصاري، طاهر زمخشري، عبدالله بلخير، محمد حسين زيدان، حسين عرب، عزيز ضياء، حسين باشا سراج، أحمد عبيد، محمود عارف، أحمد العربي، عبد العزيز الرفاعي، وطارق عبد الحكيم.

امتازت اثنينية الخوجة بتكريمها للروّاد، ومن ثم بتكريمها للمتميزين في كافة المجالات.. وفي طباعة الأعمال الكاملة للرواد في الحجاز والمملكة. كما لعبت أدواراً حضارية في قيامها كمبادرة أهلية تجمع اقطاب الفكر والنخب المعرفية بالعالم الاسلامي في أرض الحجاز.. لتعوّض تلك الغيابات التي حصلت مع الغاء ندوات الحج الأهلية التي كان يقيمها زعماء الأهليين في مكة: عباس يوسف قطّان، ومحمد سرور الصبّان، وجلسة حوش محمد ماجد الكردي في مشعر منى، وجلسات الشيخ حسين باسلامة في داره بحارة الباب.

1982 عدنان أكبر هوت كاتور : 

أقصوصة خبر عرض عدنان أكبر في باريس من الأسوشيتد برس 1989

على الرغم من احتجاب عدنان اكبرفي السنوات الأخيرة وتسلّكه سلوكاً ينحو منحى "الالتزام" الديني، لكنه ظل يتعامل في مهنته كمحترف. هذا فستان ترتديه باريس هلتون من تصميم عدنان أكبر

على الرغم من احتجاب عدنان اكبرفي السنوات الأخيرة وتسلّكه سلوكاً ينحو منحى “الالتزام” الديني، لكنه ظل يتعامل في مهنته كمحترف. هذا فستان ترتديه باريس هلتون من تصميم عدنان أكبر

بدأ مصمم الأزياء عدنان سراج أكبر تصميم أزياء الأفراح من مسقط رأسه مكة معتمداً على عاملات تطريز افريقيات، قبل ان يرحل الى كراتشي لتعلم العلوم السياسية وتصميم الأزياء.. وفي عام 1968 حطّ متدرباً في دار مدام سيلفيا في بيروت أشهر مصممات أزياء زمانها. ذهب بعدها الى باريس وقضى اياما وليالي في مكتبة فوج، وحين عاد من فرنسا الى جدة في 1970، افتتح اولى متاجره في حي الرويس، كأول محلي يصمم فساتين هوت كوتور في طول البلاد. ثم بدأ يتعامل مع الديوان الملكي والنخب التجارية. ومع عام 1982 كانت عروضه قد رحلت الى ميلان.. كان.. امستردام.. القاهرة وجدة والرياض. وفي يوليو 1988 بدأت تصماميه في احداث صرعة في عالم الهوت كوتور، وسمّته دار كريستيان لاكروا المرموقة مُصمم العام، وتعاقد حصرياً مع دار Bianchini Férier، وهي دار أقمشة فاخرة، مقرها ليون وتمد دور شانيل ولاكروا وارماني بالأقمشة الفاخرة الحصرية.. كأول عربي يحوز على تلك الريادة.

توجّ نجاحاته بدعوته لعرض تصماميه في الحفل الفرنسي الشهير International Fashion Festival على ساحة برج الايفيل في عام 1989 امام 200 ألف مشاهد، في عرض اسطوري قدمت فيه 25 عارضة تشكيلته الذهبية تحت انعكاس الألعاب النارية الذهبية، مع 40 جمل يهيم في الخلفية كناية عن الطابع العربي. واطلقت الصحافة الفرنسية عليه من حينها لقب إف سان لوران الشرق.

1985: عبدالرؤوف خليل.. وصناعة المتاحف الأهليّة. 

عبدالرؤوف خليل.. في زي “ابن البلد”

ضم متحف عبدالرؤوف خليل عشية افتتاحه في حي الأندلس بجدة عام 1985 ما يقارب 12500 قطعة أثريّة نادرة توزعت على 67 قاعة جمعها خليل خلال 33 عاماً. جيّر عبدالرؤوف حسن محمد خليل، شغفه في اقتناء الآثار الى تأسيس مجموعة من المتاحف في مدينة جدة، كانت الى جانب متحفه الرئيسي: متحف الفنون المنزلية، متحف درة الثقافة الوطنية، وأخيراً متحف مدينة الطيبات الذي بناه كاملا على الطراز الحجازي القديم بالحجر البحري والنورة والرواشين وصنع فيه أزقة ودروب دلالة على شغفه بالشخصية الحجازية. ضم خليل الى متحف الطيّبات مكتبة تضم اكثر من 200 ألف كتاب ومرجع علمي، ومراكز تدريب للموهوبين، ووفر على هامشه مواقع استأجرتها محلات لبيع واقتناء التحف والمقتنيات على طريقة المزادات، تقوم بدورها في كسر روتين المدينة.

ولم يكن عبدالرؤوف خليل مؤسساً للمتاحف في مدينته فحسب.. بل كان الداعم والممول الرئيسي لكل أنماط الفن والأدب.. فكان عضواً شرفياً في كلا من بيت الفوتوغرافيين وبيت التشكيليين، وداعماً سخياً لبرامج ونشاطات النادي الأدبي.

كان أثقل يوم في حياته، وأحد أكثر ليالي المدينة حزناً، يوم احتراق متحفه الرئيسي بالكامل عام 2002.

1986: مشقاص سوّاح.. أول كارتون!

انتجه حسن دردير (مشقاص) كفوازير، وقام بأداء الأصوات فيه بالاشتراك مع صفاء ابوالسعود.. قام بتلحين مشقاص سوّاح سيّد مكاوي وحسن نشأت. استمر العمل فيه عامين كاملين.

1989: الدراما المحلية.. الى آفاق العربية. 

الفنان محمد حمزة، مع سميّة الألفي في ليلة هروب.

قبل ظهور الفضائيات، والانتشار الذي رافقها، استطاع الممثل والسيناريست محمد حمزة، وبجهود ذاتية، من اختراق حُجُب التلفزيونات العربية بمسلسله الذي انتجه: ليلة هروب، صانعاً للدراما المحليّة اولى لحظات انتشارها وبدايات مجدها. كان المسلسل الذي عُرض في رمضان عام 1989 بعد صلاة التراويح، انقلاباً جديدا للدراما المحليّة، التي وظّف حمزة عناصرها وأجوائها ومواهبها، وطعّمها بعناصر وأبعاد عربية، في خلطة وفرت له النجاحات. شارك مع حمزة في ليلة هروب: ابنيه لؤي ووائل حمزة، وفؤاد بخش وحمدان شلبي وسعيد بصيري وعبدالحميد رجب والجسيس محمد أمان، وفنانين عرب: ابراهيم الصلال، زوزو نبيل، سمية الالفي، سناء جميل، فايزة كمال.. وهو من اخراج عادل جلال، وموسيقى تصويرية حالمة من الموسيقار الكبير: عمر خيرت.

حمزة، ابن زقاق الطيار بالمدينة المنورة، الذي انتقل الى جدة كموظف مدني في القوات الجوية، استثمر نجاحاته تلك في مسلسل آخر لا يقل شهرة: اصابع الزمن. 

1990: أول بيت للفوتوغرافيين.

بيت الفوتوغرافيين في البلد.. قبل اغلاقه. (المصدر: تصوير سلطان منديلي)

بدأ بيت الفوتوغرافيين بجهود فردية من المصوّر عيسى عنقاوي، الذي أسس نواته في غضون عام 1985. لكن العنقاوي انتزع رخصته من جمعية الثقافة والفنون بعيد عامين بمساعدة من مديرها وقتها عبدالحليم الرضوي. وأنتخب المصوّر الرائد حامد شلبي أول رئيس للبيت.. وفي عام 1990 منحهم محمد سعيد فارسي، أمين جدة السابق، داراً تاريخية في حارة المظلوم لتكون مقراً أنيقاً في وسط البلد التاريخي.. وانضم الفارسي الى تشكيل مجلس الشرف الذي ضم الى جانبه: عبدالمقصود خوجة وعبدالرؤف خليل وخالد عبدالغني وعبدالله مناع.

كانت اسرة البيت الناشطة تتكون من الفوتوغرافيين: انس ابوالسمح وحامد شلبي وابراهيم سراج ومن الشباب سعود محجوب ومحمد بالبيد وعبيد العتيبي وعوض الغامدي، ناهيك عن عيسى عنقاوي وزوجته وداد صبّان.

انضم البيت في 1995 الى الاتحاد الدولي للفن التصويري، وهو ذات العام الذي يشكل البداية الحقيقية للنشاطات الكبرى التي شهدت معرض الفوتوغرافيين الأكبر والذي جمع 25 فنان وفنانة. لكن النادي أغلق ابوابه فيما بعد.

1991.. علامات.. دورية للنقد وفلسفة اللغة في جدة!

 الفلسفة المعاصرة كلها فلسفة لغوية. من هذا المعنى انطلقت دورية علامات في النقد اللغوي في مايو 1991، عن نادي أدبي جدة في عهد رئيسه الذهبي عبدالفتاح أبومدين كأقدم مجلة في العالم العربي تعني بالفلسفة اللغوية. صدر منها منذ ذلك التاريخ ما يفوق السبعين مجلداً. كانت جدة منذ ما بعد حرب الخليج تُنتج معرفة حديثة على المستوى الاقليمي، وكان أبومدين هو رمزها الشاهد عليها وصانعها.. يعاونه الى ذلك نجوم النقد المنتمين الى مؤسسة أدبي جدة: سعيد السريحي وعبدالله الغذامي وعابد خزندار وبكر باقادر ومعجب الزهراني.. يشاركهم من العالم العربي: محمد الهادي الطرابلسي، عبدالملك مرتاض، مصطفى ناصف، اعتدال عثمان، حمادي صمود، شكري عياد، عبدالسلام المسدي، سعيد يقطين، عبدالعالي بوطيب، وصلاح فضل.

تحضر في علامات نظريات باول ريكور وجاك دريدا ورولان بارت جنبا الى جنب مع الجرجاني وابن جني والقاضي عبدالجبار، وتفكيك نصوص ادغار آلان بو وبودلير وامبرطو ايكو الى جانب عباس محمود العقاد وحمزة شحاتة وبدر شاكر السيّاب!  حد ان الباحثين المعنيين بالنقد والدراسات على المستوى العربي قاطبة كانوا كثيرو الاحالة الى ما ينشر في علامات.

لقد حوّل ابو مدين أدبي جدة الى أحد معاقل الحداثة بتشجيعه الحركة النقدية والفلسفة اللغوية… ان عبر دورية علامات او محاضرات النادي والملتقيات التي أسسها كملتقى النص، الذي استحال بدوره تظاهرة عربية رئيسية.

1991.. سينما النادي الايطالي: 

خواجة أوكو مع زوجته في صورة حديثة. (المصدر: عرب نيوز)

الخواجة الايطالي جاتانو مولفاري (Gaetano  Mulfari)، الشهير بخواجة أوكو، من مواليد ميسينا أصلاً، ومن أهل جدة التي انتقل لها منذ عام 1958، ودون انقطاع حتى الآن. يعيش في جدة مع عائلته الممتدة منذ ان بدأ عمله كرئيس للصيانة في السفارة الامريكية بجدة. أسس “أوكو” النادي الايطالي الإجتماعي والثقافي في حي البغدادية، مطلع التسعينات، كمتنفس بديل لسكان المدينة من أجانب ومواطنين ببرامجه الثقافية وعروضه السينمائية الدورية.. ملحقاً بمطعمه الايطالي الأنيق: لالو !

1992: انطلاق بينالي جدة!

انطلقت مسابقة مُلون السعودية في مايو 1992، واستمرت ست دورات حتى توقفت مع انتهاء دورة يونيو 2003. كانت خلالها تظاهرة التشكيليين الأبرز، ومهرجان حيوي ضخم يقوم -كل سنتين- بمثابة بينالي المدينة، يرافقه حفل كبير، بافتتاح أمير المنطقة الأمير ماجد بن عبدالعزيز.. ويحرص على حضوره كبار وشداة الفن التشكيلي بالمملكة.

كان يحكّم المسابقة فريق تحكيم يتكوّن من خمسة مختصين، اثنين من السعودية وثلاثة من الخارج يأتون ايضا لعرض اعمالهم على هامش البينالي. وبدءا من الدورة الثانية تحولت المسابقة أيضاً لمنصة لتكريم روّاد الفن التشكيلي، حيث تم تكريم عبدالحليم رضوي، ومحمد السليم، وصفية بن زقر، ومنيرة موصلي (1994)، ثم رواد التربية الفنية: احمد عائش دعشاش، وجميل عبدالعزيز ميرزا (1996).. وفي 1998 اطلق البينالي مسابقة رسوم الاطفال لتتزامن مع المسابقة الرئيسية.

1993: للتشكيليين في جدة.. بيت ومأوى!

بيت التشكيليين في مركز الجمجوم.

كان الجيل الثاني للفن التشكيلي قد وصل الى نضجه الفني وانتزع اعترافاً اجتماعيا ومؤسسياً كافياً ليستقل في بيت خاص به يكون مقر ومعرض دائم لأعماله ومناشطه الفنية والاجتماعية ومأوى لتقلبات أمزجة روّاده!

تأسس بيت الفنانين التشكيليين السعوديين بجدة في يونيو عام 1993، عبر مجهود مؤسسي كان نجمه الأبرز: طه صبّان، أحد أبرز تلاميذ عبدالحليم رضوي. ووفر محمد سعيد فارسي، أمين جدة السابق، منزلاً تقليدياً في وسط جدة القديمة.. قبل ان ينتقل البيت شمالاً الى مركز الجمجوم التجاري في كورنيش الحمراء.

لكن أمسيات البيت في جدة القديمة كانت هي الأصخب والأكثر ايناعاً والتصاقاً بتجليّات الفن والابداع. كان يحضرها نخبة المدينة: محمد سعيد فارسي وسعيد السريحي وعبدالله مناع وعبدالحليم رضوي والروائي عبدالعزيز مشري.. ناهيك عن مجموعة ضخمة من الفنانين التشكيليين الذين كانوا قوام البيت وأوده: طه صبّان ونايل ملا وعبدالله حماس وهشام بنجابي وهشام قنديل.. مع عضوية شرفية لعبدالمقصود خوجة، بكر بن لادن، عبدالرؤوف خليل، والسيّد رضا عبيد.

Posted in مٌباشرة للتدوين | Tagged , , , , , , , , , , , , | تعليقات

دستور 1960 الذي أجهضته التجاذبات السياسية

في ديسمبر 1960م فرغ الأمير طلال بن عبد العزيز من مشروع طرح دستور جديد للدولة. كان طلال قد عكف على وضع مسودّته طيلة عامين بالاستعانة بخبراء ومختصين حقوقيين مصريين، وصدّره باسم “النظام الاساسي للحكم” منعا للتصادم مع شيوخ الدين، وسيراً على خطى مُسمى الدستور العثماني الذي اُعيد العمل به عام 1908م وكان يحمل مسمى: نظام أساسي!

شكّلت عودة جلالة الملك سعود لرئاسة مجلس الوزراء، واعفاء الأمير فيصل، بداية صعود الأمراء الدستوريين الأحرار في السياسة السعودية. الصفحة الأولى من أم القرى، 23 ديسمبر 1960

كان صراع الملك سعود، والأمير فيصل رئيس مجلس الوزراء، قد استحال في 23 ديسمبر 1960م، بعزل الملك سعود لرئيس وزراءه فيصل، واستعادته لصلاحيات رئاسة الوزراء، واعلان تشكيل وزارته الشعبية الشهيرة التي صعد اليها عناصر عدة من الأمراء الأحرار.

كان صعود الأمراء الأحرار، يتزعمهم طلال، عاملاً مُرجحاً لعودة سعود المُستأنَفة، بعد ان فقد صلاحياته لمصلحة أخيه فيصل منذ مارس 1958م، خلفية تورط رجاله في مؤامرة لاغتيال الزعيم المصري عبدالناصر في سورية. يذكر ألكسي فاسيلييف في تاريخ العربية السعودية، ان الأمراء الأحرار كانوا قد عرضوا على الملك سعود، تبنيه لمشروع الملكية الدستورية، في سبتمبر 1960م، مقابل دعمهم السياسي لمساعي استعادته لصلاحياته كرئيس للوزراء، بعد أن رفض الأمير فيصل، ذات المقترح من طلال واخوته في يونيو 1960م، وقام بابعادهم عنه.

وكان الأمير نواف بن عبدالعزيز قد كشف عن شئ من مزاج مجموعة الأمراء الأحرار في مؤتمر صحفي بالقاهرة منذ مايو 1960م، حينما اعلن عن وجود نوايا لإقامة أول جمعية تأسيسية دستورية، واعداد أول دستور للدولة، وتأسيس محكمة عليا وأخرى دستورية، ومجلس أعلى للتخطيط.

وفي 18 ديسمبر 1960م، استغل الملك سعود رسالة احتجاج من فيصل، لرفض الملك للتوقيع على مسودة المرسوم الملكي الذي يخص الميزانية السنوية، واعتبرها طلب استقالة. فأصدر أوامره الشهيرة باعفاء أخيه فيصل من منصبه كرئيس لمجلس الوزراء، وتحويل صلاحياتها ومسؤولياتها اليه، مع الاعلان عن تأسيس الوزارة الشعبية.

بدت الأمور حينها وكأن المصادقة الملكيّة على نظام الدستور الجديد، مسألة وقت ليس إلا.

جلال الملك سعود يُبشر بالدستور رسمياً. الصفحة الأولى من أم القرى، 30 ديسمبر 1960

وفي صباح يوم السبت 24 ديسمبر 1960م، ألقى السيّد ناصر المنقور، وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء، في افتتاح جلسات مجلس الوزراء الجديد، بيان الحكومة الجديدة للسياسة الداخلية والخارجية، نيابة عن جلالة الملك سعود.. حيث قال: “.. ان تأليف هذه الوزارة ما هو إلا خطوة أولى، تتبعها بإذن الله خطوات تحقق ما نصبو إليه من رفاهية شعبنا، والأخذ بيده، والتعاون معه في إدارة الشئون العامة للبلاد طبقاً لتعاليم ديننا وعملاً بتقاليدنا.. وسنسعى بوضع نظام أساسي للحكم يُحدد اختصاصات الجماعات والأفراد مبيناً حقوقهم وواجباتهم، وذلك طبقاً لما نص عليه ديننا الحنيف وسنة نبينا الكريم..”

كانت مسودة الدستور الذي وضعه طلال واخوته الأحرار تقدمياً حتى وهو يصدر على أساس الموائمة بين الأصول البرلمانية العريقة وطبيعة التجربة المحلية الناشئة. فهو يساوي بين الناس في الكرامة الإنسانية والمواطنة، ويكفل الحرية الفردية والشخصية للمواطن. ويكفل حق انشاء النقابات والجماعات المهنية ومنحها شخصيتها الاعتبارية المعنوية وتمتعها بحق التمويل. كما يصون حق الرأي والتراسل والاجتماع وتكوين جمعيات المجتمع المدني للأفراد، وينص على حرية الصحافة ملكية وتحريراً. وهو ينظم الاقتصاد علي أساس العدالة والرفاهية.. فموارد الدولة من ضرائب او مواد طبيعية هي ملك للدولة لا للحاكم!

وانطوى مشروع الدستور على حداثة سياسية باكرة: فالملك ليس رئيس مجلس الوزراء. وهو يشتمل على مبدأ الفصل التام بين السلطات الثلاث: (التنظيمية، والتنفيذية، والقضائية)، وعلى وجود مجالس مقاطعات ومجالس بلدية بالإنتخاب الشعبي. وعلى وجود برلمان شوروي (المجلس الوطني)، يكون ثلثي أعضاءه بالانتخاب من قبل مجالس المقاطعات -المنتخبون بدورهم شعبياً-، وثلثه بالتعيين من قِبل هيئة خاصة تتكون على مستوى مجالس المقاطعات من عشر أعضاء، تعيّن بدورها مجموعة الأعيان والوجهاء وشيوخ الفئات (كحال مجالس الشيوخ). على أن للمجلس الوطني حق استجواب الحكومة، وطرح الثقة عنها، وله حق مراجعة الميزانية العامة واقرارها. أما القضاء فمستقل استقلالا تاما، ومقسم الى عدة محاكم. كما نص الدستور على انشاء هيئة منفصلة لإدارة قضايا الحكومة وتمثيلها أمام جهات القضاء. يعلو كل هذا محكمة دستورية (مجلس الدولة) تتولى الفصل في القضايا الدستورية. كما وُضع للنظام الأساسي مواد -ومبادئ- فوق دستورية، لا يجوز تنقيحها او تعديلها تحت أي استفتاء.

ورافق مشروع النظام الأساسي للحكم مشروعا آخرا لنظام المقاطعات والبلديات، ليقلص من غلواء الحكومة المركزية ويرفد تجربة الحكم بمؤسسات -مُنتخبَة- للحكم المحلي.

وفي 25 ديسمبر 1960م أعلنت اذاعة مكة ان مجلس الوزراء وافق فعلياً على تشكيل برلمان شوروي (مجلس وطني) يُنتخب ثلثي أعضائه، ووضع مسودة للدستور (النظام الأساسي). بيد ان الاذاعة عادت بعد ثلاثة أيام لتنفي الخبر.

كان المشروع، الذي بشّر به جلالة الملك سعود، في اولى جلسات الوزارة الجديدة، في اتفاقه مع حلفائه المؤقتين من الأمراء الأحرار، قد بدأ ينكشف عن صعوبات تواجه تمريره.

وسُرّبت نصوص مسودة الدستور المؤلفة من 200 مادة الى جريدة الجريدة اللبنانية التي نشرتها بدورها كاملة في محاولة للضغط من جديد.

كان تاريخ الأمراء الأحرار في الوزارة الشعبية، الذي لم يزيد عن تسعة أشهر، تاريخ صراعات وتجاذبات سياسية حادّة. تارة فيما بينهم وبين معكسر فيصل، وبينهم وبين قصر الناصرية ومُستشاري الملك سعود وابنائه.

لقد سقط مشروع الدستور الجديد، بكل ما حمله من ملامح ووعود ديموقراطية، جناية التجاذبات السياسية الداخلية وارتباطاتها بالقوى الخارجية في صراعاها الاقليمي. يقول طلال في أحد منشوراته بعد أن أُجبر على ترك الوزارة (رسالة الى مواطن، 1961م): “لقد فشلت كل هذه المحاولات، إذ اصطدمت بإصرار المسئولين على بقاء الأوضاع البالية واستمرار النظم البدائية القائمة. ولقد تبيّن بوضوح أنهم عندما تظاهروا حيناً بتقبل فكرة الإصلاح وأعلنوها على الملأ في بيان الحكومة، لم يكونوا صادقين في قولهم، أو جادين في وعودهم، بل أرادوا مجرد المراوغة وكسب الوقت.”

- نص مشروع النظام الأساسي للحُكم (المقترح عام 1960): 

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن ملك المملكة العربية السعودية. ايمانا بضرورة إرساء المجتمع السعودي على أركان ثابتة من الهدي الإسلامي، يعيش الجميع في ظله سواسية أحرارا، ينعمون بالأمن والطمأنينة والتضافر الاجتماعي .

وامتثالاً لقوله تعالى: “وشاورهم في الأمر”، “وأمرهم شورى بينهم”، “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”. واعتزازا بالتراث الإسلامي وأصول الحكم في الإسلام . وتقديرا للأمانة المقدسة التى تحملها بلادنا في خدمة المسلمين ورسالات الإسلام والعروبة والسلام. وتحقيقا للمثل العليا التى انبعث نورها من هذه الجزيرة وإعادة بناء مجد بلادنا الخالد، ورسم سبل السؤدد والعز لأبنائنا. وحرصا على متابعة النهوض ببلادنا العزيزة اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا، وإعلاء ذكرها دوليا، وتوطيد أواصر التعاون بين الشعب العربي السعودي وشعوب العالم العربي الإسلامي، ودعم التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم. وتأمينا لأبناء أمتنا من عوادى الخوف والعوز والجهل والمرض، بإقامة نظام اقتصادي واجتماعي صالح، يحقق العدالة الاجتماعية والثقافية أسوة بما ينعم به من حقوق مدنية وسياسية، ويهيئ للمواطنين فرصا متكافئة في خيرات بلادهم .

نعلن بعون الله وهداه العمل بالأحكام التالية نظاما أساسيا للحكم في المملكة العربية السعودية:

الباب الأول: الدولة ونظام الحكم

مادة ١- الدولة السعودية دولة إسلامية عربية، ذات سيادة، وشعبها جزء من الأمة العربية، ملكها لا يتجزأ ولا يجوز التخلى عن شئ منه، ونظامها ملكى وحكومتها شورية .

مادة ٢- الإسلام دين الدولة، وشرعيته هى المصدر الأساسى للأنظمة.

مادة ٣- اللغة العربية لغة الدولة الرسمية .

مادة ٤- عرش الدولة وراثي في ذرية المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وينظم توارثه نظام خاص لا يجوز تعديله إلا بالطريقة المقررة لتعديل هذا النظام الأساسي .

مادة ٥- الجنسية يحددها النظام . ولا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها إلا في حدود النظام كما لا يجوز إبعاد المواطن أو منعه من العودة إلى الوطن .

مادة ٦- تعين الأنظمة علم الدولة وشعارها وشارتها وأوسمتها ونشيدها الوطني .

الباب الثانى: مقومات المجتمع الأساسية

مادة ٧- العدل والحرية والمساواة والتعاون والتراحم دعامات المجتمع .

مادة ٨- الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن وترعى الأنظمة تمكين أواصرها، وتحمى الأمومة والطفولة .

مادة ٩- تصون الدولة التراث الإسلامي وشعائره ومناسكه ومقوماته الروحية ومثله الدينية وتعاليمه الخلقية.

مادة ١٠ – تكفل الدولة التعليم في حدود الأنظمة، ويستهدف التعليم تنمية شخصية المواطن، وإنشاء جيل سليم العقيدة، قوى الخلق، معتز بالتراث الإسلامى والعربى، مدرك لواجباته، قادر لمسؤولياته، مشبع بروح الأخوة والتضامن حتى يتاح لكل مواطن القيام بدور نافع نحو دينه ونحو وطنه ونفسه .

مادة ١١ – التعلم ركن أساسي لرقى الجماعة، تكفله الدولة، وهو إلزامى مجانى في مرحلته الأولى على النحو المبين في النظام، ويرسم النظام الخطة اللازمة للقضاء على الأمية .

مادة ١٢ – ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون، وتشجيع البحوث العلمية .

مادة ١٣ – تعني الدولة بالصحة العامة، وتعمل على أن تيسر للمواطنين التمتع بأفضل حالة ممكنة، وتتخذ الوسائل اللازمة للوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة.

مادة ١٤ – تكفل الدولة الحرية والأمن والطمأنينة في حدود الأنظمة .

مادة ١٥ – تهيئ الدولة للمواطنين تكافؤ الفرص والعون الاجتماعي في حدود الأنظمة .

مادة ١٦ – الملكية الخاصة مصونة، ويحمى النظام أداء وظائفها الاجتماعية .

مادة ١٧ – لا تنزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل وعلى النحو المبين بالنظام، والميراث حق تحكمه الشريعة الإسلامية .

مادة ١٨ – المصادرة العامة للأموال محظورة، ولا تكون عقوبة المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائى ووفقا للنظام .

مادة ١٩ – الملكية ورأس المال والعمل مقومات أساسية للثروة الوطنية، وهى جميعا حقوق فردية ذات وظيفة اجتماعية، تحددها الأنظمة على النحو الذى يحقق الخير العام .

مادة ٢٠ – ينظم الاقتصاد الوطني وفقا لخطط مرسومة تقوم على أساس العدالة الاجتماعية، وتهدف إلى التنمية الاقتصادية وزيادة الانتاج ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء للمواطنين .

مادة ٢١ – النشاط الاقتصادى الخاص حر بلا إضرار بمصلحة المجتمع أو إخلال بأمن أو اعتداء على حريتهم أو كرامتهم، وذلك كله في حدود الأنظمة .

مادة ٢٢ – تكفل الأنظمة المواءمة بين النشاط الاقتصادي العام والنشاط الاقتصادي الخاص تحقيقا لرقى المجتمع ومصالح الدولة ورخاء الشعب .

مادة ٢٣ – تعني الدولة بتوفير العمل للمواطنين، والعمل واجب على كل مواطن يقتضيه الشرف والكرامة، وهو عنصر لازم للرخاء العام وازدهار الاقتصاد الوطني .

مادة ٢٤ – يحدد النظام العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال على أسس اقتصادية تتفق وقواعد العدالة الاجتماعية في ظل العرف والتقاليد.

مادة ٢٥ – إنشاء النقابات حق مكفول في حدود أهداف وطنية بعيدة عن كل نفوذ أجنبي، وللنقابات شخصية معنوية، وعليها بيان مصادر مواردها المالية، وذلك كله وفقا للنظام .

مادة ٢٦ – الثروات الطبيعية سواء في باطن الأرض أو ظاهرها أو في المياه الإقليمية وجميع مواردها وقواعدها ملك للدولة، وهى التى ترعى استغلالها مع تقدير مقتضيات الدفاع والاقتصاد الوطني .

مادة ٢٧ – للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن .

مادة ٢٨ – تعمل الدولة على تيسير مستوى لائق من المعيشة للمواطنين، قوامه تهيئة الغذاء والمسكن والخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية في حدود الإمكانيات العامة للدولة.

مادة ٢٩ – الوظائف العامة تكليف للقائمين بها، ويستهدف موظفو الدولة في أداء وظائفهم وقيامهم بواجباتهم المصلحة العامة، ولا يولى الأجانب الوظائف العامة إلا في الأحوال التى يبينها النظام .

الباب الثالث: الحقوق والواجبات العامة

مادة ٣٠ – الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم سواء أمام النظام في الحقوق والواجبات.

مادة ٣١ – الحرية الفردية مصونة في حدود الدين والنظام، ولا يجوز توقيف أحد أو حبسه أو تحديد أقامته أو نفيه إلا في الأحوال التى يبينها النظام .

مادة ٣٢ – لا جريمة ولا عقاب إلا بناء على حكم شرعى أو نص في النظام، ولا يسرى هذا النظام إلا على الأفعال اللاحقة للعمل به .

مادة ٣٣ – كل إنسان برئ إلى أن يثبت إدانته في محاكمة تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه، ويحظر إيذاء المتهم جسديا أو معنويا وتكون المحاكمة علنية إلا في الأحوال الاستثنائية التى يبينها النظام .

مادة ٣٤ – العقوبة شخصية، ولا تزر وازرة وزر أخرى .

مادة ٣٥ – التقاضي حق مكفول لكل شخص وفقا لأحكام الشريعة والنظام .

مادة ٣٦ – الدفاع، أصالة أو وكالة، حق مكفول أمام المحاكم كافة وفقا للشريعة والنظام .

مادة ٣٧ – لا يجوز محاكمة مدني إلا أمام القضاء العادي، ويحظر محاكمته أمام محاكم خاصة أو استثنائية إلا في حالة الحرب أو الأحكام العرفية وفى الحدود والأوضاع التى يبينها النظام .

مادة ٣٨ – لا يجوز في غير الخدمة العسكرية، فرض عمل إجبارى على أحد بنظام ولضرورة قومية وبمقابل عادل، وذلك كله في الأحوال الآتية:
أ- القيام بالخدمات الثقافية والعمرانية والصحية .
ب – مكافحة الكوارث العامة التى تعرض سلامة الجماعة كلها أو بعضها للخطر .

مادة ٣٩ – للمساكن حرمة، ولا يجوز دخولها بغير إذن أهلها إلا في الحدود التى تبيحها الشريعة ووفقا للإجراءات التى يبينها النظام .

مادة ٤٠ – للرأى العام حرمته، ويحميه النظام مما ينحرف به عن الحقيقة أو يصرفه عن الخير العام أو يوقع العداوة والبغضاء بين أبناء الوطن أو يدعو إلى الإلحاد أو إلى انحلال الأخلاق أو إلى تقويض نظام الدولة الاجتماعى أو السياسى بالقوة.

مادة ٤١ – حرية الرأي والتراسل والاجتماع وتكوين الجمعيات مكفولة في حدود النظام، ولا يجوز إفشاء أسرار الخطابات والبرقيات والمخاطبات الهاتفية إلا في أحوال الضرورة التى يبينها النظام .

مادة ٤٢ – الصحف والنشر حرة في حدود النظام .

مادة ٤٣ – العدالة الاجتماعية أساس الضرائب والرسوم والتكاليف المالية العامة، ويكون فرضها وأداؤها وفقا للنظام .

مادة ٤٤ – مخاطبة السلطات العامة حق لكل مواطن وفقا للنظام .

مادة ٤٥ – يبين النظام وضع الأجانب في الدولة بمراعاة المعاهدات والعرف الدولى .

مادة ٤٦ – تسليم اللاجئين السياسيين محظور .

الباب الرابع: الملك

مادة ٤٧ – الملك رئيس الدولة .

مادة ٤٨ – السن اللازمة لممارسة الملك صلاحياته المنصوص عليها في هذا النظام الأساسى عشرون سنة هلالية .

مادة ٤٩ – في حالة عدم بلوغ الملك السن المبينة بالمادة السابقة، أو تعذر ممارسته صلاحياته المنصوص عليها في هذا النظام الأساسى يباشر هذه الصلاحيات بصفة مؤقتة هيئة من ثلاث أعضاء، ويعين النظام الخاص بتوارث العرش والطريقة التى تتبع لاختيار أعضاء هذه الهيئة والأحكام التى تسرى في شأنهم .

مادة ٥٠ – يعين الملك بمرسوم، في حالة غيابه عن المملكة، الشخص أو الهيئة التى تمارس صلاحياته مدة غيابه، ويجوز أن يتضمن هذا المرسوم تنظيما لممارسة هذه الصلاحيات نيابة عنه أو تحديدا لنطاقها .

مادة ٥١ – يؤدى الملك قبل ممارسته صلاحياته في جلسة خاصة للمجلس الوطنى اليمين الآتية:
“أقسم بالله العظيم أن أحافظ على أحكام الشرع الإسلامى وأن أحترم النظام الأساسى للمملكة وسائر أنظمتها وأن أصون استقلال الوطن وسلامة أراضيه”.

مادة ٥٢ – يؤدى نائب الملك وعضو هيئة النيابة أو الوصاية، قبل مباشرته صلاحياته، اليمين المنصوص عليها في المادة السابقة مشفوعة بعبارة: ”وأن أكون مخلصا للملك”.

مادة ٥٣ – جميع الصلاحيات المنوطة بالملك في هذا النظام الأساسى، أو في غيره من الأنظمة، يتولاها بواسطة مجلس الوزراء، بمراسم يوقعها إلى جانب توقيع الملك، رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصون، على أن تعيين رئيس مجلس الوزراء وقبول استقالته وإعفاءه يكون بأمر ملكى.

مادة ٥٤ – رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصون هم المسؤولون وحدهم عن المراسيم وفقا لأحكام هذا النظام الأساسى .

مادة ٥٥ – الملك يولى الوزراء ويعفيهم من مناصبهم، وذلك بناء على اقتراح رئيس مجلس الوزراء.

مادة ٥٦ – للملك أن يرأس اجتماعات مجلس الوزراء .

مادة ٥٧ – الملك يقبل اعتماد ممثلى الدول الأجنبية السياسيين .

مادة ٥٨ – الملك يبرم المعاهدات بمراسيم، وتكون للمعاهدة قوة النظام بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقا للأوضاع المقررة، وتبلغ هذه المعاهدات للمجلس الوطني مشفوعة بما يناسب من البيان .
على أن معاهدات الصلح والتحالف، والمعاهدات الخاصة بأراضى الدولة أو ثرواتها الطبيعية أو التى تتعلق بحقوق السيادة أو بحقوق المواطنين العامة أو الخاصة، ومعاهدات الإقامة، والمعاهدات التى تحمل خزانة الدولة شيئا من النفقات، والمعاهدات التى يكون فيها تعديل لأنظمة المملكة يجب لنفاذها أن تصدر بنظام .

مادة ٥٩ – الملك يعلن الحرب بمرسوم بعد موافقة المجلس الوطنى .

مادة ٦٠ – للملك أن ينزل، بمرسوم، الحق العام إزاء المحكوم عليه، وذلك بالعفو عن العقوبة أو تخفيضها، أما العفو الشامل فيكون بنظام .

مادة ٦١ – الملك ينشئ ويمنح الرتب وأوسمة الشرف المدنية والعسكرية على الوجه المبين بالنظام .

مادة ٦٢ – تصك العملة باسم الملك وفقا للنظام .

مادة ٦٣ – مخصصات الملك والأسرة المالكة تعين عند تولية الملك بنظام، وذلك لمدة حكمه، ويعين النظام مخصصات نائب الملك أو وصي العرش، على أن تصرف من مخصصات الملك .

الباب الخامس: السلطة التنظيمية

مادة ٦٤ – السلطة التنظيمية منوطة بالملك وفقا (للمادة ٥٣ ) من هذا النظام الأساسي بالاشتراك مع المجلس الوطني .

مادة ٦٥ – يتألف المجلس الوطني من مائة وعشرين عضوا، ويكون الثلثان منهم بالانتخاب والثلث الأخر بالتعيين .

مادة ٦٦ – يحدد النظام عدد الأعضاء الذين ينتخبون للمجلس الوطنى عن كل مقاطعة، ويتولى الأعضاء المنتخبون في مجلس المقاطعة انتخاب ممثليهم في المجلس الوطني .

ولا يجوز الجمع بين عضوية المجلس الوطني والعضوية في مجالس المقاطعات أو المجالس البلدية.

مادة ٦٧ – بالنسبة إلى الأعضاء المعينين في المجلس الوطني تتولى الهيئة المنصوص عليها في المادة السابقة تعيينهم من بين أفراد الأسرة المالكة وأعضاء مجلس الوزراء ورجال الدين ورؤساء العشائر والملاك والمشتغلين بالأعمال المالية والصناعية والتجارية والمهن الحرة والنقابات ومختلف الكفايات والمصالح .

مادة ٦٨ – يعلن بمرسوم تأليف المجلس الوطني وفقا للأحكام المبينة في المواد السابقة .

مادة ٦٩ – الوزراء الذين ليسوا أعضاء بالمجلس الوطني يحق لهم حضور جلساته والاشتراك في مناقشاته دون أن يكون لهم حق في التصويت .

مادة ٧٠ – يشترط في عضو المجلس الوطني:
أ- أن يكون سعودى الجنسية بالمولد، أو أمضى على تجنسه عشر سنوات على الأقل .
ب – أن يكون تام الأهلية.
ت – ألا تقل سنه وقت الانتخاب أو التعيين عن خمسة وعشرون سنة هلالية .
ث – ألا يكون محكوما عليه لجناية أو بسبب جنحة ماسة بالذمة والشرف أو للشروع في جريمة من هذه الجرائم .

مادة ٧١ – مدة المجلس الوطني أربع سنوات هلالية من تاريخ أول اجتماع له، ويجرى التجديد خلال الستين يوما السابقة على نهاية تلك المدة والأعضاء الذين تنتهى مدة عضويتهم يجوز إعادة انتخابهم أو تعينهم .

مادة ٧٢ – إذا خلا محل أحد أعضاء المجلس الوطني قبل نهاية مدته، بالوفاة أو الاستقالة أو غير ذلك من الأسباب، ينتخب أو يعين بدله على حسب الأحوال، وفقا للأحكام المنصوص عليها في (المادتين ٦٦ و ٦٧ ) من هذا النظام الأساسى، وذلك في خلال شهرين من تاريخ الخلو، وتكون مدة العضو الجديد لنهاية مدة سلفه .

مادة ٧٣ – مقر المجلس الوطني مدينة الرياض، ويجوز عند الضرورة دعوته بمرسوم للانعقاد بمدينة أخرى في المملكة .

مادة ٧٤ – مدة الدورة السنوية للمجلس الوطني ثمانية شهور على الأقل، ويجوز أن يكون الدور على فترتين .

مادة ٧٥ – يدعى المجلس الوطني بمرسوم لعقد دور انعقاده العادى خلال شهر من كل عام، فإذا تأخر صدور مرسوم الدعوة اعتبر المجلس مدعوا للاجتماع في يوم السبت الثانى من الشهر التالي، فإن صادف هذا اليوم عطلة رسمية اجتمع في صباح أول يوم يلي تلك العطلة .

المادة ٧٦ – يدعى المجلس الوطني بمرسوم كذلك لاجتماع غير عادي إذا رأى الملك ضرورة لاجتماعه أو إذا طلب ذلك كتابة أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس ولا يجوز في دور الانعقاد غير العادي أن ينظر المجلس في غير الأمور التى دعي من أجلها إلا بموافقة الوزارة .

مادة ٧٧ – يفتتح الملك دور الانعقاد السنوى للمجلس الوطني ويلقى خطاب العرش متضمنا بيان أحوال البلاد وأهم الحوادث السياسية والأمور الإدارية التى جرت فيها خلال العام المنقضي، وما تعتزم الحكومة إجراءه من مشروعات وإصلاحات خلال العام الجديد .

وللملك عند الضرورة أن ينيب عنه في الافتتاح أو في القاء خطاب العرش ولى العهد أو رئيس مجلس الوزراء.

مادة ٧٨ – يختار المجلس الوطنى لجنة من بين أعضائه لإعداد مشروع الجواب على خطاب العرش، متضمنا اتجاهات المجلس وأمانيه، وبعد إقراره من المجلس يرفع إلى الملك .

مادة ٧٩ – يعلن الملك بمرسوم اختتام أدوار انعقاد المجلس الوطني .

مادة ٨٠ – للملك أن يؤجل، بمرسوم اجتماع المجلس الوطنى لمدة لا تجاوز شهرا، ولا يتكرر التأجيل في دور الانعقاد الواحد إلا بموافقة المجلس ولمدة واحدة، ولا تحسب مدة التأجيل ضمن فترة الانعقاد .

مادة ٨١ – للملك أن يحل المجلس الوطني بمرسوم يبين فيه أسباب الحل، على أنه لا يجوز حله أكثر من مرة لسبب واحد، وإذا حل المجلس وجب تكوين المجلس الجديد واجتماعه في ميعاد لا يجاوز أربعة أشهر من تاريخ الحل .

مادة ٨٢ – اجتماع المجلس في غير المكان أو الزمان المحددين لانعقاده بهذا النظام الأساسى غير مشروع، والقرارات التى تصدر فيه تكون باطلة .

مادة ٨٣ – قبل أن يتولى عضو المجلس الوطني صلاحياته المنصوص عليها في هذا النظام الأساسى، يقسم أمام المجلس في جلسة علنية، أن يكون مخلصا للدين ثم للوطن والملك، مطيعا لأحكام الشرع الإسلامى وللنظام ولسائر أنظمة المملكة وأن يؤدي أعماله بالأمانة والصدق .

مادة ٨٤ – يختار المجلس الوطني في أول اجتماع له رئيسا ووكيلين من بين أعضائه لمدة سنتين قابلة للتجديد. وإذا خلا مكان أى منهم قبل ذلك اختار المجلس من يحل محله إلى نهاية مدته .

مادة ٨٥ – يؤلف المجلس خلال أسبوع من أول اجتماع له كل عام اللجان اللازمة لأعماله، ويجوز لهذه اللجان أن تباشر صلاحياتها خلال عطلة المجلس تمهيدا لعرضها عند اجتماعه .

مادة ٨٦ – جلسات المجلس الوطني علنية، وتعقد سرية بناء على طلب الوزارة أو عشرة من الأعضاء، ثم يقرر المجلس ما إذا كانت تظل سرية أم لا .

مادة ٨٧ -عضو المجلس الوطني يمثل الصالح العام لا أية مصلحة غيرها، ولا سلطان لأية هيئة عليه في عمله بالمجلس أو لجانه، ولا يجوز أن يطلب إليه أى أمر على سبيل الإلزام .

مادة ٨٨ – عضو المجلس الوطني حر فيما يبديه من الآراء والأفكار بالمجلس أو لجانه في حدود هذا النظام الأساسي واللائحة الداخلية، ولا تجوز مؤاخذته عن ذلك بحال من الأحوال، على أنه تجوز محاكمته من أجل ما يقع منه في المجلس أو لجانه من القذف في الدين والحياة العائلية أو الخاصة لأى شخص كان .

مادة ٨٩ – لا يجوز إسقاط عضوية أحد من أعضاء المجلس الوطنى إلا بقرار من المجلس يصدر بأغلبية ثلثى الأعضاء الذين يتألف منهم بناء على اقتراح يقدم كتابة من عشرة من الأعضاء، وذلك إذا فقد العضو الثقة أو الاعتبار أو أخل إخلالا خطيرا بواجبات منصبه أو انقطع شهرا عن حضور جلسات المجلس بدون عذر يقبله المجلس، ويكون التصويت على القرار بالاقتراع السري .

مادة ٩٠ – لا يجوز أثناء دور الانعقاد، في غير حال الجرم المشهود، أن تتخذ نحو العضو إجراءات التحقيق أو التفتيش أو القبض أو الحبس أو أى إجراء جنائى آخر إلا بإذن المجلس، ويتعين إخطار المجلس بما قد يتخذ من إجراءات أثناء انعقاده على النحو السابق، كما يجب اخطاره دوما فور انعقاده بأى إجراء يتخذ في غيبته ضد أى عضو من أعضائه .

مادة ٩١ – المجلس الوطنى هو الذى يقبل الاستقالة من عضويته .

مادة ٩٢ – تسري أحكام (المواد ١١٧ و ١١٨ و ١١٩ ) من هذا النظام الأساسي في شأن ما يقع من أعضاء المجلس الوطني من جرائم في أثناء تأدية مهام عضويته .

مادة ٩٣ – يشترط لصحة اجتماع المجلس الوطني حضور أكثر من نصف الأعضاء الذين يتألف منهم، وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين، وذلك في غير الحالات التى تشترط فيها أغلبية خاصة وعند تساوى الأصوات يرجح الجانب الذى فيه صوت الرئيس .

مادة ٩٤ – تعطى الآراء بالتصويت شفويا وبطريقة القيام والجلوس أما الأنظمة كافة فتعطى الآراء فيها جهرا أثر النداء على الأعضاء بأسمائهم وتعطى الآراء سرا بناء على طلب الحكومة أو عشرين عضوا من أعضاء المجلس وفى جميع الأحوال لا تجوز الإنابة في التصويت .

مادة ٩٥ – للملك، بمرسوم، ولأعضاء المجلس الوطنى حق اقتراح الأنظمة على أن الأنظمة المالية التى تهدف إلى تعديل ضريبة أو إلغائها أو الإعفاء منها أو من بعضها والتى تهدف كذلك إلى تخصيص جزء من أموال الدولة لمشروع ما وكذلك الأنظمة الخاصة بالقروض أو كفالتها أو صرفها، لا يجوز اقتراحها إلا بمرسوم أو بطلب موقع من عشرين عضوا من أعضاء المجلس الوطني .

مادة ٩٦ – كل اقتراح بنظام يجب قبل مناقشته في المجلس أن يحال إلى أحد لجانه لفحصه وتقديم تقرير عنه، ولا يجوز أن يؤخذ رأي المجلس فيه مادة مادة إلا بعد عرضه على لجنة الأنظمة بالمجلس.

مادة ٩٧ – كل نظام أقره المجلس الوطني وفقا لهذا النظام الأساسي يرفع إلى الملك للتصديق عليه وإصداره، ويكون التصديق والإصدار بمرسوم .

وللملك في مدى شهر من تاريخ رفع مشروع النظام إليه، أن يرده للمجلس مشفوعا بالاعتبارات التى تشير بإعادة بحثه في ضوئها، وإن أقره المجلس من جديد، بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم صار له حكم النظام وأصدره ومشروع النظام الذى يرفضه المجلس لا يجوز إعادة بحثه في دور الانعقاد ذاته .

مادة ٩٨ – إذا وقع في غيبة المجلس الوطني ما يوجب الإسراع لاتخاذ تدبير لا تحتمل التأخير، فللملك أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة النظام بشرط ألا تكون مخالفة لأحكام هذا النظام الأساسي أو الاعتمادات الواردة في الميزانية ويجب عرض هذه المراسيم على المجلس الوطنى خلال شهر على الأكثر من تاريخ صدورها، فإذا لم تعرض على هذا النحو أو لم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة النظام، وللمجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب عليها من آثار .

مادة ٩٩ – لا يجوز لعضو المجلس الوطني أن يتدخل في عمل من أعمال أى من السلطتين التنفيذية أو القضائية .

مادة ١٠٠ – لكل عضو من أعضاء المجلس الوطنى أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء أسئلة لاستيضاح الأمور الداخلية في اختصاصاتهم، ويجب الرد على هذه الأسئلة، ويتعين أن يكون الرد خطيا يودع مكتب المجلس كلما طلب السائل ذلك، وللسائل وحده أن يعلق على الإجابة .

مادة ١٠١ – لكل عضو من أعضاء المجلس الوطنى أن يوجه إلى رئيس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلية في اختصاصاتهم .
ولا يجوز طلب عدم الثقة بمن وجه إليه الاستجواب إلا بناء على اقتراح عشرة من أعضاء المجلس، كما لا يجوز أن يصدر المجلس قراره في هذا الطلب قبل أسبوع من تقديمه .
ويكون سحب الثقة بأغلبية ثلثى الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس إن كان متعلقا برئيس الوزارة، وبأغلبية هؤلاء الأعضاء إن كان خاصا بأحد الوزراء .
ورئيس مجلس الوزراء أو الوزير الذى يفقد ثقة المجلس الوطنى يعتبر مستقيلا من صدور قرار عدم الثقة به .

مادة ١٠٢ – يجوز بناء على طلب كتابي موقع من عشرة أعضاء، طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسة الحكومة في شأنه وتبادل الرأى فيه، ولسائر الأعضاء حق الاشتراك في المناقشة.

مادة ١٠٣ – للمجلس الوطني إبداء رغبات للحكومة في المسائل العامة، وفى حالة تعذر الأخذ بهذه الرغبات تحيط الحكومة المجلس علما بأسباب ذلك .

مادة ١٠٤ – يسمع رئيس مجلس الوزراء في المجلس الوطني كلما طلبوا الكلام، ولهم أن يستعينوا بمن يرون من كبار الموظفين أو ينيبوهم عنهم .

مادة ١٠٥ – توضع بنظام، لائحة داخلية للمجلس الوطني تبين طريقة السير في تأدية أعماله، ويضع المجلس الأحكام التفصيلية تنفيذا لذلك النظام .

مادة ١٠٦ – حفظ النظام في داخل المجلس الوطني منوط برئيسه .

مادة ١٠٧ – مخصصات رئيس المجلس الوطني ووكيليه وأعضائه تعين بنظام، وفى حالة تعديل هذه المخصصات لا ينفذ هذا التعديل إلا إثر التجديد التالى للمجلس .

ولا يجوز لعضو المجلس الذى يشغل وظيفة عامة أن يجمع بين مخصصات العضوية ومرتبات الوظيفة .

مادة ١٠٨ – لا يمنح أعضاء المجلس الوطني رتبا أو نياشين أثناء مدة عضويتهم، ويستثنى من ذلك الأعضاء الذين يتقلدون مناصب حكومية أو وظائف عامة، كما يستثنى الرتب والنياشين العسكرية.

الباب السادس: السلطة التنفيذية

الفصل الأول
الوزارة

مادة ١٠٩ – مجلس الوزراء يرسم السياسة العامة للحكومة وفقا لأحكام هذا النظام الأساسي، ويسأل رئيس مجلس الوزراء والوزراء أمام الملك والمجلس الوطني عن تنفيذ هذه السياسة وعن سير العمل في الإدارات الحكومية .

مادة ١١٠ – تشترط فيمن يولى الوزارة الشروط المنصوص عليها في (المادة ٧٠ ) من هذا النظام الأساسي .

مادة ١١١ – قبل أن يتولى رئيس مجلس الوزراء والوزراء صلاحياتهم المنصوص عليها في هذا النظام الأساسي يؤدون أمام الملك اليمين الآتية:
“أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا لدينى ثم للوطن والملك، وأحافظ على أحكام الشرع الإسلامي وأحترم النظام الأساسي للمملكة وسائر أنظمتها، وأن أؤدى أعمالى بالأمانة والصدق”.

مادة ١١٢ – تتقدم كل وزارة فور تأليفها إلى المجلس الوطني ببيان عن سياستها العامة للحصول على ثقته .

مادة ١١٣ – يحدد النظام الوزارات، ويبين المهام المنوطة بكل منها وطريقة العمل فيها .

مادة ١١٤ – الوزراء مسؤولون لدى رئيس مجلس الوزراء، يسأل رئيس الوزراء أمام الملك، وذلك كله بمراعاة حكم (المادة ١٠١ ) من هذا النظام الأساسي .

مادة ١١٥ – يقوم كل وزير في وزارته على تنفيذ السياسة العامة للحكومة، ويتولى على وجه الخصوص رسم الاتجاهات العامة لوزارته والإشراف على تنفيذها .

مادة ١١٦ – لا يجوز للوزير أثناء توليه الوزارة أن يلى أية وظيفة عامة أخرى أو أن يزاول، ولو بطريق غير مباشر، مهنة حرة أو عملا صناعيا أو تجاريا أو ماليا، كما لا يجوز له أن يسهم في التزامات تعقدها الإدارات العامة أو المؤسسات التابعة لها .
ولا يجوز له كذلك أن يشترى أو يستأجر مالا من أموال الدولة ولو بطريق المزاد العلنى، ولا أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله أو أن يقاضيها عليه .

مادة ١١٧ – تبين بنظام خاص الجرائم التى تقع من الوزراء في تأدية أعمال وظيفتهم، وإجراءات اتهامهم ومحاكمتهم، وذلك دون إخلال بتطبيق سائر الأنظمة في شأن ما يقع من الأفعال والجرائم.

مادة ١١٨ – تكون محاكمة الوزراء عن الجرائم التى تقع منهم في تأدية أعمال وظائفهم أمام مجلس الدولة النصوص عليه في (المادة ١٨٢ ) من هذا النظام الأساسي .

مادة ١١٩ – لا يجوز العفو عن الوزير المحكوم عليه وفقا للمادة السابقة إلا بنظام .

مادة ١٢٠ – استقالة رئيس مجلس الوزراء أو إعفاؤه استقالة أو إعفاء لسائر الوزراء .

مادة ١٢١ – يوقع قرارات مجلس الوزراء رئيس المجلس والوزراء، وترفع هذه القرارات إلى الملك للتصديق عليها في الأحوال التى تقتضي صدور مراسيم في شأنها، وذلك كله في الحدود التى تعنيها الأنظمة .

وينفذ المراسيم والقرارات رئيس الوزراء والوزراء كل في حدود اختصاصه .

مادة ١٢٢ – توضع بمراسيم اللوائح اللازمة لتنفيذ الأنظمة بما لا يتضمن تعديلا فيها أو تعطيلا لها أو إعفاء من تنفيذها .
ويجوز أن يعين النظام أداة غير المرسوم لإصدار اللوائح اللازمة لتنفيذه .

مادة ١٢٣ – توضح بمراسيم لوائح الضبط واللوائح اللازمة لترتيب المصالح والإدارات العامة بما لا يتعارض من الأنظمة .

مادة ١٢٤ – تضع الأنظمة أحكام الوظائف العامة مدنية وعسكرية وسياسية، وتبين القواعد الخاصة بمن يولونها وصلاحياتهم وتبعاتهم .

مادة ١٢٥ – تحدد بنظام مخصصات رئيس مجلس الوزراء والوزراء .

مادة ١٢٦ – تضع الأنظمة الأحكام الخاصة بالإدارة المحلية والمؤسسات العامة، وتبين صلاحيتها ومدى اختصاصها بشؤونها المحلية أو المصلحية، وما تقوم به السلطة التنفيذية إزاءها من توجيه ومعاونة فنية ومالية، وما تمارسه هذه السلطة في شأنها من إشراف، مع مراعاة العرف والتقاليد.

الفصل الثانى
الشؤون المالية

مادة ١٢٧ – إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاؤها لا يكون إلا بنظام . ولا يعفى أحد من أدائها كلها أو بعضها في غير الأحوال المبينة بالنظام، ولا يجوز تكليف أحد بأداء غير ذلك من الضرائب والرسوم والتكليف إلا في حدود الأنظمة .

مادة ١٢٨ – تحدد بالنقد الضرائب والرسوم والتكاليف المالية، ولا يجوز فرض أى منها عينا إلا في الأحوال التى يبينها النظام .

مادة ١٢٩ – جميع ما يحصل من إيرادات الدولة يجب أن يؤدى إلى الخزانة وأنه يدخل في موازنة الدولة العامة ما لم ينص النظام على موازنة مستقلة، ولا يجوز تخصيص أى إيراد من الإيرادات العامة لوجه معين بذاته من وجوه الصرف إلا بنظام .

مادة ١٣٠ – الأحكام الخاصة بجباية الأموال العامة وصرفها تبين بنظام .

مادة ١٣١ – القروض تعقد بنظام، ولا يجوز للدولة أن تقرض أو تكفل قرضها إلا بنظام .

مادة ١٣٢ – لا يجوز الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من خزانة الدولة في سنة أو سنوات مقبلة إلا بنظام .

مادة ١٣٣ – العقارات المملوكة للدولة يبين النظام شروط التصرف فيها، كما يعين الحدود التى يجوز فيها النزول عن شئ من أموال الدولة المنقولة ويبين النظام كذلك أحكام إدارة الأوقاف العامة.

مادة ١٣٤ – المرتبات والمعاشات والتعويضات والإعانات والمكافآت التى تقرر على خزانة الدولة يعينها النظام ويبين حالات الاستثناء في شأنها والسلطات التى تتولى تطبيقها .

مادة ١٣٥ – كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة يجب أن يكون بنظام ولزمن محدد، ويكفل النظام تيسير البحث والكشف وتحقيق العلانية والمنافسة .

مادة ١٣٦ – كل احتكار لا يمنح إلا بنظام وإلى زمن محدد .

مادة ١٣٧ – تضع الأنظمة الأحكام الخاصة بشؤون النقد والمصارف والمقاييس والكيل والميزان.

مادة ١٣٨ – السنة المالية للدولة تعين بنظام .

مادة ١٣٩ – الموازنة السنوية الشاملة لإيرادات الدولة ومصروفاتها تعدها الحكومة وتقدمها إلى المجلس الوطني قبل انتهاء السنة المالية بثلاثة شهور على الأقل لفحصها وإقرارها .

مادة ١٤٠ – تكون مناقشة الموازنة في المجلس الوطني باباً باباً .

مادة ١٤١ – للمجلس الوطني عند مناقشة مشروع الموازنة العامة أو الأنظمة المعدلة لها أن يقترح تعديل التقديرات المعروضة عليه بحسب ما يراه موافقا للمصلحة العامة .

مادة ١٤٢ – يجوز أن ينص نظام الموازنة السنوية على تخصيص مبالغ معينة لأكثر من سنة واحدة إذا اقتضت ذلك طبيعة المصرف، على أن تدرج في الموازنات المتعاقبة الاعتمادات الخاصة بكل منها .

مادة ١٤٣ – لا يجوز أن يتضمن نظام الموازنة السنوية أى نص يسمح بتجاوز الحد الأقصى لتقديرات الإنفاق الواردة به .

مادة ١٤٤ -لا يجوز أن يتضمن نظام الموازنة أى نص من شأنه إنشاء ضريبة جديدة أو زيادة في ضريبة موجودة أو تعديل نظام من الأنظمة القائمة أو تفادى إصدار نظام خاص في أمر نص هذا النظام الأساسي على وجوب صدور نظام في شأنه .

مادة ١٤٥ – تصدر الموازنة العامة بنظام .

مادة ١٤٦ – إذا لم يصدر نظام الموازنة الجديدة قبل بدء السنة المالية يعمل بالموازنة السابقة إلى حين صدوره .

ومع ذلك يجوز العمل مؤقتا بما أتم المجلس الوطني مناقشته وإقراره من أبواب الموازنة الجديدة .

مادة ١٤٧ – لا يجوز فض دور الانعقاد السنوى إلا بعد الانتهاء من مناقشة الموازنة وإقرارها .

مادة ١٤٨ – كل مصرف غير وارد بالموازنة أو زائد على التقديرات الواردة بها يجب أن يكون بنظام، وكذلك نقل أى مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الموازنة .

مادة ١٤٩ – يجوز في غير دور انعقاد المجلس الوطنى تقرير المصروف ونقل المشار إليها في المادة السابقة بمرسوم، وكذلك كل مصروف غير وارد بالموازنة أو زائد على التقديرات الواردة بها إذا كان ذلك لضرورة عاجلة، وكل ذلك في الحدود التى توضع في هذا الشأن بنظام .

مادة ١٥٠ – يبين النظام الموازنات المستقلة، عامة أو محلية، وتجرى عليها الأحكام الخاصة بالموازنة العامة.

مادة ١٥١ – إجراءات صرف الأموال العامة فيما خصصت له وتنظيم مستودعات الدولة توضع بمراسيم .

مادة ١٥٢ – تقدم الحكومة إلى المجلس الوطني بيانا عن الحالة المالية للدولة مرة على الأقل في خلال الدور العادي .

مادة ١٥٣ – الحساب الختامي للإدارة المالية عن العام المنقضي يقدم إلى المجلس الوطني خلال الثلاثة شهور التالية لانتهاء السنة المالية للنظر فيه وإقراره .

مادة ١٥٤ – ينشأ بنظام ديوان للمراقبة المالية، يعاون الحكومة والمجلس الوطنى في رقابة تحصيل إيرادات الدولة وإنفاق مصروفاتها في حدود الموازنة العامة والموازنات المستقلة، ولكل من الحكومة والمجلس الوطني أن يعهد إلى الديوان بالبحوث والتحقيقات المتصلة بهذه الرقابة، وكل ذلك على النحو الذى يبينه النظام .

مادة ١٥٥ – ينشأ بنظام مجلس أعلى للتخطيط يتولى دراسة ثروات البلاد ومواردها واقتراح الخطط والمناهج لتنمية مصادرها الزراعية والصناعية والتجارية واستثمارها وتوفير العمل للمواطنين كما يتولى بحث ما تحيله إليه الحكومة والمجلس الوطنى في رقابة تحصيل إيرادات الدولة والإنفاق الاقتصادي وبموارد الثروة العامة وبالشؤون الإدارية والعمرانية والاجتماعية والصحية والثقافية وغيرها من وجوه التخطيط .

ويبين النظام أحكام هذا المجلس وصلاحياته. وتصدر الخطة العامة للتنمية بنظام .

مادة ١٥٦ – يجوز أن يتقرر بنظام استقلال مالي لمشروع أو مرفق عام يبين النظام صلاحيته ومدى استقلاله.

الفصل الثالث
الشؤون العسكرية

مادة ١٥٧ – السلام هدف الدولة الأسمى، والحرب الهجومية محرمة .

مادة ١٥٨ – سلامة الوطن أمانة في عنق كل مواطن، وهى جزء من سلامة الوطن العربي الكبير .

مادة ١٥٩ – الدفاع عن الوطن فريضة، وأداء الخدمة العسكرية شرف للمواطنين، والأحكام الخاصة بكل ذلك يبينها النظام .

مادة ١٦٠ – القوات المسلحة مهمتها حماية الوطن والمحافظة على سيادته وأمنه والذود عن أراضيه .

مادة ١٦١ – الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة .

مادة ١٦٢ – الدولة وحدها هى التى تنشئ القوات المسلحة ولا يجوز لأية هيئة أو جماعة إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية .

مادة ١٦٣ – القوات المسلحة وهيئات الأمن العام يرتبها النظام ويبين ما لها من صلاحيات .

مادة ١٦٤ – الخدمة في القوات المسلحة يرتبها النظام ويبين شروطها وسائر الأحكام الخاصة بمن يولون وظائفها .

مادة ١٦٥ – التعبئة العامة أو الجزئية تكون بنظام .

مادة ١٦٦ – ينشأ مجلس أعلى للدفاع الوطنى برئاسة الملك أو من ينيبه، مهمته النظر في الشؤون الخاصة بوسائل حماية الوطن والمحافظة على سيادته وأمنه والذود عن أراضيه، والإشراف على القوات المسلحة، يبين النظام أحكام هذا المجلس وصلاحياته .

الباب السابع: السلطة القضائية

مادة ١٦٧ – العدل أساس الملك.

مادة ١٦٨ -القضاة يحكمون بين الناس بالقسط، ويؤدون الأمانة بوحي من ضمائرهم، ولا سلطان عليهم في قضائهم .

مادة ١٦٩ – شرف القضاة ونزاهة القضاة وتجردهم ملاذ للحقوق والحريات، وضمان لتوطيد أركان المجتمع، وتأمين للحكم وسلامته.
مادة ١٧٠ – القضاء مستقل، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في سير العدالة ويبين النظام الأحكام بضمانات القضاة وأحوال عدم قابليتهم للعزل .

مادة ١٧١ – لا يجوز الجمع بين وظيفة القضاء وأية وظيفة عامة أخرى .

مادة ١٧٢ – ترتيب المحاكم ودرجاتها ووظائفها وصلاحياتها يعينها النظام .

مادة ١٧٣ – المحاكم العسكرية يرتبها النظام ويبين صلاحياتها والأحكام التى تطبقها والشروط الواجب توافرها فيمن يولون القضاء فيها ولا يكون لهذه المحاكم اختصاص في غير حالة الحكم العرفي إلا في الجرائم العسكرية التى تقع من أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن وذلك في الحدود التى يقررها النظام .

مادة ١٧٤ – المحاكمات أمام المحاكم علنية، ولا يجوز إجراؤها سرية إلا في الأحوال الاستثنائية التى يبينها النظام .

مادة ١٧٥ – حق التقاضى مكفول للناس كافة ولا يمنع أحد من مراجعة المحاكم، ولا يجبر على مراجعة محكمة غير المختصة بقضية إلا في الأحوال التى يبينها النظام .

مادة ١٧٦ – تصدر جميع أحكام المحاكم معللة .

مادة ١٧٧ – يجرى تنفيذ الحدود الشرعية بعد تصديق الملك على الأحكام القضائية الصادرة بها.

مادة ١٧٨ – تنشأ بنظام نيابة عامة تلحق وزارة العدل، وتتولى الدعوى العمومية باسم المجتمع وتقوم على حراسة العدالة وتسهر على تطبيق الحدود الشرعية والأنظمة وملاحقة مخالفيها وتنفيذ الأحكام .
ويرتب النظام هذه الهيئة ويبين صلاحياتها وشروطها من يولون وظائفها وضماناتها .

مادة ١٧٩ – تشرف النيابة العامة على رجال الشرطة القضائية وفقا للنظام .

مادة ١٨٠ – يكون للقضاء مجلس أعلى، يرتبه النظام ويبين صلاحياته .

مادة ١٨١ – تنشأ بنظام هيئة لإدارة قضايا الحكومة ولتمثيلها أمام جهات القضاء .

مجلس الدولة

مادة ١٨٢ – ينشأ مجلس دولة بنظام يبين طريقة تأليفه وكيفية تشكيل دوائره والإجراءات التى تتبع أمامه، ويقرر الضمانات التى تكفل استقلاله .
ولا يجوز إعفاء أحد من مستشارى مجلس الدولة أو وقفه عن عمله إلا بناء على قرار من الجمعية العمومية للمجلس المذكور بأغلبية الأعضاء الذين تتألف منهم، ولا يكون ذلك إلا بسبب عجز صحى عن العمل أو إهمال خطير في أدائه .

مادة ١٨٣ – يختص مجلس الدولة وحده بالفصل في الدعاوي المتعلقة بمطابقة الأنظمة واللوائح لأحكام هذا النظام الأساسى، وكذلك في الاختلاف بين السلطات أو الهيئات العامة على تطبيق أحكام أو تفسير نصوصه.

مادة ١٨٤ – إذا رأت إحدى المحاكم أن الفصل في قضية منظورة أمامها يتوقف على الفصل في مطابقة نظام أو لائحة لأحكام هذا النظام الأساسي، توقف نظر القضية وتحيل هذا الأمر إلى مجلس الدولة للبت فيه بصورة مبرمة .

مادة ١٨٥ – تخصص من دوائر مجلس الدولة دائرة للفصل في الدعاوي الإدارية التى تقوم بين جهات الإدارة والأفراد أو فيما بين الهيئات الإدارية ذات الشخصية المعنوية، وتكون لهذه الدائرة ولاية الحكم في صدد القرارات الباطلة بالإلغاء وبالتعويض .

مادة ١٨٦ – يبين النظام طريقة البت في الخلاف على الاختصاص بين جهات القضاء وفى تنازع الأحكام .

مادة ١٨٧ – يختص مجلس الدولة كذلك بإبداء الرأى فيما تحيله إليه الحكومة من مسائل تنظيمية أو إدارية أو دولية هامة، وذلك فضلا عن الصلاحيات الأخرى التى تعهد الأنظمة بها إلى هذا المجلس بما لا يتنافى مع أحكام هذا النظام الأساسي .

الباب الثامن: أحكام عامة وأحكام وقتية

مادة ١٨٨ – للملك ولكل من مجلس الوزراء والمجلس الوطني حق اقتراح تنقيح هذا النظام الأساسى بتعديل أو حذف حكم أو أكثر من أحكامه أو بإضافة أحكام أخرى .
ويجب أن يحدد الاقتراح المواد المطلوب تنقيحها والأسباب الموجبة لذلك . فإذا كان الاقتراح من المجلس الوطني وجب أن يكون موقعا من ثلث الأعضاء الذين يتألف منهم .
وفى جميع الأحوال يشترط أن يوافق على مبدأ التنقيح الملك ومجلس الوزراء والمجلس الوطنى بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم .
فإذا تم ذلك يكون إقرار موضوع التنقيح في المجلس الوطني بأغلبية ثلثى الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ولا يكون التنقيح نافذا إلا بعد تصديق الملك عليه وإصداره، ويكون التصديق والإصدار بمرسوم .
وإذا رفض الاقتراح من حيث المبدأ أو من حيث موضوعه فلا يجوز عرضه من جديد قبل سنة على هذا الرفض .

مادة ١٨٩ – الأحكام الخاصة بشكل الحكومة الملكي لا يجوز اقتراح تنقيحها .

مادة ١٩٠ – الأحكام الخاصة بمبادئ العدل والحرية والمساواة لا يجوز أن يقترح الانتقاص منها.

مادة ١٩١ – صلاحيات الملك المنصوص عليها في هذا النظام الأساسي لا يجوز اقتراح تنقيحها في فترة الوصاية على العرش .

مادة ١٩٢ – كل نظام يحد حقا من حقوق المواطنين الأساسية المنصوص عليها في هذا النظام الأساسي يجب أن يشير صراحة إلى هذا الحق وأن يعين المادة المتعلقة به ولا يجوز لأية حال أن يتضمن النظام نصوصا تجعله يلغى عملها أى حق من هذه الحقوق .

مادة ١٩٣ – في حالة الحرب أو وقوع اضطرابات تخل بالأمن إخلالا خطيرا، أو تهدد البلاد بأخطار جسيمة، أو تعطل سير الخدمات القومية الضرورية، يجوز لملك، بموافقة مجلس الوزراء، لتأمين حياة الشعب وسلامته، إعلان الأحكام العرفية، على أن يعرض هذا الإعلان في مدى أسبوع على المجلس الوطني للنظر في استمرار الأحكام العرفية أو عدم استمرارها، وإذا كان المجلس غير منعقد دعي للالتئام في ذلك الميعاد ويجوز أن تحدد الأحكام العرفية بمنطقة معينة أو لمواجهة حوادث معينة، ويجب توقيتها بزمن معين لا تتجاوز إلا بنظام، كما يجوز بمرسوم إنهاء الأحكام العرفية قبل الموعد المحدد لها .
ويبين النظام الصلاحيات الاستثنائية الضرورية التى تمارسها الهيئات القائمة على تنفيذ الأحكام العرفية، ومدى ما يلزم من تعاون بينها وبين المجلس الوطني، والضمانات التى تكفل الحقوق والحريات العامة في حدود مقتضيات الأحكام العرفية .
ويجب على الهيئة القائمة على تنفيذ الأحكام العرفية أن تودع مكتب المجلس الوطنى ما تصدره من الأوامر التنظيمية فور صدورها وتكون ممارسة القائمين على تنفيذ الأحكام العرفية صلاحيتهم خاضعة للرقابة القضائية .
ولا يجوز بحال إعفاء المسؤولين من الوزراء وغيرهم من المسؤولية المدنية والجنائية المترتبة على ما يقع منهم من مخالفات في ممارستهم للصلاحيات المقررة لهم بمقتضى الأحكام العرفية.

مادة ١٩٤ – لا يجوز بحال تعطيل حكم من أحكام هذا النظام الأساسى إلا أن يكون ذلك وقتيا في زمن الحرب أو في أثناء قيام الأحكام العرفية وعلى الوجه الذى يبينه النظام .
وعلى أية حال لا يجوز تعطيل اجتماعات المجلس الوطني متى توافرت شروط اجتماعه المنصوص عليها بهذا النظام الأساسي، كما لا يجوز المساس بما يقرره لأعضاء المجلس المذكور من ضمانات .

مادة ١٩٦ – تنشأ جريدة للدولة تسمى”الجريدة الرسمية” تصدر دوريا متضمنة الأوامر الملكية والمراسيم واللوائح وقرارات مجلس الوزراء وأعمال المجلس الوطنى وأهم القرارات الوزارية والمناقصات والمزادات العامة وغيرها من الأمور المتعلقة بشؤون الدولة .

مادة ١٩٧ – تنشر الأنظمة في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها، ويكون النظام نافذا في جميع أنحاء المملكة بعد نشره بثلاثين يوما، ويجوز تقصير هذا الميعاد أو مده بنص صريح في النظام .

مادة ١٩٨ – لا تجرى الأنظمة إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها، ولا يترتب عليها أثر فيما قبل هذا التاريخ، ويجوز في غير المواد الجنائية النص في النظام على خلاف ذلك .

مادة ١٩٩ – كل ما قررته الأوامر الملكية والأنظمة والمراسيم واللوائح والقرارات من أحكام العمل بهذا النظام الأساسى يظل صحيحا ويبقى نافذا إلى أن يعدل أو يلغى وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في هذا النظام الأساسى، وبشرط ألا يتعارض مع نص من نصوصه .

مادة ٢٠٠ – يعمل بهذا النظام الأساسي وتنفيذ أحكامه في جميع أنحاء المملكة من تاريخ نشره.

Posted in مٌباشرة للتدوين | تعليقات

سيرة للرفض والممانعة في مكة المكرمة.

لحظة دخول محمل الحج المصري، مكة عام 1909م. (صورة نادرة من أرشيف مجلة لايف).

كتب: محمود عبدالغني صباغ

اذا كانت مكة مصدراً للخصب والإيناع في محيطها الاقليمي: منها شعت أصباح المدارس النظامية الحديثة أول مرة (الصولتية عام 1874م)، وفيها انطلقت اصلاحات الوالي العثماني عثمان نوري باشا الحديثة؛ كانشاء أول مطبعة حديثة، ودار للحكومة، ودار للكتب، الخ (عام 1882م)، وفيها تُلي الدستور العثماني الحديث (1908م)، ومنها صدرت أول صحيفة (حجاز عام 1908م)، ومن وِهادها وجبالها اطلق الشبيبة المكيّة أول نهضة أدبية حديثة بالجزيرة العربية (1930م).. فقد شهدت -أيضاً- تاريخاً عريضاً للرفض والمُمانعة.

في العهد الأموي، سيبادر حاكم مكة، المستبد بالرأي وسوداوي المزاج، خالد القسري، بمنع طواف الرجال مع النساء! .. كانت السلطة المُطلقة المتعالية عن أي أطر محاسبة وشفافية، تُغري باصدار أحكام فردية مُتعسفة، ذات مضمون كارثيّ!

وانتقلت عادة شرب القهوة، المنتج الجديد، من عدن الى مكة عام 1500م، وغدا استهلاكها في مكة منتشراً حتى توجّس الفقهاء من مفعولها، فجمع مُحتسب مكة، بأمر من السلطان قانصوه الغوري، كل القهوة الموجودة في مكة، وأمر بحرقها، حتى بات أمر تداولها سرياً.. الى أن فرضت وجودها.

وهبط مطرٌ شديد، يرافقه بَرَد، في مكة يوم الاربعاء 19 شعبان عام 1039هـ (1629م)، وجرى منه سيل عظيم، دخل المسجد الحرام، وملأ غالبه، ودخل الكعبة من بابها ووصل الى نصف جدارها، فسقط الجدار الشامي، وبعض الجداريّن الشرقي والغربي، وسقطت درجة السطح، فوقع ضجيج عام وانزعاج في قلوب الناس، فنزل أمير مكة الشريف مسعود بن ادريس، يرافقه الشيخ محمد بن أبي القاسم الشيبي، فاتح البيت، معهما قاضي مكة، ونائب الحرم، وخطيب المسجد الشيخ فائز بن ظهيرة، وطُلب من أموال العشور مبلغ خمسمائة دينار لإعمار الكعبة، وأفتى علماء مكة بعدم جواز عمارتها إلا من مال الكعبة، فعُينت هيئة أهلية للسفر الى مصر لعرض ذلك الى وزيرها، ليعرضه بدوره على حضرة السلطان مراد خان في اسطنبول ليكون اعادة تعمير الكعبة من مال الكعبة، لا من مال العشور طرداً للشبهة!

وفي 1736م سيمنع الشريف مسعود الناس من التظاهر بشرب الدخان. فرُفع الدخان من القهاوي والأسواق، وصار حاكمه يقبض على من يراه عنده من الأسواق.. حتى عاد وفرض وجوده!

وسيدعو العالم المكّي أحمد بن ادريس الفاسي (1749-1837م) الذي كان عالماً اسلامياً مجدداً، الى فتح باب الإجتهاد في تفسير الشريعة الاسلامية والعودة الى أصول الاسلام الأساسية؛ القرآن والحديث، منتقداً مقلدي وأتباع المذاهب السنية الأربعة، ليفتح علماء الحجاز النار على دعوته، ويحرّضون عليه حتى نُفيّ الى قائم مقامية صِبيا التابعة لمتصرفيّة عسير عام 1830م، يرافقه أتباعه ومنهم محمد علي السنوسي الكبير.

وفي عام 1855م أمرت الدولة العثمانية بمنع بيع الرقيق في مكة، فحصل هرج ومرج بأسواق مكة، جعل الحكومة التركية تعدل عن أمرها. كان كامل باشا حاكم الحجاز العُثماني المقيم في جدة، نبّه قائم مقامه في مكة، أن يجمع دلّالي الرقيق، ويمنعهم من بيع الرقيق، بمقتضى أمر جاء لكامل باشا من الدولة، ففعل قائم مقام الباشا ما أمره به، فصار الناس من ذلك في انزعاج واضطراب، وصاروا يقولون: “كيف يمنع بيع الرقيق الذي أجازه الشارع؟” .. وهاجَ الناس هيجاناً شديداً، فاجتمع وسطاء مع الشيخ جمال رئيس العلماء، ومُفتي الأحناف، وذهبوا الى القاضي، الذي فزع منهم وهرب، فزاد هيجان الناس واضطرابهم، فنادى الناس: للجهاد !! .. فثار من ذلك فتنة عظيمة، وصار الرمي بالبندق من الفريقين، وانتشرت الفتنة ورمي البندق في الأسواق والطرقات، وصار القتل لكثير من العسكر وغيرهم.. حتى صارت حرب أهلية، ففزع الناس بالشريف يحيى بن سرور، وهو في داره، وسألوه تسكين هذه الفتنة، فأطلق منادياً في مكة، لمنع الناس من الفتنة، فامتثلوا لأمره، وأمِن الناس وتحفظ على العساكر الشاهانية، واطلع كثيرا منهم القلعة.

وسيختلف الوالي الاداري العثماني بالحجاز، عثمان نوري باشا، وكان اصلاحياً استثنائياً، مع شريفها العشائري، الشريف عون الرفيق، الذي كان أوتقراطياً متشدداً. وفي حدود عام 1893م سيتسع الخلاف على حزمة الاصلاحات المدرجة، الذي سينحاز فيه الى حزب الوالي الاداري الاصلاحي، أعيان مكة، ومنهم سادن الكعبة عبدالرحمن الشيبي ومفاتي مكة؛ الشيخ عبدالرحمن سراج والسيّد عبدالله زواوي والشيخ عابد مالكي، ورئيس السادة العلوية، وآل نائب الحرم، وشخصيات بارزة من الأشراف، ورفع كلا الطرفين الأمر الى السلطان عبدالحميد بن عبدالمجيد صاحب الولاية ليفصل في الأمر، فانجلت المعركة بفوز الشريف عون على خصومه.. فصدر أمر السلطان بعزل  عثمان نوري باشا من الحجاز، وعزل الذوات الموقعين في تلك المضبطة ونفيهم جميعاً من الحجاز الى الاستانة ومصر.. ما عدى الشيبي الذي نُفي – كمضطهد رأي- الى الهدا.

ويذكر الشيخ المكّي، الشيخ محمد العربي التبّاني، انه في سنة دخول السعوديين لمكة (1924م)، فسح الإخوان للكُتبيين في السنين الأولى من دخولهم الحجاز بجلب كتاب الأذكار: دلائل الخيرات غير المُهمّش، فيما منعوا النسخة التي تحتوي على الهوامش. ثم منعوا جلبه مهمّشاً أو غير مهمّش. وقد جلب منه الكُتبي المكّي الشهير عبدالصمد فدا أربعمائة نسخة فألزموه بارجاعها الى مصر أو يتلفونها، فتركها لهم.

وكان في مكة كثير من الآثار التاريخية مثل: مولد النبي، بيت خديجة، بيت أبي بكر، قبر محمود، وغيرها.. ولكن الإخوان هدموا تلك الآثار مع ما هدموه من القباب والقبور.

وفي أواخر عام 1925م، قام السيد أحمد السنوسي بالتبرك بمقام ابراهيم وتقبيله، فقامت قيامة الإخوان، ونهره حاكم السلطان على فعلته، لأن في ذلك منافاة للتوحيد.

وفي ليلة الموقف بعرفة يوم 9 ذي الحجة سنة 1344هـ (الموافق 1926م)، حصلت حادثة المحمل المصري في صعيد منى.. اعترض الإخوان على الموسيقى التي ترافق طقس المحمل.. فحصل ضرب نار بين الطرفين، وسقط عدد من الضحايا، ما ادى الى حصول شرخ -وقطع للعلاقات الديبلوماسيّة- بين السعودية ومصر، استمر لسنوات.

وكان ماء زمزم يستخرج من البئر بالدلاء الجلدية حسب العوائد القديمة، لكن جلالة الملك عبدالعزيز فكّر في عام 1927م، في الاستعانة بالآلات الحديثة لتكثير الماء وتوزيعه بطريقة صحيّة، وصيانة الحرم مما يتعرض له في مواسم الحج من الازدحام والمخاصمة، وما يتبع ذلك من فقدان النظافة، فأمر بتركيب آلة رافعة للماء، وأحضر مهندساً من مصر لتلك الغاية. ولكن لما كان هذا العمل يؤثر في كسب طائفة الزمازمة والسقائين، وهيكلهم الإنتاجي محصور في اخراج الماء بالدلو من البئر وتوزيعه على الحجاج، قامت قيامتهم. يروي حافظ وهبه في مذكراته جزيرة العرب في القرن العشرين أن العمل قد ابتدأ بالفعل وجرى الحفر بالحرم لوضع الأنابيب، وأُرسل الى مصر لشراء الآلة والأنابيب والأحواض الكبيرة التي يوزع منها الماء، فما كان من الزمازمة المكيين إلا أن “أثاروا علماء أهل نجد وألبَسوا عليهم الأمر، وأن بئر زمزم سينضب ماؤها بعد تركيب هذه الآلة الرافعة، ولا شك أن هذا العمل سيجلب عليهم سخط المسلمين، فألّح أهل نجد المقيمون بمكة على الملك بإلغاء هذا المشروع، وإبقاء القديم على قدمه..فلم يرى الملك من مصلحة لإغضابهم في الوقت الذي بدأت فيه حركة الاخوان بالتمرد، فأمر بايقاف المشروع والعدول عنه”.

وفي الثلاثينات الميلادية ستذيع بالحجاز أغاني سلامة الأغواني المَرِحة الظريفة الخفيفة.. وسلامة فنان أو مونولوجست سوري شعبي، من أصل أفغاني -والأغواني تحريف أفغاني-،  وأسطوانات اغانيه كانت تباع في مدن الحجاز سراً، وتدار في الفونوغراف، الذي كان يُسمى في الحجاز صندوقاً.. ولكن الحكومة ستمنع بيع اسطواناته. يقول الأديب أحمد عبدالغفور عطار في كتابه بين السجن والمنفى: “فالفونوغراف مُحرّم من الحكومة، والمشائخ (الوهابيون) يتشددون في تحريمه، وهم وهيئات الامر بالمعروف يُعاقبون من يجدون لديه الصندوق ومن يَسمعون أغاني سلامة الأغواني”.

وسيحاول حاكم ولاية بهوبال بالهند أن تمنحه الحكومة امتياز تعبئة ماء زمزم في زجاجات كما تفعل بعض البلدان الاخرى، ويقوم بتصديرها بعد تعقيمها على أن يتقاسم الأرباح مع الحكومة السعودية، ولكن الحكومة رفضت الاقتراح لأن “العلماء” لم يوافقوا على المشروع.

ويذكر حافظ وهبة، مستشار جلالة الملك عبدالعزيز، أنه في أوائل شهر يونيو 1930م، “قامت ضجة بين علماء الدين النجديين، واجتمعوا في مكة، وبعد التشاور فيما بينهم وضعوا قراراً يحتجون فيه على إدارة المعارف في مكة، لأنها قررت في برنامج التعليم، تعليم الرسم، واللغات الأجنبية، وتعليم الجغرافيا التي منها دوران الأرض”. ويذكر حافظ وهبه أنه قاد مداولات عدة من كبار المشائخ رغبة اقناعهم الى سلامة تدريس تلك المسائل بالأوجه الشرعية والعقلية، ويذكر أنه حين وقف جلالة الملك عبدالعزيز على هذه المناقشة واقتنع بثاقب فكره أن ليس لدى العلماء دليل ديني يصح الاعتماد عليه، لم يوافقهم على رأيهم، واستمر تعليم اللغات والرسم والجغرافيا كما كان.

وفي عام 1351هـ/1932م وضعت إدارة الصحة في مكة قانوناً يفضي بوجوب الكشف على الأموات قبل الدفن، فاحتج أهل مكة على سريان هذا القانون على النساء، وساعدهم علماء نجد على رأيهم، فلم تستطع الحكومة تعميم الكشف، قبل ان توكل ذلك الغرض لسيدات مُلمات بأصول الطب والتمريض.

وفي مطلع الثلاثينات الميلادية من القرن الماضي سيندهش الأديب أحمد عبدالغفور عطار، العائد لتوه من بعثته بمصر، لحظة اختلافه الى صديقه الشاعر طاهر زمخشري بمركازه أمام مطبعة الحكومة أم القرى، من فزع الأخير، لحلق الأول للحيته، مذكراً اياه بالقرار الذي صدر بالقبض على كل من يحلق ذقنه لمعاقبته إما بالسجن ثلاثة أيام، أو دفع سبعة ريالات ونصف ريال غرامة بنسبة ريالين ونصف ريال كل يوم، وكان للريال حينها قوة شرائية عظمى، تكفي للإنفاق على أسرة متوسطة مكوّنة من خمسة وستة أنفار. يفصّل عطار، في كتابه بين السجن والمنفى آلية تنفيذ ذلك القرار، قائلاً: “كان جنود هيئة الأمر يقبضون على كل من يحلق لحيته ويحضرونه الى مفوض القسم الإداري “علي بك جميل” بمبنى ادارة الأمن العام، وكان سجن (الفُرن) قد امتلأ بالشبان كما امتلأ بهم مبنى الأمن العام الذي كان يسمى (الحميدية)”. وكان قرار حظر حلق اللحى قد صدر وعُمم على كل مدن الحجاز!

ويروي الأديب والدبلوماسي المصري يحيى حقي في مذكراته كناسة الدكان، حينما كان موظفاً في قنصلية مصر بجدة من عام 1929 الى 1931م.. أن مُمثلي البعثات الأجنبية في جدة، كانوا يحسبون مدد اقامتهم بعدد مرات حلق اللحى! فهم كانوا يعفون لحاهم طيلة مكوثهم بالحجاز انصياعاً لقوانين منع حلق اللحى التي فرضها الاخوان في العهد السعودي على الحجاز. كانوا يحلقونها على متن البواخر الراحلة الى ديارهم في الاجازات السنوية، فيقولون لمن يسألهم كم لك منتدباً في أرض الحجاز؟: “لنا قدر لحية، أو لحيتان”.

وتأسس في مكة، نادياً رياضياً اسمه الشبيبة السعودية مقره في حارة شعب عامر، أسسه السيّد محمد مساوي، وفي أول مباراة بين الوحدة والشبيبة كان المشائخ التقليديين يمسكون من يلعب الكرة ويجلدونه.

وستنشر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اعلاناً بمكة حذرت فيه الناس من كتاب دلائل الخيرات، وفي سنة 1956م ستنشر في جريدة البلاد السعودية، تحذيرا مُبالَغا في صياغته من دلائل الخيرات و”أنه أشد ضررا على الأمة من كتب الزندقة والإلحاد وأن مؤلفه يهودي”.

وفي 1961م، سيقدّم الأديب والصحافي المكّي البارز، أحمد السباعي، الى مديرية الاعلام والصحافة والنشر بطلب رسمي لانشاء مسرح في مكة باسم دار قريش للتمثيل القصصي، وسيحظى بالموافقة، ويشرع في تأسيس المسرح في حيّ جرول (سعة ألف مقعد)، والى جلب الكوادر الفنية والابداعية من القاهرة، والبدأ في انتاج باكورة العروض بعنوان: فتح مكة، ومن تأليف محمد عبدالله مليباري.. وقبل الافتتاح بيوم، ستشتد وطئة الممانعة من المشائخ التقليديين، الذين ذهبوا الى ان مسرح السباعي “قد يُقدّم اليوم فتح مكة… لكنه سيتحول غداً إلى ملهى يقدم رقصات يختلط فيه النساء بالرجال”!! .. ليقرر الحاكم الغاء العرض، واغلاق المسرح!

.. كان التطبيق التعسفي لقاعدة “سد الذرائع” قد بدأ يطل بقتامة!

وفي  23 ديسمبر 1961، أصدرت رئاسة هيئات الأمر بالمعروف بالحجاز، تنبيه وتحذير رقم 8428، نشر بالصحيفة الرسمية، أم القرى، من التهاون عن أداء صلاة الجمعة جماعة في مكة، وأمرت باشتراك اعضاء هيئة الامر بالمعروف وجنود المرور بالتساعد على حمل المتأخرين الى المبادرة لحضور الصلاة، كما امرت بايقاف حركة السيارات حول الحرم قبل الأذان من يوم الجمعة بخمس دقائق، باستثناء سيارات الاسعاف والاطفاء والحالات الطارئة.

وحين أمرت الدولة السعودية بادخال “المكرفون” بالمسجد الحرام في أول عام 1386هـ (1966م) بدلاً من الأسلوب القديم القاضي بطلوع أكثر من مؤذن للمنارات، فيما كان من يقيم الصلاة ويبلغ حركات الامام للمأمومين يطلع المقام الحنفي، رفض الإخوان بشكل مبالغ فيه، فيما ظلّت طبقة محليّة في مكة مؤيّدة للقرار حتى ان الشيخ المكّي محمد طاهر الكردي علّق حينها على تلك الملابسات قائلاً في كتابه التاريخ القويم: “والحق أن للمكرفون فائدة كبرى، لا ينكرها إلا كل أخرس أصمّ”.

وفي عهد الملك فيصل، ستجري محاكمة بعض المسؤولين في المديرية العامة للاذاعة والصحافة والنشر، لأن أغنية من أغاني فريد الأطرش، ظهر فيها أصوات نسائية. كانت تلك قضية تستدعي العرض على مجلس الوزراء، وتشكيل لجنة تحقيق!

وحين عاد الطالب المكّي، أحمد زكي يماني من أمريكا بالخمسينات بشهادة ماجستير القانون في هارفرد، اراد استصدار امتياز انشاء مجلة التشريع والاقتصاد، التي هدفت الى دراسة بعض المشكلات المعاصرة من منظور اسلامي مثل التأمين وأعمال المصارف.. وشرع في العدد الأول، باللغات العربية والانجليزية والفرنسية، بأبحاث مختلفة، وكان هناك بحث من أحد أئمة وعلماء القانون، الدكتور عبدالرزاق السنهوري باشا، وآخرون في البورصة، وبحث لمعالي الشيخ حسن آل الشيخ عن النظام القضائي في المملكة، ولكن.. قبل أن يصدر العدد الأول من المجلة، صدر الأمر بسحب الامتياز، وتم ايقاف العمل!.. كون الواشون من المشائخ التقليديين أرجفوا بأن المجلة غرضها “احلال القوانين الوضعية، بدلاً، من قوانين الشريعة” !

Posted in مٌباشرة للتدوين | تعليقات