1963: قرار “تأميم” الصحف .. ماذا جَرَى؟

كتب: محمود عبدالغني صباغ.

* هنا أستعرض فصلاً ساخناً من فصول تاريخ الصحافة السعودية، معتمداً في غالبية السرد التاريخي على رواية أحمد عبدالغفور عطّار، التي دوّنها في مخطوط مذكراته الشخصية (عندما اشتغلت بالصحافة من 1931-1968م)، والتي لم تُنشر من قبل، أو اطلع عليها نفرٌ من الصحافة سوى ضمن دائرة محدودة جداً، تتضمن مع كاتب هذه السطور، شخص أو شخصين.

-1-

إلغاء امتيار صحف الأفراد وبيان من وزارة الاعلام – أحمد عبدالغفور عطّار يروي:

أحمد عبدالغفور عطّار - من روّاد الصحافة السعودية - اشتغل بها منذ عام 1931م.

لا أذكر تاريخ البيان أو تاريخ اذاعته، ولكنه كان بعد العشرين من جمادي الثانية سنة 1383هـ [نوفمبر 1963م]، واعتقد ان اذاعته كانت في ليلة الثالث والعشرين منه.

ولم يُفاجأ بعض أصحاب الصحف به فقد علموا بأمره قبل اعلانه وأنا منهم، وان كان وزير الاعلام الأستاذ جميل الحجيلان قد نفى تفكير الحكومة في تقليد مصر الغاء امتيازات صحف الأفراد وتحويلها الى مؤسسات مع ابقاء الاسماء نفسها التي اختارها أصحاب الصحف.

وسألت وزير الاعلام في مؤتمر صحفي كان قد عقده بجدة فنفي ذلك بشدّة، وكرر الأستاذ زيد بن فيّاض صاحب جريدة اليمامة ورئيس تحريرها سؤال الوزير قائلاً: إننا نسمع أن الحكومة قد انتهت اتخاذ قرار بإلغاء صحف الافراد وتحويلها الى مؤسسات، وأنا أريد أن أتوسع في الادارة وأُحضر مطابع كما صنع الاستاذ أحمد عبدالغفور عطّار الذي خصّص أكثر من نصف مليون ريال مبدئياً لإحضار مطابع، وفتح اعتمادات بنكيّة، وستُشحن قريباً، أو ستصل قريباً.

فنفى الوزير بشدّة حتى ساورنا الشك فيما بلغنا.

وبعد شهور من اجتماعنا بالوزير ونفيه، أُذيع بيان الغاء امتيازات صحفنا، والعجيب في الأمر أن اذاعة البيان تكرّرت عديداً من المرات مثل بيان الانقلابات العسكريّة، وفي لهجة تُقلّد لهجة أحمد سعيد “مُسيلمّة” اذاعة صوت العرب المصريّة.

وجاء في البيان التاريخي الهام الذي قررته ثم أذاعته وزارة الاعلام، ونشرته صحف المملكة السعودية [بتصرف]:

“بــيــان من وزارة الاعلام :

أصدرت وزارة الاعلام بياناً بشأن الغاء امتيازات الصُحف التي تصجر بالمملكة وتحويل هذه الامتيازات الى مؤسسات وطنية، يشترك فيها الشعب .. وادراكاً من حكومة صاحب الجلالة .. عمدت دائماً وبكل وسيلة ممكنة لتقوية كيلن صحافتنا الوطنية.. فأقدمت اقدام الرغبة والرضى على نشر اعلاناتها الرسمية في الصحف المحلية وذلك تشجيعاً لصحافة البلاد وهو أمر لم تقدم عليه أي دولة أخرى.. ونقل الصحف والمجلات الوطنية مجاناً على خطوطها الجويّة.. واعفاء الورق المستورد لطباعة الصحف من الرسوم الجمركية.. كما أن موقف الدولة من الصحافة في بلادنا كان ولايزال موقف الموجه الذي لا يمارس حقه في التدخل إلا نادرا وفي حدود ما تقضي به المصلحة العامة.. وكانت من نتيجة ذلك.. زاد عدد الصحف من أربع صحف الى تسع عشرة صحيفة.. وقد لاحظت الجهات المسؤولة في حكومة صاحب الجلالة أن صحافتنا الوطنية أخذت تلعب دوراً هاماً في توجيه الرأي لدى المواطنين، كما تبين لها على ضوء تجاربها المستمرة أن انفراد شخص واحد أو شخصين بالحصول على امتياز الجريدة وتحريرها دون الاستعانة بعدد من المواطنين من ذوي التجارب والقدرة على الادارة والتوجيه أمر لا يخلو من المساوئ.. لذلك رأت [الدولة] أن تعزز كيانها وتعهد بامتياز الصحف والمجلات الصادرة في البلاد الى مجموعة من المواطنين المؤهلين.. وعليه فقد قرر مجلس الوزراء انهاء امتيازات الصحف والمجلات الصادرة حالياً في المملكة وذلك بموجب المادة 15 من نظام المطبوعات ونقل امتيازها الى مؤسسات أهلية بموجب تنظيم سيوضع لهذا الغرض في خلال فترة أقصاها ثلاثة شهور.. على أن لا تتحمل الصحيفة اي التزامات مالية تمتد آثارها الى ما بعد نقل الامتياز الى المؤسسات”

بيان "التأميم" - نصه المنشور في عكاظ 11-11-1963م

أحمد السباعي يسخر من الوزير الحجيلان، وهشام حافظ يهاجمه بعُنف :

ويمضي العطار في روايته :

ودعا وزير الاعلام كل أصحاب الصحف لمؤتمر صحفي يعقده في الرياض، وحدّد له ليلة الأربعاء 26 جمادي الثانية 1383هـ [14-11-1963م].

وحضر كل أصحاب الصحف وعقد الوزير المؤتمر ليلة الأربعاء ونهاره، وعندما بدأ المؤتمر كنت عن يمين الوزير والأستاذ أحمد السباعي عن يسار معاليه، وكانت جلسة السباعي غير طبيعية، فنصف جسمه الى الوزير ونصفه الآخر الى الزملاء، وكان شديد المرح -أقصد السباعي لا الوزير، فالوزير اصطنع الجد الصارم والعبوس المُتقبض- وكان يُدخّن، ولكنه لم يكن مثل غيره.

وقرع الوزير المنضدة ليسكت السباعي، فسكت، وساد المكان صمت عميق، وكان بقرب الوزير الأستاذ حسن أشعري، أحد كبار موظفي وزارة الاعلام، وهو سكرتير المؤتمر، وأمره الوزير أن يقرأ البيان، فقرأه، وعلمنا بما حواه من جديد.

أحمد السباعي - شيخ الصحافة السعودية.. سخر من الوزير الحجيلان في لقاء الوزارة بأصحاب الصحف الفردية

وهنا قلّد السباعي الوزير واصطنع مثله الجد، وسرعان ما خانه التقليد فعاد الى مزاحه وسخريته، وقال السباعي: “قال الله تعالى: عسى ربّه ان طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن.. الى آخر الآية”. وضغط السباعي على النون المُشددة في “طلقكن” و”منكن” وما كاد أن يقول “صدق الله العظيم” حتى انفجر الحاضرون جميعاً بالضحك دوّت به حجرة الوزير الفخمة الرحيبة، وأدرك الوزير أن السباعي يسخر به فصاح: “يا أخ حسن أشعري، سجّل كل شئ يدور في المجلس”، وجرّد الأستاذ الأشعري قلمه الذهبي مثلما يجرّد عنترة بن شداد سيفه، وأخذ يكتب.

وقال السباعي ساخراً أيضاً: حاضر، “عسى ربه”.

فقال الاستاذ صالح محمد جمال، صاحب جريدة الندوة ورئيس تحريرها: يا أستاذ سباعي، من فضلك، لندخل في البحث.

السباعي: هوّه أنا قلت غير كلام الله؟ قراءة القرآن ممنوع؟ (قال ذلك بأسلوب ساخر وهو يتمايل على كرسية الوثير).

وضحك الحاضرون وأنا منهم، وبعد أن انتهينا، قلت: لنسمع الوزير، ولندخل في الجد.

ودخلنا في الجد، كلنا دخلنا فيه الا السباعي، فقد كان عنصر المرح والفكاهة والهزء والسخرية في الجلسة، ولكن سخريّة السباعي كانت أمرّ من الجد وأصرم.

وعارضنا جميعاً قرار الحكومة، وسميناه جميعاً تأميم الصُحف.

وثار جدل عنيف بين الوزير وبعض الحاضرون، وعلى الأخص الأستاذ هشام حافظ، ممثل جريدة المدينة التي يملكها أبوه وعمّه، وهاجم هشام حافظ الوزير وردّ عليه رداً شديد العُنف، لأن الوزير اتهم الصحف بالثراء الفاحش، وبتهم أخرى كلها باطلة.

ورددت أنا على معالي الوزير في أسلوب هادئ، وخفف الوزير لهجته القاسية العنيفة، ولم يجد كل منطق الدنيا وكل الحُجج معه. وطلبنا جميعاً: ألا تُستعمل الأسماء التي اخترناها لصُحفنا، فرفض، وطلبنا التعويض فرفضه، ورفض كل مطالبنا العادلة.

ومن جملة ما قال الوزير: إن الحكومة وهبتكم الامتياز، وهي حُرّة ان تأخذها منكم حيثما تشاء؟ ومن حق الحكومة ألا تعوضكم؟

ورددنا عليه: لا حق في الرجوع عن الهبة، ومن أحيا أرضاً مواتاً فهي له، فإذا أعطتنا الحكومة أرضاً وبنينا عليها عمارة، فليس من حق الحكومة استعادة الأرض وما عليها، واذا أرادت الحكومة أخذ حق مسلم فلا بد من القيمة.

وقال الأستاذ السباعي: ان الأستاذ أحمد عبدالغفور عطار قد بدأ في انشاء مطابع تقدر بحوالي نصف مليون ريال، فما يكون موقفه؟ أيهدر حقه؟ انه لم يؤسس هذه المطابع “ليتفرّج” عليها، بل من أجل جريدة عكاظ.

فأجابه معاليه: اذا صح ما ذكرت، وصح أن الآلات والمطابع سبق طلبها قرار الحكومة بإلغاء امتيازات الأفراد وتحويلها الى المؤسسات، فإن مؤسسة عكاظ التي ستنشأ هي التي ستشتريها، ولن تهدر الحكومة حقوق أي مواطن.

وقلت لمعالي الوزير: ان الاستاذ زيد بن فيّاض من العلماء الأفاضل، وكان في منصب رفيع، كان عضواً في هيئة التمييز والقضاء، وعندما كانت أجهزة اعلام مصر جميعها تهاجم بلادنا وملكنا وأمراءنا ووزراءنا وقادتنا وصحافتنا ورجالها، لم تقف اليمامة مع الصحف التي تصدر منها، فأحضرتم الاستاذ زيد بن فيّاض، أحضره الوزير السابق، ورجاه أن يُجاهد، بل ذكر له أن الجهاد فرض عين عليه، لأنه صاحب دين وعقيدة وخلق وقلم، والجريدة في المعركة هي السلاح.

فاعتذر بن فياض، وقال: انني الآن أكتب، ولا لزوم لأن أتسلّم جريدة اليمامة وأعد أن أكتب في كل الصحف ما اعتقد، ولكن الوزير قال له: الجريدة قلعة تستطيع ان تطلق القذائف من كل جهاتها على الأعداء، وتستطيع انت أن تحشد أقلاما مؤمنة تجاهد وتُدافع.

وأخيراً قبل زيد بن فياض تسلم جريدة اليمامة وجعلها قلعة من قلاع الاسلام، ومنبراً من منابر الدعوة الى الله، وجنّد فيها الأقلام المؤمنة، ورفع راية الجهاد، وكان قلم قوياً جباراً شرعه سيفاً في وجوه الكفرة والمارقين – واستقال الشيخ زيد بن فياض من كل مناصبه.

وقلت لمعاليه: هذا [علي] الجفالي عندك، سله عن صحة ما سأقول، ان الاستاذ زيد بن فياض وقّع مع مكتب الجفالي بجدة عقداً بشراء مطابع لجريدة اليمامة وتفاوض مع البنك الأهلي التجاري بالرياض في طلب قرض، لأن مكتب الجفالي اشترط فتح اعتماد في البنك، ليصيح العقد نافذاً.

وقلت: انه اشترى من بيروت أطناناً من الورق، وسيُصدر اليمامة يومية، وعزم على فتح مكتب ببيروت مثلي ومثل صالح جمال وحسن قزاز.

فما مصير جهوده ومصير العقد الذي وقعه مع آل الجفالي؟

فقال معاليه: نحن نقدر علم الشيخ بن فياض، ولكننا غير مسؤولين عما فعله.

وأخيراً، وبعد جدال عنيف بين أصحاب الصحف والوزير انفضّ المؤتمر باصرار على الغاء امتيازات الأفراد، وغادروه غاضبين، وأسفنا جميعاً على انكار جهودنا، وجحود ما بذلنا لحكومتنا ووطننا، وختم الاستاذ السباعي جلسة المؤتمر تلاوة الآيات التي بدأ بها المجلس: “وعسى ربّه..”!

-2-

أصحاب الصُحف يعارضون ببيان جماعي – والسباعي وعطّار يلتقيان الأمير فيصل :

ويمضي العطار في روايته:

كان الاخوان جميعاً ثائرين ناقمين، وقالوا: هذه آخرة الجميل، تُغتصب حقوقنا وتُهدر كرامتنا، وتنتزع أموالنا بالقوة.

وقرروا عقد مؤتمر، وكنا ننزل في فندق اليمامة، وكانت الغرفة التي ننزلها (أنا والاستاذ السباعي صاحب مجلة قريش، وصالح جمال صاحب جريدة الندوة) أوسع الغرف، وأبهاء الفندق الفسيحة لا تصلح لعقد مؤتمر يحضره سبعة وعشرون من أصحاب الصحف وبعض مساعديهم، لأن الفندق كان مُزدحماً كل الازدحام بضيوفه.

وبحثنا الموضوع، وقررنا أن نكتب بالاجماع رداً على وزير الاعلام وقرار الحكومة، ونرفع صورة منه لرئيس مجلس الوزراء الأمير فيصل، ووكل الزملاء إليّ والى الاستاذين صالح جمال وأحمد السباعي كتابة الرد، ونحن وكّلنا الى الاستاذ صالح جمال، فكتبه وأضفنا اليه جُملاً يسيرة، وبعد أن رضينا عنه وقعّناه جميعاً.

وبعثنا الى الوزير بيان معارضة قرار الغاء امتيازات الصحف الفردية بتوقيع من كل أصحاب الصحف السعودية.. وصورة لرئيس مجلس الوزراء الأمير فيصل.. وجاء فيه:

“.. ان واجب الأمانة علينا كُمستشارين يفرض علينا أن نوضح الآثار التي سترتب على تنفيذ هذا الاجراء.. لقد أثبتت التجارب العديدة في بلادنا فشل أكثر المشروعات الجماعية ونجاح المشروعات الفردية أو شبه-الفردية.. ونعني بالفردية التي يشترك فيها عدد محدود متجانس.. وليس بخافٍ على معاليكم .. ان اكثر الصحف والمؤسسات والشركات الصحفية في العالم يملكها أفراد أو بيوت معينة، ولا توجد مؤسسات صحفية بالشكل الذي رمى اليه البيان الا في الدول الاشتراكية .. ان هذه الاجراء كان له رد فعل سئ في نفوس الجماهير التي أسمته تأميماً وخطوة نحو الاشتراكية التي يحاربها الدين والدولة .. ”

وأما الصورة التي قررنا رفعها للأمير فيصل فقد أجمع الزملاء على انتدابي أنا والاستاذ السباعي لمقابلة سموه واعطائه الصورة، والتحدث اليه صراحة.

وفي يوم 29 جمادي الثاني 1383 هـ [15-11-1963م] بعد المغرب قابلنا سموّه بقصره بالرياض، وطلب اليّ الأستاذ السباعي ان أسلمه الصورة وأتولى الحديث، فأسلمته اياها، وقلت لسموه: يا طويل العمر، اننا وقفنا مع حكومتنا بإخلاص، وكانت الثمرة انتزاع حقنا منا غصبا، واننا فهمنا ان قرار الغاء امتيازاتنا ثم تحويلها الى مؤسسات انما هو من قبيل التأميم الذي نُحاربه، واننا سمينا عمل عبدالناصر المُماثِل لقرار تحويل امتيازاتنا الى مؤسسات تأميما، وعندما ألغى جمال عبدالناصر أيام الوحدة أكثر الصحف السورية عوّض أصحابها، وسموكم يعلم أن عبدالناصر قوّم اسم جريدة الأهرام بمليون جنيه استرليني، ودفع رُبع مليون بالعملة الصعبة لورثة بشارة تقلا مؤسس الأهرام المقيمين بسويسرا، والباقي على ثمانية أقساط، فلماذا تعاملنا الحكومة هذه المعاملة […] القاسية؟

وتفهّم سموه مطالبنا، وقال: تعلمون أنني مشغول غدا وبعد غد بالميزانية، وستصدر في أول رجب، وبعده أتفرغ لكم، وأعدكم أني سأهتم بمطالبكم.

وشكرنا سمّوه وودعناه، وأخبرنا الزملاء الثائرين، فقرروا العودة الى بلدانهم، وطلبت اليهم أن ينتظروا الموعد الذي وعد به الأمير فيصل، ولكن الزملاء كانوا في حالة سيئة، وصدمهم وزير الاعلام صدمات غاية في الشدّة، وأصابهم اليأس، فلم يسمعوا لي وللاستاذ السباعي والاستاذ صالح جمال، واضطررنا مسايرتهم فعاد الزملاء الى بلدانهم ساخطين ناقمين.

وأبلغتنا وزارة الاعلام في آخر شهر رمضان المبارك 1383هـ، لتصفية حساب حقوقنا، وطلبت الى كل منا أن يقدم طلب بتكوين مؤسسة واختيار أعضائها الى وزارة الاعلام.

-3-

في أول مخاض المؤسسات، الرقيب يتدخل بشكل سافر:

ويروي أحمد عبدالغفور عطّار :

قدمتُ لوزير الاعلام في اليوم الثامن من رمضان 1383هـ [23-1-1964م] طلباً بالسماح بقيام مؤسسة عكاظ، لاصدار جريدة عكاظ.

ولكن الوزارة لم تكن على وفاق معي فحبست طلبي لديها، وأجازت بعض طلبات مكة وجدة والرياض والخبر.

وأصبحت حالة تقديم الطلبات، واختيار الاعضاء، وتدخل وزارة الاعلام بالحذف والاضافة، حالة شبيهة بمصر بعد الثورة مباشرة، اذ تسابق رجالها المنتفعون، وهنا تسابق كثير من الراغبين الى الوزارة يريدون عضوية مؤسسة، طمعاً في السمعة الادارية، والربح المادي المُنتظر. [من طرائف المرحلة ما ذكره عبدالله مناع في مذكراته بعض الأيام .. بعض الليالي اذ اندهش وهو الكاتب المميز في صحيفة المدينة، أن تصدر قوائم أعضاء المؤسسات باسمه عضواً في مؤسسة البلاد لا في المدينة التي رُفعت قائمتها باسمه فيها – وقتها لم يكن المناع يعلم أين تقع صحيفة البلاد ! ]

وكان مقرر أن يدفع العضو خمسة آلاف ريال سهمه في المؤسسة، حتى قال الاستاذ طاهر زمخشري بأسلوبه الضاحك: سعودي + خمسة آلاف ريال = عضو مؤسسة.

وقدّم صالح جمال صاحب جريدة الندوة مسرداً بأسماء أعضاء مؤسسة الندوة، كما قدّم حسن قزاز أحد صاحبيّ جريدة البلاد مسرداً، وقدّم عبدالفتاح أبومدين صاحب صحيفة الرائد وكذلك صنعت صنيعهم.

واتصلت وزارة الاعلام بكثير من الافراد البارزين من وزراء ووكلاء وزارات وتجار وأصحاب أموال وأعمال وباعة ومشترين، فاعتذر كثير منهم، وقبِل كثير، وفرضت وزارة الاعلام، هؤلاء الأسماء فرضاً على المؤسسات التي لم تجد مفراً من القبول، وأغفلت طلبي وطلب أبي مدين، دون أن تخبرنا، بل خدعتنا بأن طلبينا تحت الدراسة.

وكاد شهر رمضان ينتهي، وآخره موعد المهلة التي أعطتها الوزارة أصحاب الصحف، لتصدر صحف المؤسسات في غرة شوال 1383هـ [15-2-1964م].

وودعت عكاظ بالعدد 192 الصادر يوم الثلاثاء 28 رمضان 1383هـ قراءها، وكتبت العنوان الضخم البارز في الصفحة الأولى: “عكاظ تودع قراءها”، وأعلنت أنها لن تصدر بعد هذا العدد، راجية أن تصدر عكاظ من مؤسستها!

[وبعد مراسلات ماراثونية وُمضنية وافقت وزارة الاعلام للعطار على قيام مؤسسة عكاظ في 28-2-1384هـ [9-7-1964م]، مكوّنة من 28 عضواً مساهماً].

-4-

الصُحف تدخل في أحادية رتيبة بعد قرار تشكيل المؤسسات، والقراء يعزفون:

نشر حسن عبدالحي قزّاز، رئيس تحرير جريدة البلاد في عهد صحافة الأفراد، وأحد مُلاكها في عهد صحافة المؤسسات، مقالاً في يوميات عكاظ، في 10 رمضان 1386 [22 ديسمبر 1966م]، يشكو فيه من ضعف اقبال الناس على الصحافة، بعد قرار الغاء صحافة الأفراد :

“ان نسبة التوزيع قد انخفضت الى نحو قريب من النصف عما كانت عليه قبل قيام المؤسسات، وقد سألت، وبطريقتي الخاصة مكاتب التوزيع وأقسام الاشتراكات في ادارات الصحف، فهزوا رءوسهم بأن نعم .. فالقارئ يُلقي الضوء على صفحات الأخبار المحلية حيث يجد نفس الخبر منشورا في كل الصحف وفي نفس اليوم.
[ان] هذا يفسر بأن الأخبار المحليّة غدت كالنشرة الرسمية يتلقاها رئيس التحرير وجهازه لوضع العناوين من زاوية ذاتية تختلف فيها القدرات على الإبراز لوناً وحجماً.
وهناك فارق معين -والحق يُقال- بين الصحف، وهو اختيار التعليقات أو التحقيقات التي تترجم من الصحف الخارجية أو التي تنقل نصاً وفصاً، رغم أن أغلبها يرد -كالنشرة- للصحف بعمومها.. [ان] رئاسة التحرير غدت وظيفة يحسن الاحتفاظ بها.. بكرسيها.. وبمرتبها.. حتى ولو بمسمار.. ضماناً من الخلخلة والتعثر!”

وعقّب على مقال القزاز، عبدالله عريف، مدير عام مؤسسة مكة التي تُصدر صحيفة الندوة، في مقال نشره بعكاظ في 2 يناير 1967م.. جاء فيه:

“ان الاستاذ حسن قزاز نشر وأكدّ على لسان مكاتب التوزيع وأقسام الاشتراكات بالصحف ان توزيع الصحف قد نقص بنسبة النصف، ولم يكذب … فالقراء لم يعودوا يجدون الخبر والصورة والمقال والقصة .. الى آخر المواد المشوّقة التي تنظوي عليها رغائب القراء ومتطلباتهم من الصحف ! .. وهذا خبر مفزع ينبغي ألا يمر دون تعقيب، ثم دون توسع في شأن الاصلاح الصحفي عامة، ولكن مطالب الاصلاح هذه ينبغي أن تكون دراسة مجردة عن هواي مع “المؤسسات” أو هوى غيري مع صحافة الأفراد “.

وأيدهما أحمد عبدالغفور عطّار في فصل كتبه بمذكراته المخطوطة، بتاريخ 8 يونيو 1968م .. جاء فيه :

“خلال خمس السنوات الماضي التي قامت فيها صحافة المؤسسات زاد عدد القارئين في المملكة، ومع هذا نقص التوزيع الى النصف !
واليوم الذي أكتب هذا الفصل [السبت 8 يونيو 1968]، قد هبط توزيع الصحف الى حد مخيف، الى نصف النصف الذي أشار اليه الاستاذ حسن قزاز وعقّب عليه الاستاذ عريف.
وهناك غير التوزيع، وأهم منه أن قيمة النسخة من الجريدة اليومية في عهد الأفراد كانت ثلاثة قروش، واليوم في عهد صحافة المؤسسات ستة قروش، والاشتراك السنوي في الجريدة اليومية في عهد الأفراد أربعون ريالاً، واليوم في عهد المؤسسات تسعون ريالاً، والصفحات هي هي .. وقد أعلنت صحافة المؤسسات أن صُحفهم تخسر، مع أن الاعلانات الحكومية زادت بزيادة مطردة بحيث تبلغ أضعاف ما كانت تحصل عليه صحافة الأفراد التي أممها وزير الاعلام في مؤتمرة الصحفي عقيب بيانه الرسمي بأن صحف الأفراد تجلس على كتز ثمين .
ولو أجرت الحكومة بواسطة لجنة وزارية نظيفة استفتاء شعبياً عن صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات وأيهما أحسن، وأيهما يجب لما أدى الاستفتاء إلا الى نتيجة واحدة، هي: صحف الأفراد أحسن وأوجب، وبأغلبية ساحقة .
وسمعت من أحد أعضاء المؤسسات الصحفية وهو رئيس تحرير جريدة قولا يُحسن أن يدون، لأن وراءه من المعاني:
عندما سافرت منذ بضعة أسابيع البعثة الصحفية السعودية الى لندن في حفلة الخطوط الجوية العربية السعودية لافتتاح خطها الجوي المباشر من جدة الى لندن، سأل أحد الانجليز هؤلاء الصحفيين : أأنتم صحفيون؟ فأجابوه: نعم، فقال، ما نوع عملكم في الصحافة ؟ فقالوا : منا رؤساء تحرير، وسكرتير تحرير. فقال الانجليزي: عجباً ! يبدو لي أنكم صغار الأسنان، الخ ! .

[لقد] زادت المؤسسات قيمة نسخة الجريدة الضعف عنها في أيام الأفراد، وزادت الاشتراك الضعف زائداً عليه الربع، فتكون الزيادة في الاشتراك مرة ورُبع مرة، وسخت معها الحكومة معها في الاعلانات، وزادت في قيمتها بالنسبة للحكومة وللأهلين .
حدث هذا في الوقت الذي فكر أصحاب صحف الأفراد بإنقاص قيمة نسخة المبيع من 3 قروش الى قرشين، والاشتراك من أربعين الى ثلاثين ، والاعلانات بنسبة 30% بالنسبة للحكومة والشركات، ونسبة 40% بالنسبة للأهلين . ولو بقيت صحف الأفراد في أيديهم لتم هذا، وعليه تكون زيادة قيمة نسخ صحف المؤسسات وبدل الاشتراك وقيمة الاعلانات بنسبة واحد الى ثلاثة .
فأي الصحف التي تجلس على كنز ثمين؟ أصحف الأفراد أم صحف المؤسسات؟ .. ومع كل هذا الدخل العظيم تشكو صحف المؤسسات، فمنها ما يشكو الخسارة الماحقة، ومنها ما يشكو “الافلاس” فكيف يحدث هذا ؟
الجواب معروف ، والناس يعلمون ، والقراء مع كثرة عددهم على مر الأيام ينقصون بالنسبة لصحافة المؤسسات ، فاعجب لهذه المفارقات أو لا تعجب ، ما دام السر مفضوحاً “

* * *

لعل التاريخ يُسجل لروّاد الصحافة كفاحهم ومقاومتهم -قدر المستطاع- لاستمرار امتيازات صُحفهم الفردية، ضداً على قرار انتزاعها لصالح مؤسسات صحافية في خطوة أسموها بـ”التأميم“، وضداً على تدخل الحكومة في أعمال الصحافة والاعلام.

صورة من احد صفحات مذكرات أحمد عبدالغفور عطّار بخط يده - لم تنشر بعد.

Advertisements
هذا المنشور نشر في من تاريخ الصحافة. حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to 1963: قرار “تأميم” الصحف .. ماذا جَرَى؟

  1. توفيق السيف كتب:

    مقال جميل – سلم قلمك وسلمت يداك عزيزي محمود
    اتمنى ان تواصل في نفس الموضوع ، لازال موضوع “التاميم” بحاجة الى نبش، تاميم الصحافة وجامعة جدة والنشاطات الاهلية الاخرى. اعتقد اننا بحاجة الى لفت الانظار الى المجتمع المدني الذي جرى الغاؤه ، لتشجيع الناس اليوم على معاودة الكرة
    سلمك الله

  2. التنبيهات: Twitted by Bedoor_FT

  3. رائع يا محمود، رائع رائع..

    هذه المدونة إضافة رائعة ومؤثرة في ساحة التدوين السعودي. جميل منك الانضمام للتدوين 🙂

  4. تلخيص تاريخي مهم .. لمرحلة تاريخية هامة
    ابدعت في الإنتقاء .. خصوصا في هذه المرحلة المهمة

  5. أسامة كتب:

    إبداع يا محمود، أشكرك!
    هل من المقرر نشر تلك المذكرات؟ هل توجد مذكرات أخرى يمكن الاستعانة بها للتعرف على ذلك التاريخ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s